عاد ملف فنزويلا ليتصدر المشهد الدولى بوصفه أحد أكثر بؤر التوتر حساسية فى نصف الكرة الغربي، بعد فترة من التراجع النسبى عن واجهة الاهتمام العالمي غير أن التطورات الأخيرة كشفت أن الأزمة بين واشنطنوكراكاس لم تُحل، بل جرى تأجيلها فقط، قبل أن تعود اليوم فى صورة أكثر حدة، وأدوات أكثر خشونة، تتجاوز الإطار التقليدى للعقوبات السياسية والاقتصادية، لتلامس حدود الفعل العسكرى المباشر. تعود جذور الأزمة بين البلدين إلى التحول العميق الذى شهدته فنزويلا منذ صعود التيار البوليفاري، وما تبعه من سياسات تأميم للقطاعات الحيوية، وعلى رأسها النفط، واعتماد خطاب سياسى صدامى مع الولاياتالمتحدة، إلى جانب بناء شبكة تحالفات دولية مع قوى تعتبرها واشنطن خصومًا استراتيجيين، مثل روسيا والصين وإيران هذا المسار مثّل، من وجهة النظر الأمريكية، تهديدًا مزدوجًا، اقتصاديًا عبر تقويض نفوذ الشركات الغربية فى قطاع الطاقة، وسياسيًا عبر تقديم نموذج حكم مناوئ داخل الفضاء الأمريكى اللاتيني. اقرأ أيضًا| مندوب فنزويلا لدى الأممالمتحدة: لن نخضع لإملاءات الولاياتالمتحدة وعلى مدار سنوات، اعتمدت واشنطن سياسة الضغط المتدرج، عبر العقوبات والعزل الدبلوماسى ودعم قوى المعارضة، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة. إلا أن هذا الإطار بدأ يتغير تدريجيًا، لا سيما مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار السياسي، واتباعه نهجًا يقوم على فرض الوقائع بالقوة، بدل الاكتفاء بإدارة الصراع من الخلف. فى أحدث حلقات هذا التصعيد، أمر ترامب بفرض ما وصفه ب«حصار» على ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات التى تدخل فنزويلا أو تغادرها، فى خطوة استهدفت المصدر الرئيسى للدخل القومى الفنزويلي. هذا القرار لم يبقَ حبرًا على ورق، بل جرى تنفيذه عمليًا عبر انتشار بحرى مكثف، أسفر عن مصادرة ناقلات نفط قبالة السواحل الفنزويلية، ما دفع حكومة نيكولاس مادورو إلى وصف الإجراء بأنه تهديد سافر للسيادة الوطنية. التصعيد لم يتوقف عند هذا الحد، بل تزامن مع تعزيز الوجود العسكرى الأمريكى فى البحر الكاريبى والمحيط الهادئ، وتنفيذ أكثر من عشرين غارة عسكرية استهدفت سفنًا فى محيط فنزويلا، وأسفرت، وفق معطيات متداولة، عن مقتل ما لا يقل عن تسعين شخصًا هذه العمليات نقلت الصراع من مستوى الضغط غير المباشر إلى استخدام فعلى ومحدود للقوة العسكرية، ما أعاد إلى الواجهة سيناريو المواجهة بوصفه واقعًا جزئيًا، لا مجرد افتراض نظري. فى ضوء هذه التطورات، لم تعد الأزمة محكومة بثنائية الحرب أو السلم، بل دخلت منطقة رمادية تتداخل فيها السياسة بالقوة، والردع بالفعل الميداني. وهو ما يفتح الباب أمام عدة سيناريوهات محتملة، تختلف فى مستويات التصعيد، لكنها تشترك فى حقيقة واحدة، هى أن مسار الأزمة بات أكثر خطورة وأقل قابلية للضبط. السيناريو الأول، والأكثر ترجيحًا، يتمثل فى التصعيد المتدرج، حيث تواصل الولاياتالمتحدة توسيع نطاق الحصار البحري، ومصادرة ناقلات النفط، وتنفيذ عمليات عسكرية محدودة تحت غطاء إنفاذ العقوبات هذا النمط يسمح لواشنطن بممارسة ضغط قاسٍ دون إعلان حرب شاملة، لكنه فى المقابل يحوّل البحر الكاريبى إلى ساحة احتكاك دائم، يحمل فى طياته مخاطر الانزلاق غير المقصود، سواء بفعل خطأ ميدانى أو رد فعل غير محسوب. السيناريو الثانى يتمثل فى الانزلاق إلى مواجهة عسكرية أوسع ورغم أن هذا المسار لا يزال أقل ترجيحًا، فإنه لم يعد مستبعدًا كما كان سابقًا. فتراكم الغارات، وسقوط قتلى، واستهداف شريان الاقتصاد الفنزويلي، كلها عوامل قد تدفع أحد الطرفين إلى تجاوز الخطوط غير المعلنة. وفى حال تحقق هذا السيناريو، قد نشهد ضربات أوسع تطال بنى تحتية عسكرية أو منشآت نفطية، ما سيحوّل الصراع إلى اختبار مباشر لقواعد النفوذ الأمريكى فى أمريكا اللاتينية. أما السيناريو الثالث، فيقوم على الرد غير المتكافئ من جانب فنزويلا. فى ظل الفارق الكبير فى القدرات العسكرية، قد تلجأ كراكاس إلى أدوات بديلة، مثل تعميق التعاون العسكرى والأمنى مع قوى دولية مناوئة لواشنطن، أو استخدام أوراق قانونية ودبلوماسية لرفع كلفة التصعيد الأمريكي، أو حتى السماح بأنماط تحرك غير نظامية فى المجال البحرى تُربك الوجود الأمريكى دون مواجهة مباشرة. هذا المسار لا يُنهى الصراع، لكنه يجعله أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاحتواء. السيناريو الرابع يتمثل فى الجمود القسرى طويل الأمد، حيث تستمر العقوبات، والحصار البحري، والعمليات المحدودة، دون انفجار شامل أو تسوية سياسية هذا السيناريو يستنزف فنزويلا اقتصاديًا، لكنه فى الوقت ذاته يضع واشنطن فى حالة تورط مستمر دون حسم، ويُبقى المنطقة فى حالة توتر مزمن، قابل للانفجار مع أى تغير فى الحسابات أو موازين القوى. أما السيناريو الخامس، والأضعف حاليًا، فهو الاحتواء السياسى المشروط، والذى يفترض تدخل أطراف دولية أو تغيرًا فى الحسابات الداخلية يدفع نحو خفض التصعيد. غير أن هذا المسار يبدو بعيدًا فى ظل المؤشرات الميدانية الحالية، التى تعكس استمرار منطق فرض الوقائع بالقوة.