ولا يمكن قراءة هذا التحرك دون رؤية خيوط العنكبوت الإسرائيلي- الإثيوبى وهى تنسج بتناغم من أجل تفتيت القارة وتطويق القاهرة فى أعماق الأساطير اليونانية القديمة، هناك قصة تحمل اسم «باندورا»، المرأة الأولى التى أُرسلت إلى الأرض حاملة معها صندوقا غامضا أهداها لها «زيوس» ملك الآلهة، مع أمر صارم «إياك أن ترفعى غطاء الصندوق». لكن الفضول كان يسرى فى عروقها، وفى لحظة ضعف، رفعت الغطاء قليلًا لترى ما بداخله، فكانت الكارثة. انطلق من الصندوق كل شرور البشرية ومصائبها من حروب وأمراض وجشع، لتنتشر فى كل أنحاء الأرض، وفشلت «باندورا» فى إعادتهم وإغلاق الصندوق مجددًا. ويبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو قد نصب نفسه فى العقد الأخير حارسًا أمينًا على مقتنيات ذلك الصندوق اللعين، بل وكأن مهمته الوجودية لم تكن سوى محاكاة لدور «باندورا» فى العصر الحديث فكلما هدأت عاصفة فى الشرق الأوسط، سارع بفتح الصندوق لإطلاق المزيد من الشرور والفتن، وتمزيق النسيج العربى، وإبادة ما يستطيع من البشر والحجر، واحتلال الأراضى العربية وصولًا إلى قيامه برفع الغطاء عن صندوق الشر فى القرن الإفريقى. يوم الجمعة الماضى، تجسد المشهد «الباندورى» فى أبهى صوره من خلال تلك المكالمة الهاتفية التى أجراها نتنياهو مع الممثل الانفصالى لإقليم أرض الصومال. لم يكن الأمر مجرد تواصل دبلوماسى عادى، بل كان عرضًا مسرحيًا تم تصميمه بعناية لغزو الشاشات، حيث أعلن نتنياهو رسميًا اعتراف إسرائيل بأرض الصومال كدولة مستقلة ذات سيادة، لتصبح بذلك تل أبيب أول دولة عضو فى الأممالمتحدة تقدم على تلك الخطوة منذ عام 1991. بالطبع، يمثل هذا الاعتراف «فتحًا لصندوق الشرور» ضد وحدة واستقرار الدول الإفريقية، وضربة قاصمة لميثاق الاتحاد الإفريقى الذى يقدس مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة من الاستعمار. وعلى عكس حالة جنوب السودان، التى جاء انفصالها نتاج «توافق» واتفاقية سلام مع الحكومة السودانية، يمثل الاعتراف بأرض الصومال سابقة دولية خطيرة فهو اعتراف بإقليم منشق «أحاديًا» رغم رفض دولته الأم «مقديشو» وهنا تظهر الازدواجية الوقحة لنتنياهو، فبينما يسارع للاعتراف بحق انفصال إقليم محظور دوليًا يستنفر كل قواه لمنع أى اعتراف دولى بالدولة الفلسطينية، ضاربًا عرض الحائط بكل المواثيق التى يدعى احترامها. أما لماذا إثيوبيا لم تسارع بالاعتراف.. فذلك لأنها تخشى عقوبات الاتحاد الإفريقي. خطورة هذه الخطوة الفجة أنها تفتح الباب على مصراعيه وتشجع حركات انفصالية أخرى فى إفريقيا لتحذو حذوها، مما يهدد بتحويل القارة إلى دويلات قزمية متناحرة. أما نحن فى القاهرة، فقد أصبح المخطط واضحًا وضوح الشمس، فالهدف الأكبر بات هو تطويق الدولة المصرية فى منطقة نفوذها الحيوى. فوجود حليف لإسرائيل فى شمال الصومال، مدعومًا برضا وتنسيق إثيوبى، يعنى وضع القاهرة بين فكى كماشة.. الأول يتحكم فى شريان مياه النيل، والثانى يهدد سلامة الملاحة فى قناة السويس من خلال الهيمنة على المداخل البعيدة للبحر الأحمر، وهو ما يمس مباشرة الأمن القومى العربي. ولا يمكن قراءة هذا التحرك دون رؤية «خيوط العنكبوت» الإسرائيلي- الإثيوبى وهى تنسج بتناغم من أجل تفتيت القارة وتحويل ميناء بربرة ومحيطه إلى منطقة نفوذ مشتركة، تضمن لأديس أبابا أخذ ما ليس لها على البحر الأحمر، وتمنح تل أبيب أدواتٍ ونفوذًا تطوق به التحركات العربية فى المنطقة. وأمام هذا الواقع، لم يعد خيار الصمت أو الاكتفاء ببيانات التنديد كافيًا فالسبيل الوحيد للمواجهة يكمن فى تحرك إفريقى وعربى حازم، يبدأ بتعزيز التواجد العسكرى والدبلوماسى فى مقديشو لدعم وحدة الدولة الصومالية، وتحويل اتفاقيات الدفاع المشترك إلى واقع ملموس يمنع أى تمدد لقوى الانفصال. أما المسار الثانى، فهو الحشد الإقليمى والدولى لتشكيل جبهة رفض صلبة للتأكيد على أن أى اعتراف بأرض الصومال هو بمثابة إعلان حرب على استقرار القارة.. وما موقف إثيوبيا لو قامت دول بالاعتراف بإقليم «تيجراي» الباحث عن الانفصال؟! إنها معركة إرادة تفرض على القاهرة أن تكون هى قائدة «الأمل» الذى يواجه صندوق الشرور، ويحاول إيقاف طوفان الفوضى قبل أن تغرق القارة السمراء بأكملها.