ليس من باب المصادفة أن تُخرج واشنطن قرارًا بحظر جماعة الإخوان وضمها إلى قوائم الإرهاب فى لحظة يظن فيها البعض أن المشهد انتهى، وأن العالم بدأ يستيقظ متأخرًا على حقيقة هذا التنظيم. الاحتفاء السريع بالقرار مفهوم، لكنه فى جوهره ساذج، لأن ما يحدث أبعد كثيرًا من مجرد انتصار سياسى أو اعتراف متأخر، بل هو فى تقديرى «خدعة القرن» بكل ما تحمله العبارة من دلالات. فالتنظيم الذى شاخ، وتهالكت مفاصله، وسُحِق فى مصر حتى بات هيكلاً بلا روح، لم يعد يصلح للوظائف التى أنُشئ من أجلها قبل عقود. قياداته القديمة أصبحت عبئًا، بل وصارت بطرق شتى خطرًا على المشروع نفسه . وجوه مُستهلكة، وشعارات مُتآكلة، وتاريخ مُثقل بالمؤامرات والدم، فأصبح التخلص منهم ضرورة، لا انتصار. القرار الأمريكى رغم مشهده اللامع ليس ضربة للتنظيم، بل ضربة لجيل كامل من الإخوان انتهت صلاحيته. واشنطن تدرك أن هذه النسخة لم تعد قابلة للبيع ولا الترويج، وأن العالم لم يعد يبتلع خطاب المظلومية المُعتاد. لذلك جاء الحظر كمساحة تخلص من الماضى تمهيدًا لتأسيس نسخة جديدة من التنظيم، أكثر قدرة على التغلغل الناعم، والتكيف مع أدوات العصر، والاندماج داخل بيئاتٍ دولية وإعلامية وحقوقية. إن ما يُصنع الآن فى الغرف المغلقة أخطر كثيرًا من بيان يصدر من البيت الأبيض. فواشنطن ومعها عواصم غربية أخرى تعمل على إعادة تدوير الإخوان فى صورة أكثر «حداثة»، وأكثر قبولًا، وبوجوه مزدوجة الجنسية، تمتلك مهارات التواصل، وتعرف مفاتيح المؤسسات الحقوقية ومراكز التفكير الغربية والإعلام الدولي. وجوه لا تحمل «السمت الإخواني» التقليدي، ولا تشبه قيادات التنظيم التى عرفها العالم. وجوه تشبه محمد صلاح سلطان وسندس عاصم شلبى وغيرهما ممن جرى إعدادهم ليكونوا أدوات المستقبل، لا بقايا الماضي. نحن إذن أمام مشروع جديد لا يريد أن يحمل اسم الإخوان لكنه يحمل جوهرهم .التمكين، تخريب الدولة الوطنية، نسف المؤسسات، وتدويل الملفات الداخلية للضغط على الحكومات. لكن هذه المرة سيتم كل ذلك بملابس حديثة، وبخطاب حقوقى مصقول، وبوجوه تبدو «عالمية» لا تنتمى لمدرسة حسن البنا ولا لظلال سيد قطب، لكنها تحمل الرسالة نفسها تحت لافتة جديدة. لذا فإن قرار الحظر الأمريكى ليس انتصارًا كما يظن البعض، بل إعلان دفن التنظيم القديم وافتتاح «ورشة تصنيع» لتنظيم جديد أكثر ملاءمة للعصر، وأكثر قدرة على الحركة والتسلل، وأقدر على تنفيذ المهام التى فشل فيها الجيل القديم. إن قراءة المشهد بعمق تكشف أننا أمام عملية إعادة هندسة كاملة، لا خطوة عقابية. وأن القرار الأمريكى بكل ما يحمله من وهج إعلامى ، ليس إلا ستارًا كثيفًا لإطلاق نسخة أكثر خطورة. تلك هى الحقيقة التى يجب أن تُقال بوضوح: ما جرى ليس نهاية الإخوان.. بل بداية نسختهم الجديدة.