صبرت مصر طوال عامين على التطاول والتشكيك فى دورها التاريخى تجاه الشعب الفلسطينى، فضلًا عن الترغيب والترهيب لقبول التهجير، لكن خلال الأيام الماضية تحول الموقف المصرى إلى قبلة العالم الذى يتسابق على شكر القاهرة لجهودها فى إنهاء حرب غزة. مبادرة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للسلام لم تكن لتنجح لولا جهود الوسيط المصرى، وهذا ليس رأى محللين فى القاهرة، بل تصريح رسمى من ستيف ويتكوف، مستشار الرئيس الأمريكى خلال لقائه مع الرئيس عبد الفتاح السيسى. اقرأ أيضًا | إسرائيل.. اتفاق غزة يُطيح بحكومة نتنياهو ويُعيد «تموضع المقاومة» تجاوب مصر مع ما طرحه ترامب ودفعها حركة حماس لقبول صيغة توافقية كانت البداية لمحادثات شرم الشيخ التى تعتبر الأهم منذ اندلاع الحرب. وعبر جهود مكثفة للتواصل مع الجانبين الإسرائيلى والفلسطينى، بالتنسيق مع شركاء الوساطة، قطر وتركيا والولايات المتحدة، جاء التوصل إلى اتفاق شرم الشيخ ليضع حداً للحرب المستمرة منذ عامين من خلال تبادل الأسرى والمحتجزين وانسحاب قوات الاحتلال إلى نقاط محددة فى المرحلة الأولى. الاعتراف بالدور المصرى فى إنجاح جهود السلام كان القاسم المشترك فى خطاب كل الأطراف الدولية وعلى رأسها الرئيس ترامب، الذى يعتزم زيارة مصر غداً وعقد قمة فى شرم الشيخ برئاسة مشتركة للرئيسين السيسى وترامب حول السلام فى الشرق الأوسط، من المنتظر أن يشارك فيها قادة العديد من الدول الفاعلة إقليمياً ودولياً. على الأرض، كان الأهم هو عبارات الاحتفاء من جانب أهالى غزة بالدور المصرى، والذى ظهر فى رفع أعلام مصر وصور الرئيس السيسى عقب وقف إطلاق النار فى القطاع، خاصة فى ظل ما تقوم به اللجنة المصرية فى القطاع من جهود لدعم الشعب الفلسطينى فى القطاع. وتبدأ مصر مرحلة جديدة من العمل عقب وقف الحرب، وهى مرحلة إعادة إعمار القطاع، حيث من المنتظر أن تستضيف القاهرة مؤتمراً دولياً لحشد الدعم والتمويل الدولى لخطة إعادة الإعمار التى قدمتها مصر فى مارس الماضى وحظت بتوافق عربى ودولى واسع. وبدأ وزير الخارجية د. بدر عبد العاطى التواصل مع نظرائه الأوروبيين لحثهم على المشاركة بفعالية فى المؤتمر. خطة «التعافى المبكر وإعادة إعمار غزة»، التى قدمتها مصر تعد رؤية عملية وشاملة لإدارة القطاع ومعالجة الدمار الهائل الذى خلّفته حرب الإبادة الإسرائيلية، مع التشديد على بقاء الفلسطينيين فى أرضهم، بحيث تضمنت خطوات تفصيلية تبدأ بإزالة الركام والأنقاض وبناء مساكن مؤقتة لإيواء السكان، وصولاً إلى إنشاء مشاريع تنموية وبنية تحتية تشمل ميناءً للصيد، وتحرص مصر فى خطابها على تأكيد الخطورة البالغة للمخططات الإسرائيلية الداعية للتهجير، باعتبارها تشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر عدم الاستقرار بالمنطقة وتقوض بشكل مباشر الأمن الإقليمى. كما عملت مصر على إغاثة القطاع من حرب الإبادة والتجويع التى مارسها جيش الاحتلال طيلة 24 شهراً، حيث أبقت معبر رفح مفتوحاً على مدار الساعة، وفى بداية الحرب اشترطت القاهرة إدخال المساعدات الإنسانية قبل السماح بخروج الأجانب من غزة، كما خصصت مطار العريش لاستقبال المساعدات الدولية، وساهمت بما يقارب 70% من إجمالى ما دخل القطاع من مساعدات منذ بدء العدوان، سواء عبر الدولة أو منظمات المجتمع المدنى. وبلغ حجم المساعدات المصرية منذ بداية الأزمة أكثر من 130 ألف طن، تأكيداً لالتزام القاهرة التاريخى تجاه الفلسطينيين سياسياً وإنسانياً. وقد دخلت نحو 35 ألف شاحنة عبر المعابر المصرية، محملة بالمواد الغذائية والمياه والأدوية والمستلزمات الطبية والإغاثية، إضافة إلى مواد النظافة وحليب وحفاضات الأطفال، فضلاً عن سيارات الإسعاف وشحنات الوقود. وفى المجال الطبي، أُجريت أكثر من 5 آلاف عملية جراحية للفلسطينيين بفضل جهود 38 ألف طبيب فى مختلف التخصصات، وفق ما صرح به وزير الصحة ونائب رئيس الوزراء خالد عبد الغفار، موضحاً أن مصر أنفقت 578 مليون دولار على الخدمات الطبية المقدمة للأشقاء. كما قامت القوات المسلحة المصرية بإنزال آلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية على غزة فى ظل الأزمة الإنسانية المتفاقمة التى تهدد حياة أكثر من مليونى فلسطينى.