سوق السيارات في مصر أحد أكثر الأسواق تأثراً بالمتغيرات الاقتصادية المحلية والعالمية، حركة البيع والشراء فيه ترتبط بعدة عوامل، من بينها سعر صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية، ومدى توافر السيارات، والسياسات الجمركية، وكذلك توجه الدولة نحو التصنيع المحلي. خلال السنوات الأخيرة، شهدت السوق موجات متتالية من التباطؤ والنشاط، يمكن وصفها بالتذبذب الواضح، فبعد أزمة كورونا التي أبطأت عجلة الاستيراد وأثرت على المعروض، جاءت أزمة سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكلفة الشحن، لتتفاقم الأزمة من ندرة السيارات وارتفاع الأسعار. نجد في عامي 2022 و2023، تأثرت حركة الشراء بشدة نتيجة نقص المعروض، خاصة من السيارات الاقتصادية، وصعوبة فتح الاعتمادات المستندية الخاصة بالاستيراد، وارتفاع غير مسبوق في أسعار السيارات نتيجة فروق العملة. وقد أدى ذلك إلى انخفاض كبير فى المبيعات، وزيادة الاعتماد على سوق السيارات المستعملة، إضافة إلى توسع السوق الموازية فى بعض الفترات. ومع بداية عام 2024، بدأت السوق تسترد عافيتها تدريجياً مع تخفيف قيود الاستيراد وعودة بعض الوكلاء للطرح الجزئى لموديلات جديدة، لكن ما تزال أسعار السيارات مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة. التذبذب فى سوق السيارات واضح، ويظهر ذلك فى التقلبات السريعة سواء بالارتفاع أو التراجع المحدود، حسب قرارات الدولة أو حسب تغيرات سعر الدولار، بعض الموديلات تنفد سريعاً ويصعب توافرها، وأحياناً تدخل كميات قليلة مما يزيد من حجم تضخم السوق. كذلك هو الأمر بالنسبة للطلب، فعلى الرغم من رغبة المواطنين فى الشراء، فإن كثيرين يؤجلون القرار أملاً فى استقرار السوق أو انخفاض الأسعار، مما يخلق حالة من الجمود والركود. في السنوات الأخيرة، أعلنت الحكومة عن خطة واضحة لدعم صناعة السيارات محلياً، وتشجيع المستثمرين على إقامة مصانع للتجميع والتصنيع، خاصة فى قطاعات السيارات الكهربائية والهجينة، وظهر ذلك من خلال عدة مبادرات، مثل البرنامج القومى لتنمية صناعة السيارات (AIDP)، ومبادرة إحلال السيارات للعمل بالغاز الطبيعى، ودعم المصانع الوطنية مثل «النصر للسيارات» بالتعاون مع شركات عالمية. وهناك أمل فى خفض الأسعار على المدى المتوسط والطويل، فالتصنيع المحلى يقلل الاعتماد على الاستيراد ويقلل من تأثير تقلبات العملة، مما يخفض التكلفة النهائية، كذلك توفير فرص عمل من خلال إقامة مصانع تجميع السيارات، أيضاً تحسين الميزان التجارى، بتقليل الواردات وزيادة المكون المحلى مما يخفف العبء عن العملة الصعبة، وضمان توافر قطع الغيار والصيانة، وهذا ما يطيل عمر السيارات ويخدم المواطن. ومن أجل تحقيق ذلك، يجب التغلب على بعض التحديات، مثل جذب شركات عالمية قوية لنقل التكنولوجيا، ورفع نسب المكون المحلى إلى مستويات تُنافس دول مثل المغرب وتركيا، وتقديم حوافز حقيقية للمصانع والمستهلكين (مثل تخفيض الجمارك على المكونات). المواطن ينتظر سيارة بجودة عالية وسعر مقبول، وخدمات ما بعد البيع موثوقة، واستقرار فى الأسعار يتيح اتخاذ قرار الشراء بثقة ودعم حكومى حقيقى ينعكس على السوق، وليس فقط تشجيعاً إعلامياً. ورغم التذبذب الحالى، فإن سوق السيارات فى مصر أمام مفترق طرق، التحول نحو التصنيع المحلي، إن تم تنفيذه باحترافية واستمرار، سيشكل نقلة نوعية يمكن أن تخدم المواطن والمستثمر على حد سواء، لكن حتى الآن، يظل السوق تحت ضغط المتغيرات الاقتصادية، ويحتاج إلى حزمة متكاملة من السياسات لضبط إيقاعه وتحقيق استقرار حقيقى يشعر به الجميع.