تمتلك صناعة الدراما المصرية منجمًا حقيقيًا من المواهب فى كافة مراحل العمل الفنى، ولكن على وجه الخصوص يبقى التمثيل هو العنصر الأكثر إبهارًا وتأثيرًا فى الجمهور، الممثلون هم أصحاب الوجوه والألسنة التى تتحدث مع الناس وتداعب أحلامهم وترسم خيالاتهم على الشاشة.. بين كل الوجوه التى تألقت فى دراما رمضان والأسماء لمعت فى واجهة البطولة المطلقة اخترت خمسة وجوه استحقت إشادة حقيقية لما قدمته من تأثير وحضور طاغٍ لامس إحساس الجمهور وظهر تأثيره واضحًا على المشاهد.. الموهبة لا تحتاج إلى مسميات وألقاب فهى تتسلل إلى القلب وتفرض وجودها وتحتم على المشاهد احترامها، ولهذا لم يكن غريباً أن يحتفى الجمهور بهؤلاء عبر وسائل التواصل الاجتماعى وفى أحاديثهم دون النظر لأية اعتبارات تسويقية أو ترويجية يستخدمها البعض فى فرض نجاحه على الجمهور. اقر أ أيضًا | فرقة الموسيقى العربية تُحيى تراث نجوم الزمن الجميل محمد شاهين.. المتفرد لا يمكن أن ترى أداء محمد شاهين فى مسلسل لام شمسية أقل من كونه درسًا فى فنون التمثيل، وتحديدًا كيفية تقمص واحدة من الشخصيات المعقدة والمركبة بل والتى نهشتها أنياب المرض النفسى. نجح شاهين ببساطة مدهشة فى التسلسل تحت جلد شخصية مركبة مليئة بالتناقضات والانفعالات، ما بين الألم والضعف، الحيرة والقوة، الحنان والغضب. واستطاع أن يُقدّم كل ذلك بتفاصيل دقيقة وصدق شديد، لدرجة أن مشاهده أصبحت محط اهتمام وتعليقات الجمهور على مواقع التواصل الاجتماعى. ما يميز أداء محمد شاهين فى «لام شمسية» ليس فقط اتقانه للدور، بل طريقة استخدامه للصمت، لنظراته، لحركات جسده، وحتى لطريقة نطقه للجمل، فكل تفصيلة جاءت محسوبة ومؤثرة، تُعبّر عن ممثل نضج فنيًا بشكل ملحوظ، ويملك أدواته بشكل كامل. لم يكن شاهين مجرد ممثل يقدّم مشاهد جيدة، بل كان عنصرًا أساسيًا فى تصاعد البناء الدرامى، وشريكًا قويًا فى إيصال الرسائل الاجتماعية العميقة التى يحملها المسلسل.. الحقيقة أن محمد شاهين الذى تخرج فى معهد الفنون المسرحية قبل أكثر من عشرين عاماً يرى أن نقطة التحول فى علاقته بالتمثيل جاءت على يد المخرج هانى خليفة بعد 15 عاماً من مسيرته، ولكن الواقع يقول إن توجهه الفنى جاء على يدى المخرج الشاب كريم الشناوى فى عدة أعمال آخرها بالطبع لام شمسية. بكل بساطة، أصبح محمد شاهين واحداً من أساتذة التشخيص فى الدراما المصرية، وهو يستحق ترسيخ تلك المكانة بتفرد يوماً بعد الآخر. فتحى عبد الوهاب.. الاستثنائى الحاج حمادة كشرى شخصية لا يقدر عليها سوى فتحى عبد الوهاب.. هذه الشخصية المعقدة بملامحها الريفية المتمدنة، بالتنقل بين الجلباب والأزياء الحديثة، واللهجة القروية الواقعية، بل وصبغة الشعر الباهتة، وذلك الشعور بالاستحقاق تجاه البشر وكأنهم ممتلكات خاصة.. مرة أخرى، يثبت الفنان فتحى عبد الوهاب أنه واحد من أكثر نجوم مصر قدرة على التلون والتجسيد العميق للشخصيات المعقدة، وهذه المرة من خلال دوره فى مسلسل «ظلم المصطبة». يقدم فتحى شخصية مركبة مليئة بالتناقضات والصراعات الداخلية، بأسلوب يجمع بين الأداء الهادئ الذى يخفى عاصفة من المشاعر، والانفجارات اللحظية التى تعكس حجم المأساة التى يعيشها.. ما يميز أداء فتحى عبد الوهاب فى «ظلم المصطبة» هو قدرته على الإمساك بكل تفاصيل الشخصية، من لغة الجسد إلى نبرة الصوت وتعبيرات الوجه. يقدم الشخصية بطريقة طبيعية دون مبالغة، ما يجعل المشاهد يتعاطف معه فى لحظة، ثم يغضب منه فى لحظة أخرى، مما يؤكد براعته فى تقديم الشخصيات الرمادية التى لا تنتمى للخير المطلق أو الشر المطلق.. فتحى عبد الوهاب لديه موهبة فريدة فى تقديم الشخصيات التى تعانى من ازدواجية المعايير، وفى «ظلم المصطبة» جسّد هذه الازدواجية بمهارة لافتة، حيث جعل المشاهد يتأرجح بين كرهه لشخصيته وبين التعاطف معها. هذه القدرة على جعل الجمهور متردداً تجاه الشخصية هى علامة الممثل المتمكن الذى يعرف كيف يحول الدور إلى حالة إنسانية حقيقية. لم يكن هذا الأداء سوى امتداد لمشوار فتحى عبد الوهاب الحافل بالأدوار الاستثنائية، بدايةً من «سهر الليالى» وحتى «القاهرةكابول» و»جزيرة غمام». نجاحه فى «ظلم المصطبة» يثبت مرة أخرى أنه ممثل من طراز خاص، قادر على خطف الأضواء بأدائه المتقن وشخصياته التى تبقى عالقة فى أذهان الجمهور. حاتم صلاح.. المدهش من المسرح جاء حاتم صلاح إلى عالم الدراما عبر نافذة الكبير أحمد مكى، ولكن فى رصيد حاتم صلاح عشرات الوجوه التى تعكس موهبة مدهشة قادرة على التلون. فى موسم درامى مزدحم بالمنافسة، استطاع حاتم صلاح أن يلفت الأنظار بشدة من خلال أدائه البسيط والعفوى فى مسلسل إخواتى، حاتم الذى اعتاد الجمهور على حضوره الكوميدى الخفيف، قدم فى هذا العمل توليفة فنية متكاملة بين الضحك والصدق والملامح الإنسانية العميقة.. فى دور «فرحات»، الزوج الساخر خفيف الظل، الذى يعيش حياة مليئة بالمفارقات مع زوجته «ناهد» – وتجسدها الفنانة كندة علوش – قدّم حاتم صلاح أداءً ممتعًا ومؤثرًا فى الوقت ذاته. نجح فى تحويل شخصية تبدو عادية إلى عنصر جذب رئيسى داخل المسلسل، بخفة دمه الحاضرة دائمًا، وإفيهاته التى تأتى فى مكانها الصحيح دون مبالغة أو افتعال.. اللافت فى أداء حاتم، هو تلك الخفة التى يمتلكها دون أن يفتعلها، والقدرة على تقديم مشهد مؤثر بعد مشهد مضحك دون أن يشعر المشاهد بأى فجوة. ظهر ذلك بوضوح فى مشاهد سرقة الأموال وذهابه إلى جروبى لتناول القهوة وانفعالاته فى تلك اللقطات ليعكس أحلام فرحات البسيطة التى على رأسها بحثه ولو عن قليل من الاحترام فى عيون الناس. هذا النوع من التوازن لا يجيده إلا ممثل صاحب حس فنى مرهف وفهم عميق لطبيعة الشخصية التى يجسدها والتى أصبحت بداية لمشوار مختلف من الشخصيات التى يجسدها حاتم فى الفترة المقبلة. أحمد غزى.. الصاعد فى واحدة من أكثر الشخصيات جذبًا للأنظار فى مسلسل قهوة المحطة، يواصل الفنان أحمد غزى تأكيد موهبته الاستثنائية من خلال أدائه المتقن لشخصية مؤمن، ذلك الشاب الصعيدى الصامت الذى يختزن فى داخله عوالم من الغضب والحزن والحب المقموع. حضور غزى فى المسلسل لا يحتاج إلى كلمات كثيرة، فتعابير وجهه، ونظراته، وطريقته فى المشى والسكوت، كلها تتحدث نيابةً عنه. اللافت فى أداء أحمد غزى لم يكن فقط فى الإحساس العميق بالشخصية، بل أيضًا فى إتقانه اللافت للهجة الصعيدية، التى نطق بها بسلاسة ودون تكلف، مما أضفى مصداقية حقيقية على الشخصية. تمكنه من اللهجة، مع الأداء الجسدى الصامت والدقيق، جعله يذوب تمامًا فى الدور، وكأن رضوان ليس شخصية مكتوبة بل إنسان من لحم ودم. مؤمن ليس شخصية سهلة، فهو أشبه بلغز يفتح شهيّة المتفرج لتفكيكه، ومع كل حلقة كان غزى يمنح الشخصية طبقة جديدة، يضيف لها من روحه وتفاصيله، حتى بات أحد أكثر الأدوار تعلقًا بالجمهور. قوة الأداء هنا لم تكن فقط فى المشاهد الانفعالية، بل فى لحظات التأمل، فى نظرة الشك، فى نصف ابتسامة أو دمعة محتبسة. دياب.. الموهوب لو سألت أى مشاهد من تتخيله فى شخصية أسعد التى قدمها دياب بمسلسل قلبى ومفتاحه، سيجيبك على الفور لا أحد غير دياب. ففى واحد من أبرز أدواره الدرامية هذا الموسم، خطف دياب الأنظار بشخصية أسعد مقدمًا أداءً يحمل بين طياته الكثير من التناقضات الإنسانية جعلته محط إشادة من الجمهور والنقاد على حد سواء. «أسعد» ليس مجرد شخصية اعتيادية فى المسلسل، بل هو رجل ينتمى لبيئة شعبية، يحمل طوال الوقت وجهين بين الخير والشر، الأول متمثل فى بره لوالدته والإنفاق فى الخير، والثانى متمثل فى أعماله غير القانونية وكذلك نظرته للمرأة، ولكنه فى الوقت ذاته يحمل مشاعر مركبة من الغيرة، والانكسار، والضعف الإنسانى فى مواجهة الحب والخيانة والحيرة. وبتلقائيته وصدق إحساسه، نجح دياب فى تقديم هذا الخليط المركب ببراعة تحسب له، دون أن يقع فى فخ المبالغة أو النمطية. ما يميز أداء دياب فى هذا الدور هو قدرته اللافتة على التعبير بالصمت قبل الكلام، وعلى التحرك داخل الشخصية من دون أن يشعر المتلقى بأنه «يمثل»، بل يعيش ويتنفس ويتألم على الشاشة، فتتحول مشاهد «أسعد» إلى لحظات إنسانية حقيقية. كما أضاف دياب لمسته الخاصة على الشخصية، سواء من حيث الإلقاء أو التفاعل مع شركائه فى المشاهد، مما جعل كل ظهور له يضيف ثقلاً درامياً للمسلسل، ويعكس نضجه الفنى المتزايد، وخبرته المتراكمة فى اختيار وتقديم الأدوار القريبة من نبض الناس. دياب يثبت مرة أخرى أنه ليس فقط نجمًا صاحب حضور طاغٍ، بل فنان حقيقى يبحث عن التحدى فى كل دور، ويضيف إليه من روحه وخبرته، ليصبح فى النهاية أحد أبرز الوجوه التى يُراهن عليها الجمهور فى كل موسم.