استقالت من منصبها الذى كان يدر عليها أكثر من 300 ألف جنيه فى الشهر لتعمل جارية! لم أفهم ما تقصد. فشرحت لى السيدة الأمريكية التى كانت تشغل منصباً كبيراً فى شركة عالمية أنها تشعر بالسعادة وراحة البال، منذ تركت المرتب الضخم والوظيفة الكبيرة، وأصبحت تدير بيتها وتهتم بشئونه، وتشرف على الطعام وتعد المائدة، وعندما يعود زوجها من عمله تتفرغ للاستماع له وتحقيق الراحة التى ينشدها. وقالت: إنها افتقدت منذ عشرين عاماً هذه الحياة الهادئة. عاشت عشرين عاماً فى توتر وقلق دائم، تحمل مسئولية العمل الكبير على كتفيها. لا ترى زوجها إلا بضع دقائق كل يوم. لا يتحاورا ولا يناقشا أمور حياتهما. فهى تعود كل يوم من عملها مُرهقة تحمل عشرات الملفات تراجعها، وتكتب ملاحظاتها عليها. تليفونها لا يكف عن الرنين من موظفى الشركة، يطلبون منها المشورة والنصح فى أهم الأمور، لا تكاد تتحدث مع زوجها لبعض الوقت، حتى يقاطعهما تليفون مهم أو يجيء زائر. بعد أن تركت عملها شعرت باسترخاء وبهدوء أعصاب، لم تعد تحمل هم الغد بمشاكله. أصبحت تنام ثمانى ساعات كل ليلة، إذا وضعت رأسها على الوسادة تنام بعمق دون أن يصيبها الأرق. لأول مرة استطاعت متابعة المسلسلات التليفزيونية والتركيز فى أحداثها. لأول مرة استطاعت أن تسافر مع زوجها وتقضى معه شهر عسل جديداً تستمتع بكل دقيقة فيه.. فشهر العسل الأول لم يستمر غير ثلاثة أيام. فى اليوم الرابع دق جرس التليفون فى الفندق بجزر هاواى واستُدعيت لمقر الشركة فى شيكاجو. ووعدت زوجها بأن تعود إلى هاواى فى اليوم التالى وللأسف لم تعد حتى الآن! هناك موضة جديدة فى الغرب، وهى رغبة السيدات العاملات عندما يصلن إلى منتصف العمر، أن يتركن أعمالهن ويعدن إلى المنزل. عادة لا نجد هذه الرغبة لدى الشابات الصغيرات ولا العاملات البسيطات. الشابات الصغيرات يحلمن بالوصول إلى المراكز العليا، والعاملات يحتاجن إلى العمل ويكفيهن المرتب بالكاد. أما النساء اللاتى يتقلدن أعلى المناصب واللاتى يتقاضين مرتبات كبيرة، يبدو أنهن قد كافحن وجاهدن وحرمن أنفسهن من كل مباهج الحياة، حتى إذا تحققت أهدافهن وجلسن فوق القمة، عادت الواحدة منهن تحن إلى الأيام السعيدة فى الماضى عندما كان الرجل يتحمل وحده مسئولية الأسرة، وعندما كانت الزوجة تقوم بمهامها فى الأسرة وتظل مستريحة فى المنزل فى انتظار رجوع الزوج! لم نصل فى بلادنا بعد إلى هذه الحالة، فلا تزال المرأة العربية تكافح حتى تصل إلى أعلى المناصب.. ولا أتصور أن السيدات اللاتى وصلن فى بلادنا إلى قمة الوظائف يشعرن بالحنين إلى العودة إلى المنزل!