محافظ مطروح يهنئ الأخوة الأقباط بعيد الميلاد المجيد    محافظ الغربية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة ماري جرجس بطنطا    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    متحدث الري يكشف تفاصيل حملات إزالة التعديات على مجرى نهر النيل    خبير اقتصادي: ارتفاع تحويلات المصريين بالخارج يعزز استقرار الجنيه ويخفض التضخم    ستارمر: تحالف الراغبين يعتمد إطارًا لنشر قوات دولية في أوكرانيا بعد السلام    إصابة 4 إسرائيليين وقتيل حصيلة حادث دهس حافلة لمتظاهرين من التيار الحريدي بالقدس    حلب على صفيح ساخن.. اشتباكات عنيفة وطائرات مسيّرة توقف الدراسة والرحلات الجوية    نونو أوت؟ نوتنجهام يعمق جراح وست هام بهزيمة ومباراة عاشرة بلا فوز    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    تقارير: يونيفرسيداد يحدد سعر بيع «هدف الأهلي»    كأس عاصمة مصر - تعادل الاتحاد السكندري وزد في صراع خطف وصافة المجموعة    تقرير: عموتة والشعباني ضمن المرشحين لتدريب منتخب تونس    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    ننشر أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف بالمنيا.. صور    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    تعليق مفاجئ من مصطفى كامل على مشاكل النقابة الأخيرة    ضحك وإشادة من خالد جلال على مشهد ارتجالي طريف في كاستنج.. فيديو    بيان أوروبي يشدد على ضرورة إيصال المساعدات بسرعة وأمان ودون عوائق للفلسطينيين    «تميمة حظ».. تاريخ مواجهات مصر ضد كوت ديفوار قبل ربع نهائي أفريقيا    خبير مكافحة الإرهاب: ما جرى في فنزويلا حادثة تسليم وواشنطن قائمة على منطق الصفقات    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    «المتحدة» تبحث مستقبل الإبداع على منصات التواصل الاجتماعى    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    شركتان عالميتان تقتربان من دخول سوق الأدوات المنزلية في مصر خلال 2026    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    وفد من «مستقبل وطن» يهنئ كنيسة العذراء بالتل الكبير بعيد الميلاد المجيد    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    من كولومبيا… منشقون عن الأجهزة الأمنية الفنزويلية يبحثون العودة لتأسيس «قيادة جديدة»    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    أغنية ل«أحمد كامل» سببا في صداقة عمرو مصطفى ومصطفى ناصر    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    الدنمارك: سيطرة أمريكا على جرينلاند ستؤدي لانهيار الناتو    الخارجية القطرية: منخرطون مع الوسطاء لإعادة فتح معبر رفح من الجانب الفلسطيني    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    محافظ الغربية: استعدادات شاملة لاستقبال عيد الميلاد المجيد ورفع درجة الجاهزية بمحيط الكنائس    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر والكونغو الديمقراطية في مواجهة نارية.. من سينتزع بطاقة دور الثمانية؟    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



رسالة إلى ممدوح عزام
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 26 - 12 - 2025


ريبر يوسف
الأستاذ الروائى العزيز ممدوح عزام
تحيّة طيّبة..
شاهدتُ رماد كتبك على بطن غرفتك، كان الحال شبيهاً بالالتفات صوبَ ركنٍ لا يرى المرء نفسهُ فيه، أو، ربّما، يمكنُ صوغ ذات الهجس على نحوٍ آخر: كانَ بكاءً خَلَل العتمة هل أجهشتَ فى المطبقة منها، يوماً؟ هربتُ من الكتابة لك، حتّى قرأت نصّاً للروائية السوريّة: نور أبو فرّاج، بعنوان: «كل ما فى الأمر أن المكتبة احترقت» ورسالتى المتواضعة هذه ستكون ورقة صغيرة من شجرة ذلك النَص.
شاهدتُ رماد كتبك على بطن غرفتك يمكن تفسير الفردوس ونقيضه بذات اللغة، وبالوصف عينه.
فجرَ هذا اليوم، استيقظتُ مُنهكاً، كَمَن عاد من العمل مَن علّق على النوم تلك الخرزة حقاً؟ الخلود إليه يشبه السعى وراء لقمة العيش لقد شاهدتُ رماد الكتب، أوّاه! هل يمكن تشكيل هذه الجملة على نحو أكثر رأفة؟ على نحوٍ يجعلها موائمةً لحزنِ مَن بلغ الخامسة والأربعين.
هل يصنّفون رماد الكتب أسرى حرب؟ هل سيطلقون سراح هذه الرماد كلّها، دفعةً واحدة؟ لم يحدث خطأ؛ رماد الكتب مؤنّث خلال الحروب، فلتقل اللغة ما تقوله، وأصلها: الورقة، ولها جذورٌ أخرى: الصفحة، الكلمة، اللغة، الأمّ، الطمأنينة، الخشية، الخيبة هل تشاهد؟ لقد أضرموا النار فى كامل تلك الأكوان.
شاهدتُ رماد كتبك، كان يقْتَعِدُ بطن غرفتكَ، بَدَت ذات صفات وتشابيه وأسماء لانهائية، تماماً هكذا، وشاهدت خيالَ أحدهم هناك، ولولا البكاء لظننته روحك، الانتحاب يجرّد المرء من إمكانية ولوج رحم الوردة: شاهدتكُ واقفاً، هناك، يضعُ الباب، اللامرئى، ذراعه على كتفك اللامرئية، وشاهدتُ ذراعك الأخرى ملتفّة حول خصر الباب، تتأمّلان معاً الماضى والحاضر والمستقبل، وزمن آخر لا يمكن كتابة اسمه على الإطلاق راقبتكَ، سيّاراً عبر أزقّة الرماد، تتوجّس بالذهاب والإياب معاً، بالاستمرار والكفّ، وغدوتَ سؤالاً لم تجد البشرية له جواباً بعد.
ونافذة الغرفة مفتوحة، وكذلك الجدران، هل تشعر الرماد بالبَرد؟ تخشى على الرماد من الرطوبة؟ يفسد الحنينُ الرماد؟ يثبّته؟ أوّاه، لو أنّهم يطلقون سراحها، لو يُرمى حفنة منها فى كامل أنهار البَلد، ولَو يعبر حدود البَلد إلى كافة بلدان البشر؛ رماد الكتب رفضٌ فى الحرب، اعتراضٌ، وتنبيهٌ يقرأ المستقبل، مستقبل العالم برمّته.
لو يطلقون سراحها، ثمّ تُحمَل فى سلالٍ، تعيدون بها الزيتون إلى السماء، كناس جبل الكُرد وعفرين، فى مثل هذه الأوقات من كلّ عام، هناك، لو ترفع على الأكتاف وتؤخَذ صوب تلّةٍ يفترش عليها النساء حنينهنّ إلى المقتولات والمختطفات، ثمَّ يُعجَن مع التراب البلديّ، بأصابع لسعتها المواقد، ويُصنَع بالخليط البلديّ ذاك كتاباً عظيماً مفتوحاً حتّى آخره، ولَو يوضَع ذلك المجسّم على تلّة قريتكم، «السويداء بِلا أُمِّية».
شاهدتُ رماد كتبك على بطن غرفتك، وكنتَ هناك، تفتّش عن نفسك عبر أزمنةٍ كثيرة، مَضَت ولم تمض فى ذات اللحظة، وأصختُ السمع إلى بحّة صوتكَ الممهورة بختم الكَمَد، تتقلّب بين قَلَقَين، تعيد ترتيب كامل وجودك حتّى يتناسب سبعة آلاف كتاب داخل بيتكم. أشاهدك الآن، تنهض فجراً، تحرّك مقبض الباب فينكشف عن كامل تلك الكتب، وقلبكَ يسبق رأسك وقدميك حين تلج الغرفة، تمرّر عينيك على جسد المكتبة، يستغرقُ ذلك ثلاث ثوان حتّى تهدأ الدعسوقة فى قلبك، وتربت بأنفاسك على جناحيها، ثلاث ثوان ويخال لك أنّك تفقدت كامل تلك الكتب، كهذا هو المرء، يسند الطمأنينة بزغَبَةٍ.
أشاهدك الآن، تقف فى مرمى النافذة، تفكّر، هل تَشْرَعُها؟ هل تنتظر حتّى تَهِب الشمس بيضتها الدافئة عبّ الهواء؟ هل حقّاً تخشى الكتبُ العتمةَ؟ وتفكّرُ، هل سيضرّ هواء الفجر صحّة الكتب؟ وتُدير للشبّاك ظهرك، ثمّ تختفى هناك، وتظهر هنا، تختفى هنا وتظهر هناك؛ يصبح المرء كائنين فى جسدٍ واحد ساعة الكَمَد: وأمّا الكائن الأول فأسير الماضى، وأمّا الثانى فأسير الحاضر، يغدو الماضى والحاضر متحدين معاً، يُسحَب من ذراعيه صوب جهتين لا تلتقيان فى حياة المرء.
وأشاهدكَ هنا، تتذكّر لحظات اقتناء كلّ كتاب، لكلّ كتاب ملحق غير مرئى، مشتول فى جسدك، لقد أضرموا النار فى سبعة آلاف زمان ومكان. لماذا يفتتح الغزاة معرض الدمار بالانتقام من المرأة والكتاب؟
مَنْ بمستطاعه تدوين حزن مَنْ شاهد رماد سبعة آلاف كتاب، رعاهم، بمفرده، وهشّ عليهم بعصا لا يراها مَنْ لم يقرأ.
شاهدتُ رماد سبعة آلاف كتاب، وكان سبعة آلاف عين جاحظة، تَرى فى كلّ شىء: الماضى والحاضر والمستقبل، دفعةً واحدة، وتحتفظ بملامح المجرمين، بل، بمقدورها وصفهم واحداً واحداً، هل سألتَ الرماد عنهم؟ وتحتفظ بصور الحرب كلّها: عندما كانت الحرب طفلة، وحين ذهبت إلى المدرسة، وآنَ تزوّجت، صارت أمّاً، بَل، سبعة آلاف أمّ، ينظرن، دفعةً واحدة، دون أن يُغمض لهنّ جفن. شاهدتُ الرماد كَمَن يرى فى جثته، مَن سيسدل الأجفان عليها؟ لماذا أنّث العرب كلمة: الحرب، بينما «الغزو» تركوه مذكّراً؟
شاهدتُ رماد سبعة آلاف كتاب على بطن غرفتك، هل قرأت لمحمود درويش اليوم؟
ثمّة رابط خفيّ يوثق الكتب بالأطفال والأصفاد يحدث ذلك حقّاً، يغدق المرء الطمأنينة قلقاً.
قرأت هذه الكلمات من مادة نور أبو فرّاج: «بدأ منذ عام 2011 بنقل جزء كبير من مكتبته إلى شقة مُستأجَرة فى السويداء المدينة كمحاولة منه لحمايتها.
حدث هذا بالتزامن مع الاضطرابات التى شهدتها قريته ومحيطها، ما دفعه إلى نقل صناديق الكتب على دفعات، بين السويداء المدينة وتعارة».
أشاهدك الآن، هناك: تنقل كتبك من قرية تعارة إلى مدينة السويداء، تتلقّفها من يد الحرب، تأخذها صوب يد الحرب، تذهب وتجيء، برفقة كتبك، على ذلك الطريق، حتّى أبد الآبدين، تستنجد بالزمن، تستودعه المكتبة، تدعها أمانة فى عنقه، وتطيعه، لا تتوقّف عن البحث، تفتّش خلل القلق عن السكينة، تبقى سيّاراً.
وشاهدتُ أمّهات يضعن أطفالهنّ فى صررٍ عقدها لهنّ الهلع، ووثقنها بظهورهنّ المنحنية، يعبرنَ الزمان والمكان، يتنقّلن من مغارةٍ إلى أخرى، من جبلٍ إلى آخر، من تلّةٍ إلى أخرى، من حقل ٍ إلى آخر، من مجزرة إلى أخرى، ومن حرب إلى حرب.
قبل ثلاث سنوات تقريباً، نقر طائر فى سجادتنا المعلّقة تحت شمس التراس، كان يسحب وبَرها، ربّما خيوطها، ربّما سحبنى أنا، وحلّقَ بنا نحو شجرةٍ فى فناء البيت، ارتجَّ غصنٌ تحت عشّها قيد البناء.
وقبل سنوات كثيرة، شاهدتُ قطة أطاعت الزمن، تقبض على هريرتها بيدٍ خفيّة نهضت داخل فمها، تحرث فى سبيله القلق، تبحث له عن ركن بعيد عن متناول يد البشر.
أشاهدك الآن، وأسمعك تقول: سأعود إلى البيت، فالكتب وحيدة؟ ثمّ تجرى مكالمة هاتفية مع بيتك، تسأله عن الكتب، ثمّ تطلب من البيت تفقّد النافذة، المدفأة، الرطوبة، تطلب من بيتك الاطمئنان عليك فى ركنٍ غائبٌ أنت عنه تلك اللحظة ينجب المرء أطفالاً، يصبحون فيما بعد كُتباً، يتحالف الأطفال مع الكتب، يقسّمون بينهم كبد الأب، يكمل الأب بقية حياته بدون كبد. لن أكون أباً على الإطلاق، ولا أحتفظ كذلك بالكتب سوى تلك الموقّعة من كتّابها، أقتنيها، أقرأها، ثمّ أهديها. يخال لى أنّنى آخر بيت من قرية فى مرمى الغزاة، ما سبيلك أيتها الطمأنينة؟
هل قرأتَ اليوم ل (غابرييلا ميستيرال)؟
على ضفة فرات الشرقية، وجبل الكرد وعفرين، كانوا هناك، نساء ورجالا، يخبّئون لغتهم الأمّ، يفكّكونها إلى أحرف، بأصابع سريّة تنهَض فى قُلوبهم غير المرئية، ويحشرونها فى ثيابهم، يهرّبونها من حقولهم المناهِضة للعنصرية، صوب البيوت، ويسلقونها خَلل العتمة، يأكلونها، يبتلعونها من فورهم لا يُتيحُ الخوفُ الوجوديّ للمرء إمكانية مَضغ لغته الأمّ كان ثمّة «سفر برلك» طويل الأمد، أورثه الطغاة بعضهم لبعض، وصار جزءاً من بروتوكول دولهم، كانت الحكومات السورية تستهدف تلك الأحرف الصوتية فى اللّغة الكُرديّة، تتصيّد بها الكُرد حين تُستَبدَل بأحرف أخرى مثل: (ض)، (ط)، (ص)، و(ظ).
ويحتفل مِن الآباء مَن يوفّق بتسجيل مولوده تحت اسمٍ كُرديّ، بينما ينحت الخاسر فى الاسم العربيّ، بأزميل سريّ مدفون فى حنجرته، حتّى يَجد للاسم الذى فرضته عليه (دائرة النفوس)، شكلاً جديداً، فيصبح قابلاً للّفظ بلسان كُرديّ ريفيّ لو ذُبِحَ لن يكون بمقدوره لفظ العناصر السحرية فى لغة الضاد كما يفعل العربيّ. وكان لأولاد الخاسرين اسمان: واحدٌ يُنطق فى المدارس ودوائر الدولة والسجون وغرف التعذيب، وآخر داخل البيوت، فلا تسأل الكُرديّ عن جذور هذه الأسماء: مجّو، سمو، بحَمدو، رَمّو، مستو، بَكو، وسلتى، فاتى، خنسى، و، و، و، و.
وضعَ ذلك ال «سفر برلك»، البعيد، رايةً بيضاء فى أيادى الآباء الكُرد، رفعوها، كى يُحجَب البريق الوافد من السيوف والرماح، فأسّسوا مفهوم الاندماج عبر إطلاق الأسماء الإسلامية على فلذات أكبادهم، كان الاختلاف حيواناً مفترساً متربّصاً، ذئباً يتحيّن الخارجين عن ومن وعلى «النظام»، استغرق ذلك قرابة ألف عام وأكثر.
فى عام 2015 ربّما، صدر لى كتاب شعرى عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، تحت عنوان: من غصن إلى آخر يتنقّل القصف، أضع لكَ نصّاً اخترته من ذلك الكتاب:
جدّتى لم تتقن من اللّغة العربيّة سوى سورة الفاتحة، وجملتين صغيرتين، تُنجز بهما صلاتها، فضلاً عن الحوار المتداول فى هيئة أساطير - هى سليلةُ أوهام موثَقةٍ بالدين، حوارٌ يدور ما بين منكر ونكير، والبشرِ الذين يهبطون إلى قبورهم؛
من هو ربّك؟
ربى هو ربّك.
كان الضوء على شفاهها مرتجفاً، الأمر الذى لم يجعل الطائر الأبيض فى فمها من نصيبى.
إنّها كتابى الذى انفتح فى ذهنى إلى الأبد.
عينى سريعةً كانت فى التقاط سرد النور، خلال تمتماتها المربكة فى السياق الطبيعى لحالة الشهيق والزفير لديّ، كأنها مقبلةٌ على امتحان عظيم كانت تردد: «من هو ربك؟ / ربى هو ربك.»
انقرضت محاولاتى معها بأن أقتل وحش المعتقد، ذاك، الساكنَ عقلها، إلا أنّها ركلت دائماً فى وجهى كلامها: «اللغة العربية هى اللغة الرسمية فى قبور المسلمين.»
اعترضَتْ، فى صباها، لصوصاً.. نزلوا نحو بيتها من السراب، فى خاتمة الطريق صوب القرية، إذ أطلقتْ رصاصة فى الهواء، من رئة بندقيتها المؤنثة.
مَنْ بمقدوره البكاء على ومع رجلٍ شاهدَ رماد سبعة آلاف كتاب، رعاهم، بمفرده، وهشّ عليهم بعصا لا يراها مَنْ لم يقرأ؟ مَنْ؟ أكثر مِن أخُوّة لك حرّموا من الكتابة والقراءة وطباعة الكتب بلغتهم الأم؟
شاهدتُ رماد سبعة آلاف كتاب، كانت نائمة على صدر غرفتك، وكانت الخيبة تلقّمها ثديها. وكنّا هناك، قبلَ وخلال عقودٍ كثيرة، أخوتك، نصنع لأمّهاتنا، بتنكات السمن، شوّايات يسعّرن النار فيها تحت الباذنجان فى الشوارع، كنَّ يطعمن اللهب الأزرق مناشير وجرائد وكتباً كردية، تُطبع وتُتداوَل سرّاً. بعض الأمّهات يحرقنَ كلّ ما لا يشبه اللغة العربية، انتصرَ الفَقد عليهنَّ، عشنَ بدون أكباد ومرارات، كنّ يرتعدن نهاراً، وفى المساء يقصصن فى فرش صغيرة ممدودة على أرضيات الغرف قصصاً، ويدندنّ أغانٍ حفظنها سرّاً من ألسنة أمهاتهنَّ الموشومة بنياشين الأصول، كنّ يصارعن الأسى، يَعضَضْن قلوبهنّ، يتوسّلن الطّمأنينة. كنَّ أسيرات فكرتين عظيمتين: تلقين أطفالهنّ تراثهم الإنسانى، وحمايتهم، تماماً، كمَن يبكى ويضحك فى اللحظة ذاتها.
هناك، كانت الأمّ الكرديّة تؤلّف أغنية وتدندنها فى الحقل، وتؤلّف أخرى على صدر التنور، قرب أنفاس الموقد، وهى تلقّم ثديها فم طفلها، تنام، تمشى، تزرع وتحصد، على قبور الضحايا، وعلى عتبات الأبواب منتظرة الغائبين، تحت جنح فانوس «خاوى»، مع المنجل والإبرة، على ضفة النهر وعلى صخرة عين. وكذلك الأب، هناك.
كانت الأغانى كتبهم المسلوبة والسبية، كانت اعتراضاً على النظام المركزيّ، على اللغة المركزيّة والبكاء المركزيّ والهلع المركزيّ منذ ألف عام وأكثر، كانوا مندمجين، كانوا هنوداً، يشبهون شعوباً كثيرة صنعت وسائل تنجيهم من فكرة السقوط فى فم بركان معظم التراث الكردى مدوّنٌ فى الأغانى، لذلك، كلّ عجوز مكتبة، هناك، يا أخى.
شاهدتُ رماد كتبك على بطن غرفتك، وشاهدت لوحةً نَهضَت فى ذهنى للفنان السورى لؤى كيالي: امرأة حامل تُصالِب يديها على بطنها. وكانت الرماد على بطن غرفتك تُصالب (تعارة)، والسويداء وسوريا كلّها لن أكون أباً على الإطلاق، ولن أحتفظ بالكتب.
شاهدتُ الرماد، وبحثتُ فى السويداء والساحل السورى وعفرين وجبل الكُرد عن (غابرييلا ميسترال)؛ أتذكّرُ هذه الشاعرة كلّما تذكرت شعوباً أنهكتها فكرة الأصول.
وكانت الرماد عيون الكاتبات والكتّاب الكرد، جاحظة مصقولة بالبكاء هناك، فى القرى والمدن، كان بعضهم يدفن كتبه الكردية جوار الدوالى وأشجار التين والزيتون، فى أفنية بيوتٍ مسوّرة بالأسرار والهلع، عاليةٍ تتربّص بفكرة البقاء كباقى المخلوقات: النبات والحيوان والفيزياء والكيمياء.
كان ثمّة قبرٌ للكتب واللغة فى الكثير من البيوت الكُردية، قبورٌ تُفتَح وتُغلق مراراً خلال الشهر الواحد، كانوا فراعنة أيضاً، يؤمنون أنّ القراءة والكتابة قاربٌ يأخذ المرء إلى الخلود. مَنْ لم يقرأ لن يبكى معك.
كانوا رماداً بشريّاً، هناك، بعضهم يحشر الكتب الكُرديّة فى شوالات وأكياس القمح والعدس والحمص والبرغل، خوفاً من «النظام المركزيّ»، كانت الكتب حين تُفتَح مجدداً تتضوّع منها رائحة القمح والعدس والحمص والبرغل والتراب، كانت الرائحة زوادتهم صوب المعرفة، صوب فكرة البقاء. كانوا هناك، يقرأون سرّاً، يكتبون سرّاً ويطبعون الكتب سرّاً، ثمّ يدفنونها، يغنّون سرّاً، يرقصون سرّاً كى يكونوا بشراً حقيقيين.
شاهدتُ الرماد يا أخى، يا عمى ويا خالى، وشاهدت شعراء يحشرون الكتب الكُرديّة تحت ثيابهم، يرصّونها بأحزمة سراويلهم، كَمَن يحمل مسدساً، شاعرات وشعراء ينتقلون من بيتٍ إلى آخر، مسلّحون بلغتهم الأم السريّة، كانت الكتب أسلحتهم، يدافعون بها عن وجودهم، وكانت الحكومات السورية كذلك، تعتبر الكتب الكُردية أسلحة، فحاربوها بالكلاشنكوفات، بالسياط والسجون والتعريب والتهجير، كانت المعارك غير متكافئة.
مَنْ سيبكى مع رجلٍ شاهد رماد الماضى والحاضر فى قلبه، أكثر من رجالٍ ونساء أكلوا رماد أكبادهم فى بلدٍ مَن شاهَدَ على شوارعه شاعراً أو روائيّاً يحمل كتاباً كُردياً ويسير به كباقى «خلق الله» فى باقى مدن ودول «خلق الله».
شاهدتُ رمادَ سبعة آلاف كتاب على بطن غرفتك، ناصعة، وحيدة، تصفّر، وآناء الليل تغنى، ويتسلّق صوتها بيوت القرويين المهجورة، عبر حبالٍ توثق بيوت القرويين المهجورة بعضها ببعض. والحنين رمادٌ، وكذلك الوحشةُ.
هل قرأت عن (نورى ديرسمي)؟ وعن قبره؟ وعن (زيارة حنان) فى جبل الكرد؟
شاهدتُ الرماد. وشاهدتُ أشباحاً وبشراً وأزمنة وأمكنة تعبر الفراغ اللا مرئى داخل كبدي: أمويّون، عبّاسيون، مغول، صفويّون، مماليك، عثمانيون ومماليك، بعثيون، مماليك، جهاديون، بعثيون وجهاديون ومماليك، ومماليك ومماليك ومماليك، وتواريخ ورايات تنسدل كشعاع مسلوب من الشمس على شعوبٍ ترتعد، وانتصاراتٍ وهزائم، وقبائل قادمة وأخرى ماضية، وطرقٌ معبّدةٌ بحوافر الخيول تفتّق الجبال والسهول من آسيا وبلاد فارس، نحو بلاد العرب، وبلاد الكُرد، وبلاد السريان والآشوريين، وأغان تُذبح فى مهود الحناجر، ولغات تُسبى، لغات تموت، ولغات تولد، أفعالٌ تتغيّر، وحروفٌ تُمحى من أبجديات، وتفرض أخرى، قُبّعات تُفنى، وقبّعات تفرَض، وبشرٌ، بشرٌ، هنا وهناك، وراياتٌ تخفق على جثث النساء والأطفال والشيوخ والكتب، أنهارٌ تُغمَر بالكتب، وأنهارٌ تُسَدُّ بالسّدودِ، وشعوب تُعطَش وشعوب تجوع، وسدودٌ تسبى ماء دجلة والفرات والنيل والزاب والخابور، حِرابٌ تتربص بالماء وحرابٌ وشعوب وكتب وتاريخ، وكتبٌ تُحرَق، ثم يهبُّ طيف (ابن خلدون)، أشاهده، بين الرماد، رماد سبعة آلاف كتاب، أمعن النظر فيه، يلوّحُ بعباءته: «الماضى أشبه بالآتى من الماء بالماء»، مَنْ صدّقهُ؟ ثمّ ويُطرَد (ابن رشد) ويقتعد كرسيّاً فى جامعة أوروبية، وشرقٌ يطردُ الشرقَ إلى الغرب، وغربٌ يطردُ الشرقَ إلى الشرق، وكل الأزمنة واحدة. شاهدت رماد سبعة آلاف كتاب فى غرفتك، كانت قفاطين كرديّة، تلوّح للفَقْد.
وهل قرأت عن (نورى ديرسمي)؟ وعن قبره؟ وعن (زيارة حنان) فى جبل الكرد؟
مساءً سأستمع إلى أسمهان: «يا بدع الورد». أهديك نوتتها، هل تتذكّر بحّة صوتها؟ كان الصديق الموسيقى Elende Usiv قد دوّنها لى قبل عام، تقريباً، لروايتى الجديدة.
مع خالص التحيات والمحبة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.