بيرتولد فرانكه هل يمكنك أن تظل مخلصًا لشخص خدم النازية؟ لقد فعلت حنة أرندت ذلك، وبهذا كتبت فصلًا مطويًا من تاريخ ألمانيا بعد الحرب، إنها علاقة تختبر التفكير والأخلاق على حد سواء. لم يعلم أحد بالأمر، لا الزوجة المخدوعة، ولا أقرب أصدقاء الطالبة الشابة القادمة من كونيجسبرج، ولا أى شخص آخر، فقد اضطرت حنة أرندت، ذات الثمانية عشر عامًا، وأستاذ الفلسفة مارتن هايدجر، البالغ من العمر 35 عامًا، إلى بذل جهد كبير لإبقاء سرهما الغرامى طى الكتمان فى ماربورج؛ تلك البلدة الجامعية الصغيرة والمحدودة، حيث ربطتهما بين عامَى 1924 و1926 علاقة غرامية عاصفة. فصارت بينهما إشارات متفق عليها كتشغيل الأضواء وإطفائها، ورسائل سرية، ومكاتبات، ولقاءات تُنَسَّق فى أماكن مختلفة وفى ظل ظروف تآمرية، لم يستطع أحد آنذاك كشف ما كان بينهما، وهذا لحسن الحظ؛ لأن الأمر لو انكشف حينها لتفجرت فضيحة حقيقية. لكن الفضيحة كانت أشد وقعًا حين شاع الخبر بعد ذلك بزمن، حينها كان الطرفان قد رحلا عن عالمنا منذ زمن طويل، فالفيلسوف العالمى الشهير عميد الجامعة ذى الخلفية النازية، والمنظِّرة السياسية اليهودية ذات الشهرة العالمية، ربطتهما -قبل أن تبدأ مسيرتاهما العالميتان- حالة عشق. البحث عن التفكير الراديكالى فى زمن الثورة لنعد إلى البداية، اختارت الشابة حنة أرندت ماربورج مكانًا للدراسة بعد تفكير وتمحيص دقيقين، ففى تلك البلدة الصغيرة التى كانت لا تزال تبدو فى تلك السنوات وكأنها جزء من القرن التاسع عشر، وحين ازدهرت «الروح» الألمانية فى مراكز جامعية إقليمية مثل جوتنجن ويينا وتوبنجن، عمل هناك أستاذ شاب نال فى الأوساط المطلعة سمعةَ بأنه مجدد فى الفلسفة ومُخل بأعرافها، وتعود أرندت بالذاكرة فتكتب عن الشاب مارتن هايدجر.. عن هذا الذى تُتداول بشأنه أخبار استثنائية، فتقول: «لم يكن هناك أكثر من اسم، لكن الاسم سافر فى أنحاء ألمانيا كلها مثل شائعة عن ملك خفي»، وتقول: «ما دام هناك معلم؛ فربما يكون بوسعنا تعلم التفكير»، وهذا ما جاء على هوى جيل أكاديمى شاب كان يبحث عن بدائل جذرية بعد هزات الحرب العالمية الأولى والسنوات التابعة لها، كانت أرندت ودوائر أصدقائها جزءًا من مجموعة من المواهب الفلسفية الشابة، التى تلقت «معموديتها» الفكرية على يد هذا المدرس الشاب فى ماربورج، ومن بينهم عدد لا بأس به سيُشكّل الفلسفة فى ألمانيا فى الجيل التالي. ويبدو أن الأمور قد تقدمت بسرعة كبيرة، ففى محاضرة لهايدجر فى أكتوبر 1924 التقت أنظار الأستاذ والطالبة (لحظةٌ سيعيد هايدجر استحضارها بعد 25 عامًا فى رسالة لاحقة)، وبعد وقتٍ قصير حضرت هى إلى مكتبه، فبدأ فورًا بمغازلتها بصراحةٍ لا لبس فيها، وقد تكون دهشة هايدجر من الطالبة ذات الجمال اللافت بإشراقتها القوية أقلُّ حاجة إلى تفسيرٍ مما هى عليه مسألة تفانيها هى منذ البداية من أجل الرجل الأكبر سنًا المتزوج وأب لطفلين. وتقدم روايات طلابٍ آخرين تفسيرًا لذلك، إذ تصف الكاريزما الطاغية التى تمتع بها هايدجر الشاب، فأول ما كان يلفت النظر هو هيئته الغريبة: رجل قصير القامة على نحو لافت، رياضيّ البنية، يرتدى زيًّا مفصَّلًا خصيصًا له، أشبه بلباس فولكلورى مع معطف طويل، فى مظهرٍ يشى عمدًا بموقعه باعتباره شخصًا خارجًا عن المألوف، وقد برهن أسلوب ظهوره فى المحاضرة على ذلك أيضًا؛ فبصوت خافت، ونظرة موجَّهة إلى النافذة أكثر منها إلى القاعة، وقف يعلن عن نقد جذرى للفلسفة الجامعية السائدة، تلك التى سادت فى ماربورج كما فى ألمانيا كلها آنذاك، وهى الفلسفة الخاضعة لهيمنة المدرسة النيوكانطية، كان فى حضوره جدية عميقة وعزم واضح؛ فهذا الرجل يخوض، كمقاتل منفرد، مواجهة مع مجمل الحقل الفلسفي، معلنًا أفق تفكير جديد بالكامل، يتناول الأسئلة الكبرى للوجود الإنسانى عبر حوار مباشر مع المصادر اليونانية القديمة (متجنبًا الاستناد إلى الفلسفة الأوروبية الحديثة). واليوم يصعب تخيل مقدار الجاذبية التى مارستها هيئة هايدجر ولغته، فها هو تلميذه هانس-جيورج جادامر يصفه بأنه: «حدث أولي، ليس بالنسبة لى وحدي، بل بالنسبة لماربورج كلها آنذاك»، ويصفه كثير من الطلاب بأنه «مُسكر»، وعلى سبيل استعادة الذكريات يروى الفيلسوف هانز يوناس عن سر تأثيره: «كنا نقع تحت سطوة سحره قبل أن نفهمه»، ويضيف: «كان هناك رجل يفكر أمام طلابه، لا يقدم فكرًا معلبًا، بل ينجز فعل التفكير نفسه فى حضورهم، وكان ذلك بمثابة زلزال، أما تلميذه كارل لوفيت فيصوره بأن: «نصفه رجل علم، أما نصفه الآخر -وربما الأكبر- فشخصية معارضة وواعظة». ويبدو أن قدرًا خاصًا من السحر كان يصدر عن طريقة هايدجر، التى جمعت بين الوعد بالبساطة الجذرية وبين تغليف مسارات تفكيره بالغموض والإظلام؛ مسارات لم تكن تحليلية بقدر ما هى أشبه بالتسلق إلى مرتفعات فكرية متصاعدة، حتى إن تلامذته الماضيين خلفه كانوا يفقدون مرارًا أثر الأستاذ المتقدم عليهم. من الانطلاقة الفكرية إلى التيه السياسي انفتحت أرندت، شأنها شأن زملائها الطلبة، بشغف على هذا العرض الفكرى الآسر الذى بدا شديد الإغواء، وصارت عشيقة الرسول الشاب، مستجيبة من غير مقاومة لطلبه الصارم بالحفاظ على السرية التامة، لكنها تدرك سريعًا أنها لن تقوى طويلًا على هذه المغامرة العاطفية والفكرية؛ فتُنهى العلاقة فى ربيع عام 1926 رغم استمرار تعلقها العاطفى العميق به، وتغادر إلى هايدلبرج لتكتب رسالة الدكتوراه عن مفهوم الحب عند أوغسطين تحت إشراف كارل ياسبرز، الصديق المقرب لهايدجر، ويظل التواصل بين الثنائى قائمًا عبر مراسلات مكثفة وحميمية، وتحدث لقاءات متفرقة، لكن العلاقة لا تُبعث من جديد. فى عام 1927، كان كتاب هايدجر الأهم «الوجود والزمن» -الذى يؤكد لها فى رسائله أنه صاغه تحت تأثير لقائه بها- قد انفجر فى الساحة الفلسفية كالقنبلة، وحول هايدجر من كنز ماربورج الخفى إلى نجمٍ عالمي، بعدها يفضل هايدجر العودة إلى جامعته الأم فى فرايبورج على قبول عرض من برلين، ليواصل من موقعه فى أحد أقاليم ألمانيا مراقبة ما كانت النخب المحافظة والنازيون يحيكونه لتدمير جمهورية فايمار، لكن مع استيلاء هتلر على السلطة، يتخلى فجأة عن هذا الدور، ويُنتخب فى أبريل 1933 رئيسًا لجامعة فرايبورج، وفى مايو ينضم إلى الحزب النازى بصورة لافتة وعلنية، ليقدم نفسه فى «خطاب الرئاسة» الشهير فى 27 مايو 1933 بوصفه مؤمنًا بفكر «الفوهرر» وممن يتولون تنفيذ سياسة التماثل القومي- الشعبى فى جامعة فرايبورج. وتشكل قصة الرئاسة الجامعية القصيرة (حتى أبريل 1934) وحماس هايدجر لنهضة الحركة الوطنية الاشتراكية فصلاً منفصلاً بحد ذاتهما، حتى لو اتبعنا تبريراته اللاحقة -التى كثيرًا ما تبدو غير مقنعة - ومفادها أنه بعد أشهر قليلة من وهمه بأنه قد يساهم فى قيادة الروح الفكرية لألمانيا الجديدة، أدرك الطابع الحقيقى للنظام الجديد فانسحب إلى الاستسلام والعداء الداخلي، ويظل المشهد صورة مؤلمة لفشل خلقى وقابلية للانقياد، يسلطان ضوءًا معبرًا ليس على الرجل فحسب بل على فلسفته أيضًا، فقد أصبح هايدجر -مجدد التفكير الراديكالي- هو الباحث الأنطولوجى الأساسى لتمكين الاستيلاء النازى على السلطة. فى فترة الأزمة التى سبقت انهيار جمهورية فايمار قاد الطريق أرندت إلى الحركة الصهيونية داخل ألمانيا أولًا، ثم فى منفاها الباريسى من بعدها، ومن هناك -بعد انفصالها عن زوجها الأول جنتر شتيرن (الذى عرف بصفته كاتبًا فلسفيًا بعد الحرب باسم جنتر أندرز)- فرت إلى نيويورك مع شريكها الجديد هاينرش بلوشر، حيث بنت لنفسها وجودًا جديدًا كصحافيةٍ سياسية وكاتبة مقالات، وقد استغرق الأمر سبع عشرة سنة قبل أن تطأ قدماها أرض ألمانيا مجددًا فى أثناء رحلة إلى أوروبا شتاء عام 1949، وبالطبع كان اتصالها بهايدجر قد انقطع خلال هذه المدة، غير أنها كانت على علم بتورطه فى الأنشطة النازية، وذلك بفضل معلمها ياسبرز قبل كل شيء، الذى -بصفته زوج امرأة يهودية- تعرض للإعفاء من منصبه الجامعي، ثم نجا من الرايخ الثالث بحسن حظ، ومن بعدها استأنف مراسلاته المكثفة مع أرندت بعد انتهاء الحرب، وفى رسالةٍ له عام 1946 عبرت عن غضبها الشديد من عشيقها السابق بقولها إنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا سوى «أن تعتبر هايدجر قاتلًا محتملاً». الذنب والوفاء ثم يحدث ما لا يُصدَّق: تسافر أرندت إلى فرايبورج وتلتقى فى مساء 7 فبراير 1950 بهايدجر فى أول حديث مطول بينهما، ويتجدد اللقاء فى اليوم التالى بحضور زوجة هايدجر، النازية القنوع التى اعتادت تحمل نزوات زوجها العاطفية الكثيرة، وكانت قد أصبحت على علم بالقصة القديمة، كيف أمكن لذلك أن يحدث؟ كيف استطاعت أرندت ذات البصيرة النافذة فى تحليلها لما جرى فى ألمانيا، أن تضع علاقة شخصية -ومعها محاولة شفائها (إذ يستأنف الاثنان بعد ذلك مراسلاتهما، ويؤكدان مشاعرهما العميقة والدائمة تجاه بعضهما، وتجرى لقاءات أخرى فى السنوات التالية)- فوق كل رؤية عقلانية، وأن تفعل ذلك فى التفاتة مفاجئة تتجاوز ما بينهما من شرخ كان فى الأساس غير قابل للالتئام؟ التفسير تقدمه أرندت نفسها فى رسالة كتبتها لهايدجر بعد عودة اللقاء مباشرة، وتقول فيها إنه كان هناك «إكراه رحيم» هو الذى أنقذها من «ارتكاب الخيانة الوحيدة التى لا تُغتفر حقًّا»، وبذلك إنقاذ «حياتها من الضياع»، كان دافعها ببساطة هو الوفاء.. وفاء لشخص ما بوصفه قسرًا داخليًا لا تستطيع الفكاك منه، رغم أنها كانت تدرك تمامًا لمن تقدم وفاءها. ويبدو أنها كانت تعى تمامًا فضائحية الأمر؛ فهى لم تملك أوهامًا لا بشأن هايدجر ولا بشأن حال ألمانيا، وفى تقريرها «زيارة إلى ألمانيا»عن رحلتها الألمانية بعد عودتها إلى الولاياتالمتحدة، تلقى نظرة فاحصة لا ترحم على الناس فى هذا البلد المدمَّر، وترسم صورة جماعة عمياء متباكية تنكر كل مسئولية، وتشكو بحدة مصيرها الذى تراه شقاء غير مستحق أوقعته بها قوى عليا، بدلًا من أن تُرجع البؤس الألمانى إلى أسبابه الألمانية الخالصة. غير أن هذا النمط من التنصل من الذنب، المقرون فى الوقت نفسه بتباكٍ على الخسائر الذاتية - وهذه المفارقة بالتحديد لم تكن أرندت لتفوتها- يطابق تمامًا موقف هايدجر نفسه، الذى انسحب منذ نهاية الحرب، رافضًا بإصرار أى جرد للواقع الألمانى المهزوم، وانكفأ بدلًا من ذلك على ذرى شعر فريدريش هولدرلين الكلاسيكي، ليُخفى الكارثة الألمانية تحت تأويل أنطولوجى يرى فيها فعلًا وجوديًا للقدر. وسيظل كذلك طوال فترة منعه من التدريس على يد السلطات الفرنسية، والتى استمرت حتى عام 1950، حيث حاول التقليل من شأن انخراطه فى الحركة النازية عبر استطرادات وأكاذيب واهية، بل وتقديم نفسه بصفته معارضًا «حقيقيًا» لتلك الحركة -وهو ما سيستمر عليه حتى نهاية حياته-: لا اعتراف بالذنب، ولا كلمة ندم، ولا إشارة إلى تأنيب ضمير. هنا يقف المفكر العظيم الذى سقط أمام أعين الجميع، ولم تزده تبريراته الواهية إلا خزيًا؛ إذ كشفت عن ضعفٍ أخلاقى متجذر؛ وهناك تقف الزائرة ذات البصيرة النافذة، التى تُبقى على وفائها الشخصى لذلك الرجل، فى فعل يجسد أبسط أشكال الإنسانية وأعمقها، فى هذه الصورة تتكثف العلاقة التى تبدو مستحيلة أصلًا بين حنة أرندت ومارتن هايدجر. الراديكالية والمصطلحات – قضية هايدجر ظلت الجدالات حول «قضية هايدجر» تشغل الرأى العام طويلًا بعد وفاته عام 1976، وكانت المواقف المسيطرة فى البداية تمثلها رؤية جادامير، الذى وقف -بالاشتراك مع جيل كامل من تلاميذ هايدجر- بحزم فى الدفاع عن فكره «الحقيقي»، الذى يُفترض أنه ظل بمنأى عن روح النازية، معتبرًا انحرافاته السياسية مجرد زلات عابرة، أما وجهات النظر النقدية، التى عبر عنها تلميذه لوفيت، الذى جعلته أصوله اليهودية وتجربته فى المنفى أكثر حساسية، وكشفت مبكرًا عن أوجه التشابه البنيوية بين أيديولوجيا النازية ومواقف هايدجر، هذه الانتقادات ظلت قليلة ونادرة، وقد وجدت هذه المواقف النقدية دعمًا مهمًا من خلال التحليلات البناءة للغة هايدجر، التى فَككها تيودور أدورنو فى عام 1964 تحت عنوان «لغة الأصالة» واعتبرها مساهمة فى دراسة الأيديولوجيا الألمانية. هل يمكن أن يكون التأثير الهائل ل«المعلم من ألمانيا» (وفقًا لروديجير سافرانسكي) على أجيال من الأتباع المتقبلين، قائمًا أساسًا على لغته وأسلوبه الغريب أو المبهم (حسب وجهة النظر)، التى تستحضر العمق والراديكالية بطريقة شعوذية أكثر منها مسندة إلى الحجج؟ مقارنة بالراديكالية المعيشة (بمعنى الطاقة المتجذرة) لدى أرندت فى مسار حياتها الشخصى والفكري، يبدو هذا مجرد ادعاء زائف، بعد كل تلك المعارك فى حياتها الخاصة والعامة، وبعد الهجمات الشديدة التى واجهتها مرارًا -سواء ردة الفعل على تحليلاتها النقدية بوصفها خارجية تجاه الصهيونية، أو كتابها عن مجرم الحرب النازى أيخمان وما سمته «تفاهته الشخصية» (الذى فسّره منتقدوها خطأً على أنه تبرير، بدلًا من إدراك الوحشية الحقيقية للفعل) - قدمت صداقة للرجل العجوز فى فرايبورج، الذى كان يومًا عشيقها. هز الكثيرون رؤوسهم حيال ذلك، لكن لم يفرض عليها ذلك سوى وفائها العميق الداخلى ويمكن التساؤل هنا: هل كان هذا وفاءً له شخصيًا، أم بالأحرى وفاءً لذاتها، تمنحه المرأة الناضجة التى هى عليها اليوم للفتاة الشابة فى ماربورج التى كانت يومًا هناك منذ زمن بعيد؟ أما الفضيحة التى يظهرها هذا السرد، فليست تلك التى لم تحدث فى المدينة الجامعية الصغيرة، ولا لقاء ما بعد الحرب الذى يبدو مستحيلًا، بل تكمن فى الجبن وخيانة الوفاء لدى شخص مهتز أخلاقيًا صار فاسدًا بالسلطة، ووراء إخفاقه تبرز بوضوح الشجاعة الراديكالية والعظمة الإنسانية لحنة أرندت.