تحولت الكراهية لمحبة وصداقة متينة بين زكى طليمات ونجيب الريحانى، ويصفه طليمات فى كتابه أنه كان مثل «الشمعة التى تحترق من أجل إضحاك وإسعاد جمهوره». ومن حكاياته الطريفة أنه كان يسعى فى بداياته وراء الممثلة «روزاليوسف» لأن تمثيلها كان يدخل فى نفسه شيئا من التسلية ويشبع وجدانه وخياله على حسب وصفه، وكان يتمنى لقاءها وجهًا لوجه فى أى مكان بعيدًا عن المسرح، فسنحت له الفرصة على يد واحد من كبار الكتاب عندما قاما بزيارتها فى منزلها، فتحت لهما الباب بنفسها وكانت تحمل فى إحدى يديها سكينًا وفى الأخرى فحلًا من البطاطس، سارت بهما إلى حجرة الاستقبال، قدمه إليها صديقه الكاتب الكبير الذى لم يذكر طليمات اسمه بوصفه من هواة التمثيل الذين يرجى منهم خير للمسرح وأوضح أنه من أشد المعجبين بها، فنظرت له وهى تقول «اسمك ايه يا شاطر؟»، صيغة السؤال عقدت لسانه فى البداية، فقال لها اسمه الذى قابلته بضحكة وهى تقول «طب اسم زكى ومفهوم، لكن سى طليمات ده يبقى ايه؟» اسقط فى يده لأنه لا يعرف ماذا تعنى كلمة طليمات، أخرجته من حيرته عندما سألته «عاوز تشتغل ممثل؟»، أخذ يعبر بطلاقة عن عشقه للتمثيل وقدرته على التعبير وفاض واستفاض لكنها قاطعته قائلة «تعرف تقشر بطاطس؟»! أصابه الوجوم فبادرته قائلة «طيب .. تعرف تطبخ؟» أجابها بالنفى فقالت: «تعرف ترقص كويس؟»، سألها فى دهشة عن علاقة المطبخ والرقص بالتمثيل على المسرح، فأجابته بجدية شديدة: «لما تبقى تعرف العلاقة دى حا تبقى ممثل كويس»! اقرأ أيضًا | «سنديون».. قرية «أبو الكاريكاتير المصرى» ..رحلة هروب «رخا» من «الخديوية» إلى « ليوناردو ديفنشى» انصرف زكى طليمات من بيت روزاليوسف غاضبا لسخريتها منه، لكنه يقول: «بعد السنوات الطويلة التى قضيتها محترفا للتمثيل والإخراج المسرحى أدركت أن الممثلة النابغة روزاليوسف لم تكن تهزل بل كانت فى غاية الجد، فالدور التمثيلى بين يدى الممثل يجتاز عملية حاذقة فى «الطبخ» ليخرج ناضجا فوق المسرح، وتيقنت أن بين الرقص وفن الممثل علاقة وثيقة فهما يقومان على أسس واحدة، الإيقاع والانسجام والرشاقة فى التعبير»، ترك طليمات بيت فاطمة اليوسف التى سلبت كل مشاعره دون أن يدرى أنه بعد سنوات من هذه المقابلة سيلتقى بها من جديد أمام «المأذون» ليصبح لها الزوج والخصم الذى يتبادل معها الدفع بالأكتاف واليدين فى سبيل إثبات ذاتيته وفرض شخصيته عليها. شارك زكى طليمات السيدة أم كلثوم بطولة فيلم «نشيد الأمل» وتوثقت الصداقة بينهما أثناء تصوير الفيلم، وأثناء التصوير حدثت ثلاثة مواقف فى غاية الطرافة، خاصة أن طليمات كانت له سابقة فى استدراج أم كلثوم للمسرح الغنائى عندما طرح عليها رواية «كارمن» فرفضتها، ولم ترتح لرواية «غادة الكاميليا»، وارتاحت لأوبرا «حلاق اشبيلية» التى بدأ فى ترجمتها، ولم تظهر الرواية للنور لتردد أم كلثوم، ويروى طليمات الموقف الطريف الأول الذى جرى بينهما قائلا «قدمنى إليها أحد المساهمين بالمال فى إنتاج الفيلم، وهو صاحب مال ووجاهة وكرش، وعرف بتعاطى العبوس والآراء الرجعية المتخلفة فذكرنى بما يجب أن أكون عليه من خلق طيب فى معاملة أم كلثوم، وانطلق يعدد محاسن نشأتى أمامها، وما كاد ينتهى من كلامه حتى ارتفع صوت أم كلثوم - ما شاء الله، أهلا بالشباب المستحى، الشباب الناهض، عد يا شاطر من واحد لعشرة علشان اسمع صوتك - وموضع العجب من جانبى أننى أخذت أعد واحد.. اثنين .. ثلاثة!!». وحدث الموقف الطريف الثانى بين أم كلثوم وزكى طليمات أمام الكاميرا أثناء تصوير مشهد عاطفى يقضى بأن يطوق خصرها، وعندما فعل ذلك انطلق صوت أحد عمال الإضاءة يقول: «إيدك يا حنش»، ونترك طليمات يروى الموقف بنفسه عندما يقول «لا أعرف كيف عادت يدى إلى جانبى وقفزت فى اتجاه العمال وأمسكت بخناق أحدهم أدق وجهه بقبضة يدى، فتدخل المخرج معتذرًا بأن هذا العامل من مجاذيب الست أم كلثوم»! ويروى طليمات الموقف الثالث الذى كان أكثر سخونة وتأزمًا بقوله «وأنا أتهيأ لأداء لقطة تقضى بأن أعانق ام كلثوم عناقا حارا لأطبع على فمها قبلة الشوق بعد فراق طال بيننا فى احداث الفيلم ، تقدمت لأداء اللقطة بحذر شديد إذ لم أنس صرخة العامل الذى قال «ايدك يا حنش»، لكن المخرج لم يعجبه أدائى بدعوة أن القبلة باردة والعناق لا يزيد على حركة جمبازية، وأمر بأن أعيد المشهد بحرارة وانفعال عاطفى، ودارت الكاميرا وإذا بصاحبنا الوجيه المتزمت يصيح مطالبا بوقف التصوير والتفت نحوى وهو يقول «إحنا فى مصر يا أستاذ ، بلد المسلمين ولسنا فى أمريكا، ايه البوسة الطويلة دى؟»، ابتلعت ثورتى وأنا أكرر «شى الله يا ست» فكان جواب الست «جمعا يا أستاذ!!»، ودارت الكاميرا للمرة الثالثة ومر العناق بسلام، وعاد الوجيه يبرطم متحدثا عن الآداب العامة والخاصة، فأحسست بنفسى تفور فورة غضب وألم وخيبة، فارتميت على مقعد بعيد عن ميدان المعركة ووضعت رأسى بين يدى، ولا أعرف كم من الوقت مكثت وأنا على هذا الحال، لم أنتبه إلا على وقع أقدام تقترب منى، رفعت رأسى فوجدت أم كلثوم فوقفت احترامًا لها، فهمست فى أذنى «بوس زى ما يتطلبه الدور ولا يهمك»، ودارت الكاميرا مرة أخرى وكانت عيون العمال تحاصرنى، ووجه الوجيه المتزمت يطاردنى، لكنى لم أعبأ بكل هذا بعد أن تلقيت الأمر من صاحبة الأمر فقبلتها كما يقتضى الدور وصاح المخرج مهنئا باللقطة والتفت مذعورًا ناحية الوجيه المتزمت فلم أجده، عدت لأم كلثوم أسألها بنظرات حائرة فضحكت قائلة «أهو كده الشباب الناهض!!». عندما سألته عن صديقه اللدود يوسف وهبى بك الذى أطلق على نفسه شعار «مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ فن التمثيل»، سخر من هذا اللقب وهو يقول إنه لقب مصنوع لم يسمع به أحد من قبل ولن يسمع به أحد من بعد، وقال إنه ينم عن النرجسية التى يتمتع بها يوسف وهبى وعشقه لذاته، وقال إنه رفض الانضمام لفرقة يوسف وهبى بنصيحة من زوجته روزاليوسف، وسخر أيضا من «أنف» يوسف وهبى الذى عاقه -بسبب طوله وتقوسه- عن أداء أدوار الفتى الأول، فقام بإخضاعه لمبضع الجراح فأصبح بعد العملية كما قنديل البحر فى هلاميته! ولا أريد أن أستفيض فيما كان زكى طليمات يكتبه ويشنه على يوسف وهبى من نقد لاذع وساخر أكد فيه أن يوسف وهبى «له أكثر من قناع مزيف، شاطر فى كل شىء إلا التمثيل الصادق المقنع» ! وعموما كل هذه الانتقادات مفهوم دوافعها وأسبابها، وهى تحتاج لكتاب خاص وليس لمقال لشرح الصراع الذى كان قائما بينهما لأن كلا منهما كان يسعى لتوضيح دوره فى إثراء وريادة الحركة المسرحية فى مصر والعالم العربى، وظل هذا الصراع قائمًا حتى بعد أن تصالح الاثنان بحكم السن والشيخوخة ولكن بقى بينهما سياج اسمه «صديقى اللدود».والجدير بالذكر أن زكى طليمات شاغب من أجل تأسيس معهد التمثيل، ودخل فى معارك مع وزراء المعارف والإرشاد حتى نجح فى تأسيسه وتولى عمادته، وتخرجت على يديه أجيال من النجوم الذين التحقوا بفرقة المسرح الحديث وكان من بينهم فريد شوقى وصلاح منصور وحمدى غيث وآخرون، وكانت فاتن حمامة من طلاب الدفعة الأولى، واكتشف أن لديها لثغة فى حرف «الراء» وخلصها منها بعد استفزازها فى قصة طريفة لا تتحملها المساحة، وله فضل تأسيس معهد الفنون المسرحية بالكويت عام 1973، وتأسيس أكثر من فرقة مسرحية بها، ويحتفل معهد الفنون المسرحية بالقاهرة كل عام بإقامة مهرجان «زكى طليمات» المسرحى ليبقى اسمه خالدًا فى الذاكرة كرمز للريادة المسرحية فى مصر والوطن العربى. وغدًا نلتقى بإذن الله مع شخصية جديدة.. لا تنسى.