لو قررت التقدم بشكوى سأضمّنها سؤالاً آخر: لماذا تغيب اللغة المصرية القديمة عن فضاءاتنا العامة، رغم جماليتها البصرية؟ لماذا نلهث وراء جمال على الطريقة الألمانية والإنجليزية بحثاً عن رقى متوهم، بينما نترك الكنوز التى تحت أقدامنا مهجورة فى صمت المتاحف؟ لدىّ إجابة عن سؤال شكواى مثل أى زبون يعرف أنه على حق: نحن لا نبحث عن الجمال، ولا عن علامات ورموز مغايرة لأن لغتنا عجزت عن التعبير عن أفكارنا. الكلمة الواردة فى العنوان أعلاه بالألمانية وتعنى «جميل» أو «جمال»، وقد دخلت إلى قاموسى اللغوى بعدما رأيتها على واجهة محل فى شارع راقٍ بإحدى المدن الجديدة. لم تتح لى فرصة معاينة الجمال الذى يتاجر فيه صاحبه، لكنى استنتجت أنه جمال مغاير لما خبرناه باللغة العربية، وإلا فلماذا لم يُكتب الاسم بالعربية؟ هل ظن أنه هكذا سيكون مفهومًا أكثر؟ أم أنه يخاطب جالية ألمانية ما؟ أم المقصود أننا مدعوون إلى درجة أعلى من الرقى؟ أم أن المسألة لا تعدو أن تكون شكلًا بصريًا مغايرًا للمألوف؟ يمكن أن نسحب الأسئلة السابقة على عشرات المظاهر اللغوية المتنافرة فى شوارعنا؛ لماذا نسمى المحلات بأسماء إنجليزية، وبالفرانكو، وبأسماء مبتذلة؟ لماذا يسمى الخبازون منتجاتهم بأسماء بعضها سخيف وبعضها غير عربى؟ هل لأن ما يستخدمونه فى إنتاجها مواد ووصفات مستوردة من الصعب تعريبها؟ مثل الطب، حيث أقل قدر من الخطأ فى ترجمة مصطلح طبى قد تترتب عليه نتائج سلبية على صحة الحالة. بالمثل، فإن مذاق ال«بلاك فورست كيك» قد يتغير إذا أطلقنا عليه «كعكة الغابة السوداء»! ما الرابط بيننا وبين الغابة السوداء على أى حال؟ أو ال«آبل باى» (فطيرة التفاح)؟ هذه الأسماء لم تنشأ من فراغ، بل تستند إلى ثقافات وعادات لها جذورها فى بلادها قبل أن نستوردها، لا للإضافة إلى ما لدينا، بل لنزيح بها ما اعتدناه وألفناه، فى فعلٍ عمدى نتخلص به من ذاكرتنا وذكرياتنا. سألت أحد العاملين يومًا فى محل ما عن المعنى، أن يترجم ما يقوله لى، ولم أطلب تعريب المنتج الذى أريد ابتياعه انتصارًا للغتى وهويتى وثقافتى، وغير ذلك مما نسوقه عادة عندما نتحدث عن اللغة، بل لأنى ببساطة رغبت فى معرفة مكونات ما أشتريه، وذاكرتى لا تحتفظ بأى مرجعية لما يقول؛ لا أمى ولا خالاتى كنّ يستخدمن هذه المكونات لأستدعى نصائحهن للتفرقة بين المفيد والضار، فالسؤال إذًا: هل فوضى اللغة من حولنا جزء من عملية خداع نمارسها كلنا على أنفسنا؟ عامل المحل لم يتمكن من تقديم أى معلومة عما أسأله عنه؛ لم يعتد ذلك لأنه مأمور بأن ينسلخ عن ذاته ليكون جزءًا من عالم مصنوع، وكثير من المستهلكين مجبرون على السلوك ذاته للترقى فى هذا العالم، تحثهم اللعبة على تعلم بعض المفردات الأجنبية الجديدة والانصياع لتدريب يؤهلهم ليكونوا متسوقين مثاليين فى هذا العالم الفخم الذى تتم صناعة صورته عبر «فلاتر اللغة». هذه ليست بمثابة شكوى أقدمها إلى جهاز حماية المستهلك؛ هل يقبل الجهاز من الأصل بلاغات عن «اللغة الفاسدة»؟ لو أردت تقديم شكوى فالمكان الأصلح لحالتى هو مجمع اللغة العربية، أظن أنهم فى فترة من الفترات كان لديهم حق الضبطية القضائية، لكن هذا كان قبل عشرين عامًا، لا أدرى على وجه الدقة، ولست متأكدًا هل مازال المجمع يمتلك هذا الحق أم لا؟، لكنى أشك فى قدرة أعضاء المجمع على تنفيذه؛ فقد تناقص عددهم بصورة كبيرة ولم يدخل عليهم أعضاء جدد منذ سنوات طويلة بسبب تعقيدات إدارية يحار الشخص العادى فى فهم أبعادها. لو قررت التقدم بشكوى سأضمّنها سؤالاً آخر: لماذا تغيب اللغة المصرية القديمة عن فضاءاتنا العامة، رغم جماليتها البصرية؟ لماذا نلهث وراء جمال على الطريقة الألمانية والإنجليزية بحثاً عن رقى متوهم، بينما نترك الكنوز التى تحت أقدامنا مهجورة فى صمت المتاحف؟ لدىّ إجابة عن سؤال شكواى مثل أى زبون يعرف أنه على حق: نحن لا نبحث عن الجمال، ولا عن علامات ورموز مغايرة لأن لغتنا عجزت عن التعبير عن أفكارنا، لكننا نبحث عن «الآخر» فينا، وفى غمرة هذا البحث، ننسى أن اللغة لم توجد إلا لنجد فيها أنفسنا أولًا قبل السعى إلى الآخر. لهذا وبعد تفكير، قررت أنى لن أتقدم بأى شكوى لأى جهة، سيقولون إن ثمة مشاكل ومسئوليات أكبر عليهم معالجتها، وأعذرهم فى هذا لأنهم لا يعلمون أن قدرًا لا يستهان به من مآزقنا سيذوب فى الهواء إن وحدنا لغتنا.. القصة التوراتية تقول بأن اختلاف الألسنة حدث عقابًا على التمرد الإنسانى فى بابل، والقرآن يقول إن الاختلاف آية لفهم المعنى الأكبر، وفى كل الأحوال فالقصد من الرؤيتين أن اللغة أحد مآزق الوجود، وأحد أساليب التعبير عنه فى الوقت ذاته، وفى كل مرة نستخدم فيها اللغة فإننا نسعى لتجاوز الخطيئة البابلية لاستعادة التناغم البشرى. سأستعيض عن الشكوى بإحياء عادة سنوية بالكتابة عن اللغة العربية، خاصة أنه فى 18 ديسمبر الفائت مرت احتفاليتها السنوية فى هدوء من دون أن يتذكرها سوى القلة؛ لم يكن هناك كثير من الاهتمام غالبًا بسبب معارك ال«ترندات» الجماهيرية، ومن الأفضل أن الاهتمام قد توقف لأنه لا جديد يقال، سنكرر الجمل المحفوظة ذاتها: لغة القرآن، لغة الشعر والأدب والفصاحة، ثم وبعد أن ينتهى احتفال اليوم نحفظ الجمل فى أماكنها إلى العام التالى. أنا أيضًا سأحتفظ لدىّ ببعض الجمل من هذا المقال، وفى ديسمبر المقبل سأعيد فحصها لأرى ما الذى تغير عليها، لأنى أعتقد أن الكثير من لغتنا يتآكل بسبب فترات التخزين الطويلة وعدم الاستخدام؛ ذلك أن الخوف الحقيقى ليس على اللغة من الفساد الإدارى، بل من الهجر. فعندما نزيح مفرداتنا لنضع مكانها فلاتر براقة فنحن لا نقوم بعملية تحديث للغتنا، بل نفرغ ذاكرتنا. لهذا سأحتفظ بكلماتى هذه فى مخزنى الصغير حتى ديسمبر المقبل، آملاً ألا أجدها قد تآكلت بفعل الصدأ، أو أننى حين أقرأها مجدداً، سأحتاج لمترجم ليفسر لى ماذا كنت أعنى حين كنت أتحدث بلغة كانت، يومًا ما، تشبهنا.