جميعاً نشكو من غدر الحياة، من تغير القلوب، من فقدان الرحمة، من خيانة صديق، من الوحدة، من ابن انشغل بأعباء الدنيا!.. يراودنى من حين لآخر فى منامى حلم، إننى كنت طفلاً أركض بين بيوت صغيرة، وجوه طيبة تنادينى، وضحكات لا يشوبها قلق، وذات مرة استيقظت وأنا أتساءل، أين ذهبت تلك الطمأنينة، ومتى تبدل وجه الحياة بهذا الشكل. فى زمن تداخلت فيه الأصوات، واختلط فيه الحق بالضجيج، وأصبحت فيه السرعة غاية لا وسيلة، يجد الإنسان نفسه كأنه قطعة صغيرة فى آلة ضخمة تدور بلا توقف.. عالم اليوم يزدحم بالمعرفة، لكنه يفتقد إلى السكينة.. تساءلت، كيف نعيش فى هذا العالم المزدحم دون أن نفقد أنفسنا؟.. كل شىء يركض من حولنا، الأسواق، الأخبار، الناس، وحتى المشاعر تلهث.. الكل يلهث.. نجرى خلف كل شىء.. المال، النجاح، المظهر، وننسى أن نعيش.. وفى النهاية لا نجد ما نجرى خلفه، بل نجد ضجيجاً أكثر، ومسئوليات أثقل، وطمأنينة أقل. لم تعد الحياة تُقاس بما نمتلكه من أشياء، بل بما نفتقده من مشاعر.. لم نعد نبحث عن الحقيقة، بل عن ما يُرضى الصورة التى نظهر بها أمام الآخرين.. فقدنا البساطة، وفقدنا الطمأنينة معها، فصرنا نلهث خلف كل شىء ولا نجد شيئاً.. كم مرة اشترينا أشياء لا نحتاجها، لإرضاء أُناس لا يعرفوننا، فى عالم لا يهتم؟.. نشترى وهماً لنطرد خوفاً. أصبح المال، وإن لم يكن كل شىء، هو مفتاح كل شىء.. يتحدث الناس عن الأسعار، ويحسبون خطواتهم بحذر، ويتألمون من الغلاء، لكنهم لا يتوقفون لحظة ليتأملوا، ما الذى ضاع منا ونحن نعد الفواتير؟.. إن الحياة ليست ما نملكه، بل ما يسكننا وما يسكنك اليوم.. هل هو سلام؟ أم قلق؟ رضا أم سباق لا نعرف نهايته؟.. ضاعت السكينة، وضاعت العلاقات التى كانت تكتفى بكوب الشاى وابتسامة صافية، صار كل شىء بثمن حتى المشاعر. والأخطر من ذلك أن البعض أصبح يربط قيمة الإنسان بقدر ما يملك لا بما يحمل من قيم وأخلاق.. وهذا الانقلاب ليس فى ميزان المال فقط، بل فى ميزان الإنسانية كلها. تفتح الهاتف فتجد العالم بأكمله يتحدث ويعرض وينافس فى سباق لافت للنظر.. لم تعد المعرفة مطلوبة بل «الترند»، ومن لا يجارى الركب يشعر كأنه خارج هذا العالم فيعانى من القلق وربما الاكتئاب. لكن الحقيقة المؤلمة أن ما نراه كثيراً هو مجرد قشور، خلف صورة أنيقة قد تكون قصة تعب، أو خواء، أو تصنع مؤلم.. ولماذا كل هذا؟ فقط لنُرضى نظرة عابرة من جمهور لا يعرفنا. فى وسط كل هذا الزخم ينسى الإنسان أن يسأل السؤال الأهم، هل أنا سعيد؟ هل ما أعيشه هو ما أريده فعلاً؟.. فكم من شخص يُضحك الآلاف، ويبكى ليلاً وحيداً.. وكم من امرأة تتألق على الشاشات، وتشكو من الوحدة فى أعماقها. لا تكن من هؤلاء الذين عاشوا ليجمعوا، ثم ماتوا وهم يفتشون عن لحظة سلام ضاعت وسط الزحام.. فالحياة ليست مسابقة، ولا منصة عرض.. هى رحلة نعيشها لنقترب من أنفسنا، لا لنبتعد عنها.. الحياة قلب ينبض، وروح تتنفس، وعقل يعرف متى يتوقف ليسأل نفسه، هل هذا ما أريده؟ أم ما يريدونه منى؟. إن أجمل ما فى الإنسان هو قدرته على العطاء دون مقابل.. على أن يحب، ويرحم، ويغفر، هذه المشاعر ليست رفاهية، بل ضرورة لنحيا كأناس لا كأرقام.. فإن الإنسان لم يُخلق ليجرى، بل ليبحث، ويفكر، ويتأمل، ويمنح، ويبتسم رغم كل شىء. نحتاج أن نُعيد للحياة معانيها القديمة.. أن تجلس مع والدك وتشرب الشاى، أن تسمع أمك وهى تروى نفس الحكاية للمرة العاشرة، أن تضع يدك على كتف صديق متعب، أن تعفو عمن أخطأ، لا لأنه يستحق، بل لأن قلبك لا يستحق أن يتسم بالكراهية. وأقول لكل من يبحث عن نفسه، لا تقارن نفسك بأحد، فلكل رحلته، ولكل ألمه الخفى.. ولا تُثقل كاهلك بما ليس لك، فالله لم يخلقك لتكون نسخة من غيرك.. وإن ضاقت بك الحياة، فارجع إلى الأشياء التى لا تشترى.. ضحكة ابنك، دعوة أمك، كلمة طيبة، ويد تمتد إليك لتقول، أنا معك. الحياة أوسع من الشاشات، وأعمق من العناوين السريعة، الحياة تُصنع فى التفاصيل الصغيرة التى نهملها.. تُصنع فى جلسة هادئة آخر النهار، فى دعاء صادق من قلب مُنهك، فى مشهد غروب وأنت تمسك بيد من تحب. علينا أن نختار السكينة على العجلة، والجمال على السرعة، والحب على الصخب.. علينا أن نعلم أن الحياة ليست صراعاً دائماً، بل مساحة بين الميلاد والموت، علينا أن نزرع فيها خيراً، ونعبرها بسلام، ولا ننسى أن نترك أثراً طيباً لمن بعدنا. علينا أن نعلم أنه قد لا نوقف ضجيج الخارج، لكننا نملك أن نصنع فى داخلنا وطناً هادئاً، نسكنه ونحتمى به.. علينا أن نعيش بقلوبنا، ولا نخف من أن نكون مختلفين.. فالمتشابهون كثر.. لكن من يملكون الرحمة والبصيرة، هم فقط من ينقذون هذا العالم من الجنون. لحظة الغروب جلست وحيداً أراقب غروب الشمس، بلا هاتف، بدون صوت.. فقط قلبى وصوت الله فى الطبيعة.. سألت نفسي، هل نسينا قلوبنا فى زحمة الحياة؟! هل اختفى الحب؟ قلت لنفسي، الحب لم يختف لكنه جف فينا من زحمة الحياة.. الحب يصنع من الحياة واحة راحة وأمان.. امنح الحب حتى ولو لم تتلقه، لأن العطاء علاج.. اختر الحب لا الانشغال بالسوشيال ميديا.. اعرف قيمتك دون أن تنتظر تصفيق أحد.. ابحث عن الله فى تفاصيل يومك، فى سجدة، أو نظرة رحمة، أو دعاء صادق.. اعمل لكن لا تفرط فى روحك.. وازن، ولا تجعل النجاح خصما للراحة.. اختر قلبك قبل أن يختارك الرحمن.. اختر الرضا، لا المقارنة.. ابحث عن نفسك، لا عن صورتك عند الناس. تسامح، لأن الحقد نار تأكل قلبك أولا.. لا تحزن ان ضاقت بك الحياة، فربما اشتاق الله لسماع صوتك وأنت تدعوه الخير ممكن والحياة تستحق. ولا كلمة قرأت خبراً عن صعود أحد المؤثرين، عديمى الخبرة إلى صدارة المشهد الإعلامى، ملايين المشاهدات، وعقود إعلانات، وجمهور يهتف باسمه.. تساءلت، متى أصبحت الشهرة لا تحتاج إلى معرفة؟، ومتى أصبحت القيم تستبدل باللايكات. يا من تبحثون عن النجاح، لا تختصروا الطريق، فالحياة لا تمنح الثمار لمن تسلق الشجرة دون أن يعرف كيف يسقيها.. ابنوا أنفسكم بالصدق، لا بالصوت العالى، وبالمعرفة، لا بالضجيج. كلنا نطلب الرحمة، لكننا نقلل من تقديمها.. نطلب الغفران، وننسى أن نغفر.. كم مرة خاصمنا؟ وكم مرة تمنينا لو اعتذر أحدهم؟ ولماذا لا نكون نحن من يبادر؟!.