فى السياسة، هناك لحظات فارقة تُعيد رسم ملامح المشهد الدولي، لحظات تُغربل المواقف وتُسقط الأقنعة، حيث لا مكان للمناورات، ولا فائدة من الكلام المنمق. وما حدث فى مدريد، خلال زيارة الرئيس المصرى عبد الفتاح السيسي، هو واحدة من هذه اللحظات، ونتاج مباشر للدبلوماسية الرئاسية وحصاد لجهود وتواصل على مدار عام ونصف وظفت فيه مصر كل أدواتها وقدراتها دفاعًا عن الأمن القومى وحفاظًا على القضية. رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، لم يكتفِ بالإدانة التقليدية للعدوان الإسرائيلى على غزة، بل قالها بصراحة ووضوح: لا لتهجير الفلسطينيين، لا لاحتلال مستقبلهم، لا للجرائم التى تُرتكب تحت أعين العالم. لم يكن حديثه دبلوماسياً بارداً، بل موقفاً أخلاقياً يُحاكى الحقيقة، موقفاً أوروبياً نادراً يُعرى النفاق الغربى الذى يحاول التستر خلف شعارات زائفة عن «حق إسرائيل فى الدفاع عن نفسها». فى قلب أوروبا، حيث الهيمنة الأمريكية تفرض خطوطاً حمراء على كل من يحاول الاقتراب من انتقاد إسرائيل، تجرأت إسبانيا على كسر هذه القواعد، لم تتخذ مدريد موقفها اليوم لمجرد تسجيل حضور سياسي، بل لأنها تدرك أن ما يحدث فى غزة ليس مجرد «حرب»، بل إبادة ممنهجة، تطهير عرقى فى أبشع صوره، حيث يُقتل الأطفال فى أحضان أمهاتهم، وتقصف المستشفيات والمدارس والمساجد بلا تردد. هذا الموقف ليس وليد لحظة انفعالية، بل يأتى امتداداً لسلسلة من التحركات الإسبانية التى بدأت منذ الأشهر الأولى للعدوان حين صمتت معظم العواصم الأوروبية، كانت مدريد تتحدث، وحين اكتفى الآخرون بالإدانة الكلامية، فرضت إسبانيا إجراءات عقابية على إسرائيل، ووضعت نفسها فى مواجهة مباشرة مع تل أبيب لكن يجب ألا ننسى أن هذه الشجاعة السياسية لم تأتِ من فراغ من اللحظة الأولى للحرب، تحركت القاهرة بكل أدواتها الدبلوماسية، تدير الأزمة بأعصاب فولاذية، تُفاوض، وتضغط، وتُعيد صياغة المشهد لم يكن ما قاله سانشيز فى مدريد مجرد رأى شخصي، بل ثمرة جهد دبلوماسى مصرى متواصل، بدأ منذ اندلاع الحرب، عندما كانت القاهرة أول من رفع الصوت لوقف المجازر، وأول من تحرك لفتح الممرات الإنسانية، وأول من رفض بصراحة أى مشروع لتهجير الفلسطينيين. زيارة السيسى إلى مدريد لم تكن مجرد لقاء دبلوماسى عادي، بل محطة جديدة فى مسار إعادة تشكيل المواقف الدولية تجاه القضية الفلسطينية، مصر لم تكتفِ بموقف أخلاقى أو إنساني، بل استخدمت كل ما تملكه من نفوذ إقليمى ودولى لإحداث تحول حقيقى فى ميزان القوى داخل الدوائر الغربية. الموقف الإسبانى اليوم ليس مجرد تصريح عابر، بل مؤشر على أن المعادلات التى حكمت الموقف الأوروبى من القضية الفلسطينية لعقود بدأت تتغير، هناك انقسام حقيقى داخل أوروبا، بين دول تواصل انحيازها الأعمى لإسرائيل، ودول أخرى بدأت ترى أن الثمن السياسى لهذا الدعم أصبح باهظاً. هذه الموجة تتزايد، وبفعل الدبلوماسية المصرية تمكنت القاهرة من توسيع دائرة التأثير، وقد نشهد قريباً قرارات أوروبية أكثر جرأة، ربما تتجاوز الإدانة إلى فرض عقوبات حقيقية على إسرائيل، وربما تصل إلى اعتراف أوسع بالدولة الفلسطينية. مصر، بسياساتها الثابتة، نجحت فى إعادة إحياء الدعم الدولى لها، ليس بالعواطف، بل بالعمل الدبلوماسى الدؤوب، وبإجبار العالم على أن يرى الحقيقة، حتى لو حاول البعض طمسها. إذا كان هناك من يعتقد أن القضية الفلسطينية يمكن أن تُدفن تحت أنقاض غزة، فإن مدريد اليوم تُثبت أن صوت العدل لا يموت، وأن مصر، مهما تغيرت الظروف، ستظل فى قلب هذه المعركة، لا تهادن ولا تتراجع، لأنها تدرك أن الأمر لا يتعلق بفلسطين وحدها، بل بمعركة أكبر: معركة الدفاع عن الحق فى وجه من يريد أن يُعيد تعريف الظلم باعتباره قانوناً دولياً جديداً.