لم تكن 2024 سنة عادية. أربكتنا المتغيرات الإقليمية اليومية القاسية والمتسارعة، والجبهات المشتعلة من كل اتجاه، وشغلتنا عن متابعة حتى شئوننا الضرورية والمعتادة، تحول العالم من حولنا وتحولنا، تحولات غيرت نظرتنا لثوابت كثيرة كانت راسخة، وجعلت نظرتنا لليومى والعابر وربما المعتاد نظرة مغايرة. مع الأحداث الكبرى يكتسب سؤال الكتابة أبعادا جديدة، ما الذى تستطيعه أمام آلة الحرب الجبارة التى اقتحمت المنطقة، أمام التغول والهيمنة والقتل اليومى على الهواء مباشرة، أمام التحول العميق وانغلاق الأفق وتباعد الأمل؟! السؤال يتجدد أيضا عن الإمكانية، إمكانية الكتابة والقراءة فى ظل المتابعة اليومية والانشغال بالأحداث الجارية وما تطرحه من هموم وتساؤلات. لكن ورغم كل ما جرى ويجرى شهد العام المنقضى الكثير من الأعمال الأدبية والفكرية الجديدة والجيدة التى ربما لم تأخذ حظها من الإشارة والإشادة رغم ما تمنحه من أمل. غيرت الأحداث الدموية الجارية حتى النظرة لشكل الإنجاز الشخصى وطبيعته، لذا نعتبر أن كل سطر كُتب فى عمل جديد وكل صفحة قرأناها كانت بمثابة إنجاز يستحق التحية، ونحاول هنا أن نحتفى بتلك الإنجازات الصغيرة ونرصد ما فعلته فينا السنة الفارقة أو عام «الصخب والعنف» بتعبير فوكنر. طلبنا من مجموعة من المثقفين والمبدعين والأكاديميين والمعماريين أن يشاركونا نظرتهم لهذه السنة، ما أضافته لهم أو سلبته منهم، وإنجازاتهم على مستوى الكتابة والقراءة.. فربما تلك المنجزات الصغيرة وحدها تجعل عالمنا أكثر رحابة وإنسانية. أحمد أبو خنيجر: سنة كبيسة عام 2024م يعتبر فى نظر العلميين وأهل الرياضيات كسنة كبيسة، ذلك أن 24 تقبل القسمة على 4 وعلى هذا فهى متممة للزحف السنوى، بمعدل ربع يوم، أى طوال حقبة السنوات الثلاث الماضية، لتصل بها لهذا المنحدر الذى يتقاذفنا منذ عام الكورونا المجيد، والتقاذف والانحدار فى علم الرياضيين يُعامل بنفس الآلية، ليس على مستوى الحساب والقوانين فقط ولكن على مستوى المفاهيم أيضاً؛ فالتقاتل والدم المسفوح والجرى وراء لقمة العيش لا يمكن فصلهما وأنت مربوط فى ربقة التكشف الإنسانى لكل ما هو مخالف لما حاولت الإنسانية اعتباره أو التأكيد عليه عبر مواثيق وعهود ومحاكم وجرائم وحروب ونهب واغتصاب أوطان وسحل كل هذه المواثيق عبر التقاتل الممُنهج للإبادة بكافة أشكالها وصورها ليصير التعاطف، مجرد التعاطف، جزءاً من الركاكة فى جملة شديدة البلاغة والوضوح. كم كان واهما السيد «أخناتون» وهو يشيد مدينته للحب والسلام والإنسانية، لم يكن حالماً كما حاول البعض القول، بقدر ما كان واهما، فالأصل فى الإنسان الشر والنزوع إليه تحت أى مسمى من المسميات الأخلاقية التى يجيد ذلك الإنسان بثها عبر الوهم الأخلاقى الزائف، ربما طوال العام كنت أحاول قراءة تاريخ هذا الواهم وأنا أشفق عليه وأنا أرى عجلة القتال والدم تحاصر البلاد من كل الجوانب دون أن يكلف العالم المتحضر نفسه أن يوقف هذا الدمار والإبادة. على المستوى الشخصى وعقب الخروج من غرف العمليات لمرتين استطعت أن أنتهى من كتابة رواية: شق الريح. فى ظل منحدر ما بعد كورونا وتوابعها، سوف تصدر على معرض الكتاب مع مؤسسة «غايا» مع إعادة طباعة بعض الإصدارات القديمة، الروايات، التى لم تعد متوافرة، وأتمنى للرواية حظاً طيباً من القراءة والتلقى والمتعة أيضاً. روائى أحمد الفخرانى: رحلة لاكتشاف أدوات جديدة للتعبير عام 2024 كان عامًا مربكًا ومثقلًا بالتناقضات، جمع بين أحزان عامة وشخصية وأحداث غيّرت نظرتى إلى الحياة والعمل وكذلك آفاق جديدة ولحظات سعادة حقيقية، كان لتداعيات طوفان الأقصى والمذبحة المستمرة أثر عميق فى شعورى العام، لدرجة جعلت أى انتصارات شخصية تبدو أحيانًا موضع خجل. رغم ذلك، أعتز بصدور مجموعتى القصصية «كل ما يجب أن تعرفه عن ش» والتى اعتبرها تجربة قريبة جداً من قلبى وتؤسس لشكل كتابة أطمح إليه، وكذلك نجاح حلقة أم كلثوم فى باريس التى كتبتها لبرنامج الدحيح، ضمن 16 حلقة كتبتها للبرنامج، كما شهدت هذه السنة خوضى تجارب جديدة فى مجال العمل الرقمى، حيث أصبحت مشرفًا تحريريًا لبرامج العربى تيوب، ومنتجًا فنيًا لبرنامج فى الحضارة، مما أتاح لى آفاقًا مهنية جديدة مشوقة. هذا العام كان مليئًا بالتناقضات على المستوى الشخصى، أضاف لى الكثير وأخذ منى بقدر ما أعطى. شعرت بحزن جمّ لا يزول، ترافقه لحظات فرح، لكنها فى الواقع لا تعالج هذا الحزن، هى كافية فقط لتخفيفه كانت الكتابة، رغم قلتها، منفذًا للتأمل وإعادة التفكير، كتبتُ أربع قصص قصيرة فقط، لكنها كانت كافية لأعيد النظر فى معنى الكتابة ذاته، حيث أسعى لتحقيق مفهوم الخفة كما يطرحه إيتالو كالفينو فى كتابه «ست مذكرات للألفية القادمة»، حيث دعا إلى التخفف من ثقل اللغة والحياة دون التخلى عن العمق. هذه الفلسفة أصبحت تحديًا أساسيًا لى فى التفكير فى نصوصى المستقبلية. على صعيد القراءة، كان لكتب النون فيكشن تأثير كبير فى إعادة صياغة فهمى للكتابة وتصوراتى عنها. من أبرز ما قرأت كتاب «بنات آوى والحروف المفقودة» لهيثم الوردانى، و«الحكاية على حافة النوم الكبير» لمهاب نصر، بالإضافة إلى قراءتى المعمقة لألف ليلة وليلة، وكتب سوزان سونتاج. كذلك، أذهلتنى رواية «لينكون فى باردو» لجورج سوندرز بتجريبها الفنى وحرفيتها العالية. هذه القراءات لم تكن مجرد تجربة أدبية، بل رحلة لاكتشاف أدواتٍ جديدة للتعبير والبحث عن التوازن بين العمق والخفة فى الكتابة، وهو ما أطمح لتحقيقه فى نصوصى القادمة، أياً كان شكلها. روائى أشرف العشماوى: سارق الفرح! هذه السنة أشبه بسارق الفرح، سنة طويلة بدأت من أكتوبر قبل الماضى وكأنها لا تريد أن تنقشع وترحل رغم دخولنا فى عام جديد. أربعة وعشرون تشبه الثلث الأخير من الثالثة والعشرين، لا فارق، ورغم أننى كنت أعمل خلال العام المنصرم لمقاومة الهم العام وأحقق نجاحاتٍ صغيرة تساعد على التوازن النفسى إلا إننى فقدت الكثير من الاحساس بالفرحة والرغبة فى الاحتفال مع مرور الوقت وفداحة الأحداث اللا إنسانية، هذه السنة الطويلة بشهورها الخمسة عشر استكملت فيها كتابة النوفيلات واحتفلت بصدورها فى كتاب «مواليد حديقة الحيوان» عدة حفلات إطلاق بأجواء احتفالية ضخمة للغاية ومع ذلك هناك شيء ما ينقصنا. أيضاً ظهرت لى هذا العام حوالى خمس ترجمات جديدة لبعض رواياتى وهو حدث مهم جداً بالنسبة لى فما بالنا بتكراره خمس مرات، ورغم نجاح اصدارى الأخير وتوقيع وكيلى الأدبى لعقود أربع ترجمات جديدة أيضاً فى الربع الأخير من العام إلا أننى فى كل مرة أشعر الشعور ذاته، الفرحة مكتومة كأننى سمعت خبر نجاحى فى السنة النهائية لدراستى بامتياز بينما كنت أجلس فى سرادق عزاء أبى، الأمر ملتبس وموجع ومؤلم طوال الوقت من غزة إلى لبنان إلى سوريا حالياً حتى شعرت أن أحد أهداف الإعلام الغربى هو إصابتنا بالتبلد من فرط تكرار المشاهد الصادمة، يمكننى القول بسهولة أن تلك السنة سلبت منى راحة البال والمزاج الجيد والشغف لأشياء كنت أحبها ومازلت لكنى لم أعد مقبلاً عليها كما كنت، مثل: القراءة والسينما والمشى اليومى، الاندماج فى الحدث السياسى ومتابعة الأخبار بصورة يومية بل على مدار اليوم تقريباً كأننى ابحث عن حل او مخرج للأزمة وهو أمر ليس بيدىّ ولا متوقع ولو حدث لن يكون لصالح العرب فى كل الأحوال، اعتدت ذلك مثلما اعتدت إنكاره بداخلى أيضاً. مؤخرًا عدت لقراءة بعض الروايات القديمة، وفى ذكرى رحيل الكاتب السورى والصديق خالد خليفة قرأت لمرة ثانية روايته «مديح الكراهية»، هى باختصار فصل تعيس آخر من حياة المواطن العربى، المستسلم حد الخنوع ثم الثائر كالبركان، وفى الحالين هو الخاسر الوحيد، رواية فتح فيها خالد خليفة جرحاً غائرًا بكل جرأة، رواية تغوص فى أغوار النفوس والشخصيات، تحلل تأثير الكراهية والتعصب، لتحكى كيف تصبح الكراهية وقوداً تقتات منه وربما لا مغزى لحياتك بدونها، ومع القراءة الثانية للنص شعرت أن خالد خليفة جاهد للوقوف على الحياد بين الأطراف كى لا يلقى باللوم على طرف واحد لكنى اكتشفت بعد حين أنه أغضب الجميع فى نهاية المطاف عن عمد، لأنه ببساطة كان كاتباً حرًا حقيقياً، يا ليته بيننا اليوم ليرى جزءاً من حلمه يتحقق على الأقل. روائى الصديق أحمد الزيوانى: سقوط الأقنعة والمسلّمات ما حدث سنة 2024، لم يكن مفاجئاً بمعنى المفاجأة الصادمة، التى لا تسبقها إرهاصات أو مقدّمات؛ إنما هو نتاج للتحولات السياسية والاقتصادية، التى يشهدها العالم منذ سنوات، بفعل تغوّل الغرب، وانحسار الدور العربى الإسلامى، فقد كشفت سنة 2024، عن سقوط العديد من الأقنعة والمسلّمات، التى كثيراً ما بنينا لها فى مخيلتنا قصوراً، واعتبرناها أشبه ما تكون بالخلاص المستقبلى، من الورطة الغربية والإسرائيلية، ولعلّ قضية فلسطين، على رأس تلك القضايا المصيرية، التى لطالما عبّرنا ولا نزال نعبر، ملء حناجرنا وحبر مدادنا، وفى كلّ مرّة، كان الأمل معقوداً على إيران، وإلى حد ما تركيا! إن العالم يتغيّر فى كل لحظة، ولا نشعر بذلك، إلا حين يصيبنا شرر منه. أن تقرأ وتكتب، فى ظل هذا الواقع الراهن المشوّش، الذى يعبث بكل ما هو مستقرّ فى مفاهيمنا ونظرتنا للعالم، أحسبه ضرباً من المقاومة، إن ما حدث ويحدث فى فلسطينولبنانوسوريا مؤخراً، يكشف عن سقوط الكثير من السرديات، التى آمنا بها، فمثلا تشكّل فى أذهاننا أن إيران، هى قوة الشرق التى لا تُقهر، وأنها المتراس، الذى يعطّل عجلات الماكينة الغربية والإسرائيلية بالشرق الأوسط، وأنها الغول الذى تخشاه إسرائيل. مع تسابق الأحداث فى غزة وبعدها لبنان، وأخيراً سوريا، انكشفت الأقنعة الزائفة، لعلّ أولها إيران، فكيف لدولة ذات سيادة ومهابة، أن يُقتل رئيسها فى أرضها وجوّها، وكيف يُضرب رئيس حركة حماس هنية فى حرمتها، وأخيراً كيف تتنازل وبكل هذه البساطة المضحكة عن سوريا، التى ظلّت علاقتها معها استراتيجية ومحورية، ببساطة إنها لعبة المصالح، ورغم هذا الغبار والرماد، المستشرى فى العالم العربى، تظل القراءة والكتابة موجودة، فى تحدٍّ للزمن واختراقٍ للعطب. روائى جزائرى آية طنطاوى: تبدلت المقاعد من حولى 2024 علمتنى أن الشعارات شيء واتساق الإنسان مع أفكاره شيء آخر. بدأت السنة بصدور مجموعتى القصصية «احتمالات لا نهائية للغياب» فى المكتبات، وأنهيتها بوصولها للقائمة القصيرة لجائزة ساويرس. أردد دائمًا أن هذه المجموعة «وشها حلو عليا». وبين بداية العام ونهايته تعرضت لمنعطفاتٍ وموجات غيرت من المسار الذى رسمته لها، أغلبها رائع وبعضها مؤلم. نجحت فى تقديم أول بودكاست «نقد فني» متخصص فى السينما والأدب، وقدمت شهريًا عروضًا سينمائية فى «نادى سينما الجزويت». كانت سنة مميزة لكنها لم تخلُ من الخذلان. تعرضت لمصاعب شخصية مؤلمة وموجعة، تبدلت المقاعد من حولى وحاوطتنى وجوه شرسة، فانغمست فى القراءة لأفهم أكثر ما أتعرض له من صدمة موجعة، لولا القراءة لما فهمت الكثير عن نفسى وصدمات جسدى. توقفت عن الكتابة قليلاً وكان هذا محبطًا لى، استكملت مشروعى الروائى الذى كنت أعمل عليه وكأنى أقف مع نفسى لأستوعب كل التغيرات والأصوات المرتبكة بداخلى. مازال أمامى وقت لمراجعة المسودة، بارتباك لا يختلف كثيرًا عن ارتباكى تجاه القاهرة التى تبدلت ملامحها بين يوم وليلة على مدار العام وأصبحنا نشاهد فيها الموتى يموتون مرتين. كما بدأت فى كتابة مشروع روائى جديد، وهذا فى حد ذاته جزء من التعافي. ممتنة لكل الكتب التى رافقتنى هذا العام وساعدتنى ومنحتنى نظرة مختلفة لنفسى قبل أى شيء، سأذكر منها كتاب «رحم العالم»، و «جسدك يتذكر كل شيء»، و «ماذا تعرف النسويات عن الحب»، و «الإلتفات إلى ألم الآخرين»، وفى الشعر «الأشعار الكاملة لأحمد فؤاد نجم»، و «سترة زرقاء لسجين وعامل وبحار». روائية د.بهاء حسب الله: سنة الثقافة البصرية بالفعل كان عام 2024 عاماً مشحوناً بالعواصف السياسية والحربية إن صح التعبير دفعنا دفعاً لأن نتحول إلى ما يمكننا أن نصنفه بالثقافة البصرية، حيث تعلقت أبصارنا وقلوبنا قبلها بالأحداث الكبرى فى غزةولبنان وأخيراً فى سوريا، وما لاقته هذه البلدان تحديداً وأكثرها غزة من العنف الإسرائيلى المركب الاجرامى الفج، والذى قتل النساء والأطفال بلا هوادة ولا رحمة، أصاب قلوب العرب وأدماها بشكل دراماتيكى عنيف، جعل ثقافة العام هى الثقافة البصرية والمرئية، أكثر من أى ثقافة أخرى، دفعنا دفعاً لأن نعود قراءة وتحليلاً لأعمال محمود درويش وغيره من أدباء وشعراء فلسطين لنتناغم معهم فى محنتهم الكبرى ونعيش لحظتهم التاريخية وهم فى غزة تحت ضربات الاجرام والتعدى والظلم والمواجهة مع عدو لا يعرف معنى الرحمة والمهادنة، صدقونى هذه سنة الثقافة البصرية المرئية الكليمة الشجية. أما على المستوى الإبداعى فقد عكفت كناقد على قراءة العشرات من الأعمال الروائية تحديداً فى زمن أسميه زمن (ثورة الرواية) فى مصر تحديداً وفى عالمنا العربى الكبير، فالمطابع ودور النشر تدفع الينا يومياً بعشرات الأعمال الروائية والقصصية وأدب الومضة، وقد استشرى كثيراً فى هذه السنة عند العشرات من مبدعينا، كتكثيف للمشهد الروائى أو اللقطة الروائية والقصصية، وسعدت كثيراً هذا العام بوصول أسماء العشرات من مبدعينا إلى القوائم النهائية لجوائز الرواية العربية، وفوز ريم بسيونى بجائزة الشيخ زايد فى الرواية عن ثلاثيتها الرائعة (ثلاثية المماليك). ووصول ديوان احمد الشهاوى (احبك كمكان) الى القائمة النهائية فى الشعر فى جائزة الشيخ زايد أيضاً. وعلى المستوى الشخصى والنقدى فإننى عاكف على ثلاثة كتب ومؤلفات نقدية لى فى موضوعات مختلفة منها: موضوعات تتعلق بالسياق الشعرى حيث استعد لإصدار كتاب فى التحليل النصى للأعمال الشعرية القديمة والوسيطة فى أدب العباسيين والفاطميين والمماليك تحت عنوان (آفاق التحليل النصى - دراسة فى شعرنا القديم)، كذلك أعكف على كتابٍ يرصد ما يمكننا ان نسميه بتجربة (الرحلة الشعرية) وكيف تحول أدب الرحلات إلى أدب شعرى عند رموز شعرية عديدة فى أدبنا القديم والمعاصر، والكتاب عن (الرحلة الشعرية) فى نتاجنا العربى قديماً وحديثاً. كما اعكف - على المستوى الشخصى - على كتاب عن فنية (التجريب) فى الرواية المصرية المعاصرة، وكيف بدأنا نرصد فنياتٍ كثيرة فى التجريب السردى عند العديد من رموزنا المعاصرة، وكيف التحم هذا التجريب بمؤثرات جديدة كمؤثر الذكاء الاصطناعى، او التداخل الفنى والأدبى بين المكونات النصية الجديدة، وادعو الله أن تخرج مع مطلع العام الجديد، والله الموفق والمستعان. أستاذ الأدب العربى بكلية الآداب - جامعة حلوان جمال القصاص: عام طحن القيم والأعراف بالتأكيد لم تكن سنة 2024 عادية، بل كانت سنة طحن لكل القيم والأعراف والحقوق الإنسانية النبيلة، لقد تفوقت بحروبها وكوارثها الدامية على أعرق التراجيديات فى التاريخ، ولاتزال ظلالها الخانقة ممتدة على مسرح قمعى متوحش، يتبارى فوق خشبته الخونة والسماسرة على من سيسفك المزيد من الدماء. لا شيء أقسى على الشاعر والمبدع من هذه اللحظات. فهو دائماً يسعى لأن يصفو لنفسه، حتى يكتب الحياة بمحبة خالصة، ويراها فى نصه وفى الواقع بثوب جديد. كيف له ذلك، وكل ما حوله يكرس لثقافة الكراهية ويسمم الوجود. حاولت أن أتفاعل مع هذه المأساة شعرياً، لكننى كنت أشعر بأننى أقف على حافة اختلط فيها الوجود بالعدم، أشعر بأننى أتضاءل من هول ما يحدث، وأكاد أسقط فى هوة سحيقة لا قرار لها. فما يحدث أعلى من سقف الكتابة نفسها، أعلى من قدرة الحواس على التقاط المشهد ووضعه فى بؤرة واضحة ومحددة. لقد انتحرت الدراما، ومن العبث أن تتحسس لها معنى جمالياً يحفز الروح والجسد والحلم والذاكرة على البحث عن الجمال والحرية فى أبسطة الأشياء ألفة وربما أشدها غرابة. لكن الأمر لا يتعلق باليأس بقدر ما يتعلق بالحالة والمزاج الخاص. فما زلت أحاول فى هذا الكابوس أن اكمل ديواناً جديداً كتبت فيه فصلين، وثمة قطرات خاطفة من الفرح تغمرنى بإنجازى كتابين يرى الكثير من الأصدقاء أنهما يشكلان إضافة مهمة لتجربتى الأول بعنوان «فى مرايا الشعر» وسيصدر على معرض القاهرة للكتاب عن الهيئة المصرية للعامة للكتاب، وبه قراءات فى أعمال 52 شاعرا وشاعرة من مصر والعالم العربى، يمثلون أطيافاً متنوعة للشعرية الجديدة. والكتاب الثانى بعنوان «فى مرايا السرد»، ويضم حزمة أخرى من قراءاتى لكوكبة من الروائيين والقصاصين المصريين والعرب، وهو على وشك الصدور عن دار «بدائل» للنشر بالقاهرة.. أرجو أن ينتهى هذا الكابوس لننعم بمحبة الحياة والأمل. شاعر جرجس شكرى: مريض اسمه العالم حين أضع السنة فى نهايتها، أتأملها، أشاهد أحداثها، أشعر أننى غريب عن هذا العالم.. لا أعرفه، بل وما كنت أعرف من عوالم راحت تتلاشى، تختفى، أشعر أن هناك من قرر أن فى هذا العالم بعض بلاد بشعوبها وبحضاراتها وتاريخها وبيوتها وشوارعها وأساطيرها، محض مخلّفات ويجب إعادة تدويرها وإعادة تصنيعها حتى تخرج فى صورة أخرى، بلاداً جديدة على مقاس ومزاج ومصالح صاحب القرار، وهذا ليس من باب المبالغة وليس استعارة لكنه يحدث بالفعل! أشعر أن ناتج الحضارة الذى كان يزهو به العالم وأنا معه محض إنتاج مزيف وأن هذه الحرية التى ناضلت من أجلها الشعوب، حرية معيوبة ويجب إعادتها إلى مصنع الفكر الإنسانى لإعادة تصنيعها مرة أخرى، وأن ما يسمونه عدالة أصبح من الذكريات، فقط ما أجاد فيه العالم وببراعة بعد قرون من الفكر والفلسفة والدفاع عن الحرية والعدالة وأعداد لا تُحصى من الضحايا فى سبيل ارتقاء الإنسانية، ليس سوى البراعة فى صناعة القهر والظلم وإذلال الشعوب، وتبرير القتل والتشريد والإبادة. وفي حين أضع هذه السنة أمامى، أراقبها، أتأملها فى مشاهد من هنا وهناك، لا أرى سوى مريض اسمه العالم بعد أن أصبحت إبادة شعب ما فعلاً عادياً كشراء الخبز اليومى، بعد أن أصبح فعل القتل اليومى خبراً لا يختلف فى استقباله أو إرساله عن حالة الطقس وأسعار العملات، ومشاهد نزوح الملايين والإقامة فى العراء لا تختلف عن مشاهد رحلة مثيرة، يراقبها الناس من بعيد! بعد الحربين الأولى والثانية تساءل الكتّاب عن الإنسان الجديد، تساءلوا بعد أن تصدعت القيم عن ماهية الكتابة فى تلك اللحظة، وكيف سيكون الإنسان الجديد بعد القنبلة الذرية؟ والآن وبعد أن أصبحت القنبلة الذرية من الكلاسيكيات، وحروب القتل والإبادة من كماليات الحياة اليومية لبعض الساسة ومن أساسيات وجود الدول الكبرى، لايكفى أن تتصدع القيم، بل أظن أن القيم تحطمت وتلاشت، فحين تتهاوى البلاد وتتحطم المدن، تتغير وتتبدل كأنها مادة متهالكة ويجب أن يُعاد تدويرها ..... لا أعرف كيف سوف سيكون الإنسان الجديد فى هذا العصر، ماذا يقرأ، وماذا يكتب وإلى أى نوع من الموسيقى يستمع، ماذا سيشاهد من مسرحياتٍ أو أفلام؟ لا أعرف سوى أننا نعيش فى عالم أصبح مريضاً، يئن ويتألم كل يوم، كأنه يعيش ونحن معه فى كابوس، والمريض إما أن يتعافى أو يموت؟ وحتى يتعافى المريض يحتاج إلى أطباء مهرة ومخلصين، لا يحتاج إلى لصوص وصناع استبداد، وحتى يتعافى يحتاج إلى دواء مادته الفعالة من المحبة والسلام، من اليقين بضرورة الحرية والعيش المشترك، ولكن كيف يتحقق هذا والمريض / العالم يتحكّم فى أموره مجموعة من الحمقى والمجانين؟ شاعر بومدين بلكبير: ضفة أخرى يمرُّ عامٌ آخر ونحن (كأفراد أو كمجتمعات) خارج التاريخ؛ ينهشنا التخلف والنّزاعات والحروب. مازلنا أسرى الحاجات الفيزيولوجية، وحاجات الأمن والسّلامة! عاجزين عن إيجاد معنى وقيمة لوجودنا فى عالم ينمو ويتغيّر بشكل متسارع وجذري. نشهد انهيار وتفكك دول كثيرة فى المنطقة على المباشر فى القنوات والفضائيات ووسائل التّواصل الاجتماعى، متصلين بالواقع ومنفصلين عنه فى الوقت ذاته، لا نعرف أين نتجه، عاجزين، مستسلمين لقدرنا ومؤمنين بانعدام الحلول! وبين فتور وخمول، نشهد أيضاً انهيار القيم ونزوع الإنسان نحو الانحدار، وتراجع الذّوق والجمال أمام أمواج القبح والرّدة، وتراكم العجز والقلق أمام قتل الذّات والعقل والإنسان. رغم كلّ المآسى المتراكمة وإعادة إنتاج التخلف وتراكم الفشل على المستوى الكلى فى المنطقة، أحاول أن أقيم حول نفسى جدراناً وأسواراً، لتجنب الموت، أو لمحاولة النجاة من العدوى. أفضل أن أرى من مكان آخر أو ضفة أخرى، لكى أستمر وأبقى، لكى لا أضيع فى الإرهاق والاكتئاب والانهيار. هل يعنى ذلك، جدوى البحث عن ملاذ آمن وفعال وفاعل؟ فى هذا السّياق أو التّيه، وفى ظلّ التّخلف والحروب والاحتلال، نحاول أن نتحايل أو نقاوم أو ننقذ ما نستطيع إنقاذه. هل الكتابة مناورة للبقاء على قيد الحياة؟ هل الكتابة نجاة من الموت؟ هل الكتابة فعل وجود وتغيير؟ لماذا أضحى كل شيء ضد الكاتب، ضد التّفكير الحر، ضد الإبداع؟ المجتمع، السّلطة، العائلة، الكاتب نفسه... وأعداء آخرين كثر. ليس الحوت الكبير من يأكل الحوت الصغير، إنما النّاشر من يأكل الكاتب! بينما أضرت القرصنة فى المنطقة بمداخيل الكثير من النّاشرين، نجد أغلب الناشرين (للأسف) يلتهمون صباح مساء حقوق مؤلفيهم؛ اجتروها ومضغوها قبل أن تنشف دموع بكائهم وشكاويهم من خساراتهم من المقرصنين وضعف التشريعات والحماية. هذا العام قرأت أكثر من سبعين كتابًا، وكتبت رواية فى أقل من سبعين يومًا، بينما تنتظر رواية أخرى كتبتها فى أكثر من ألف يوم. لم أنشر الروايتين الأولى والثانية أيضاً، ليس تشاؤمًا إنما استجابة للشعور بالتشبع، وبأننى قد امتلأت عن آخرى، وحتى أكون أنا ذاتى ولا أتيه فى مكان مجهول. أخشى أن لا أعود أعرف من أكون. أكاديمى وكاتب جزائرى د. جلال عبادة: عام التحولات الدرامية كانت 2024 سنة التحولات الدرامية على مستوياتٍ عديدة. تحولات عالمية، وإقليمية ضخمة، وتحولات محلية سياسية عديدة. وأخيرًا شهدت هذه السنة أحداثًا درامية متسارعة هددت تراثنا المعمارى الذى شهد تدهورًا كبيرًا بالنسبة للعمارة الجنائزية فى جبانة باب النصر وجبانة الإمام الشافعى وبعض مواقع التراث الأخرى فى ظل صمت وموافقة المسئولين عن القاهرة التاريخية المُسجلة على لائحة التراث العالمى. أما على المستوى الشخصى فقد سعدت بظهور موسوعة عمارة المسجد النبوى الشريف (5 مجلدات) إلى النور. فضلًا عن صدور المجلد الأول منها فى يناير وأربعة مجلدات هى فى مرحلة الطباعة حاليًا، هذا بالإضافة لصدور كتابى «ضاحية مصر الجديدة: روح المكان وذاكرة الزمان» والصادر عن جهاز التنسيق الحضارى بمشاركة مجموعة من الباحثين المرموقين. كما تشرفت بالمشاركة فى تقييم بعض المشاريع المقدمة إلى الدورة الأولى لجائزة ميثاق الملك سلمان العمرانى، وهى جائزة معمارية مرموقة جديدة بالسعودية، وأيضًا سعدت بتنظيمى لحدث مهم للعاملين فى التراث المعمارى بتنظيمى لندوة ومعرض «حياة جديدة لتراث قديم» إذ يهدف لإعادة التوجهات المعاصرة وتوظيف المبانى التاريخية فى مصر فى إطار نشاط لجنة الفنون التشكيلية والعمارة بالمجلس الأعلى للثقافة. أما على مستوى الإصدارات الجديدة فقد سعدت بصدور الطبعة العربية من كتاب «القاهرة السينمائية» للدكتور نزار الصياد، والدكتور هبة صفى الدين. وأيضًا كتاب «عَمارة السَّعادَة» للفيلسوف آلان دو بوتون. أستاذ العمارة جامعة عين شمس د. جليلة القاضى: وقائع اختفاء إيزابيللا سانتياجو عام ملئ بأحداث لم نشهد مثلها فى حياتنا، حرب الإبادة على غزة، ضرب لبنان، ونجاح الجماعات الإرهابية المسلحة فى سوريا فى إسقاط الأسد، فضلًا عن احتلال إسرائيل لأجزاء من سوريا وضربها لليمن. إسرائيل تجول وتصول فى المنطقة لا رادع لها، رئيس وزرائها مجرم حرب يحظى بتأييد الولاياتالمتحدة ومعظم دول الاتحاد الأوروبى ولا يريد أن ينتهى العام بدون أن يروعنا التحالف الوثيق لقمع المقاومة المشروعة للاحتلال فى الضفة الغربية. ويُضاف إلى تلك الكوابيس الأزمة السياسية التى تمر بها فرنسا على الضفة الأخرى من المتوسط حيث أعيش. ورغم تلك الصورة شديدة القتامة إلا أن هناك بعض الإنجازات على الصعيد الإقليمى. ومنها مثلًا بداية تحطيم السردية الإسرائيلية عن الدولة الديمقراطية والمظلومية التاريخية. فضلًا عن وضوح الطبيعة الاستعمارية الفاشية للنظام. وهذا كان جليًا من خلال قرارات محكمة العدل الدولية بإدانة هذا الكيان، وقرار الجنائية الدولية الذى يصم نتنياهو وجالانت بمجرمى حرب. بالإضافة إلى كسر أسطورة الأمن الإسرائيلى وهجرة عشرات الآلاف من المواطنين إلى دول أخرى وتحول مواطنين آخرين بدورهم إلى لاجئين. بجانب أداء وصمود المقاومة فى غزة وجنوب لبنان، وتعاطف كل شعوب العالم مع القضية الفلسطينية. أما على المستوى المحلى وفى فرنسا فقد نجحت كل فصائل اليسار فى انتزاع أكبر عددٍ من المقاعد فى البرلمان الفرنسى. وعلى الصعيد الشخصى الإصدار الوشيك -قبل نهاية العام- للترجمة العربية لكتابى عن جبانات القاهرة التاريخية، والذى نُشر من قبل باللغتين الفرنسية والإنجليزية، وكذلك الانتهاء من مجموعتى القصصية الثالثة «وقائع اختفاء إيزابيللا سانتياجو». أستاذ التخطيط العمرانى بجامعة باريس حسين فوزى: متفائل رغم الأحزان عام 2024 كان صعبًا بسبب الأحداث الكبيرة التى تغطى على الأحداث الشخصية، وتجعلها ضئيلة جداً إزاء المآسى الكبيرة والسياق العام الذى نحن جزء منه. لم أكتب سوى مقالتين أدبيتين فى بداية السنة، بجانب التحرير المكثف على مجموعتى «مشروع التخرج» والتى نُشِرَتْ منذ عدة أسابيع عن دار وزيز، ومؤخراً بدأت محاولات لكتابة نصوص، مازالت فى مرحلة التطوير وجمع المادة. القراءات الأدبية كانت محدودة وأغلبها كانت إعادة قراءات فترة تحرير المجموعة وأبرزها كانت الأعمال الكاملة لريموند كارفر وجورج بيريك. أغلب القراءات والمشاهدات الأخرى كانت متعلقة أكثر بالشأن العام والسرديات المختلفة عنه التى تساعدنا على هضمه واستيعابه لتحديد مكاننا منه والتعبير عنه وأرشفته للمستقبل. أما بخصوص خطط السنة القادمة، ف «كل اللى يجيبه ربنا كويس»، على أمل أن يهدأ الوضع العام لمنطقتنا، وأن يكون عاماً أكثر إنتاجية على المستوى الشخصى. أنا متفائل رغم الأحزان. قاص ريم داوود: فرصة لالتقاط الأنفاس مثل كل عام، تقتحم الآلام الشخصية والعامّة حياتنا، وتفسح لنفسها مكانًا، فى تفكيرنا ومخططاتنا؛ ومثل كل مرّة، أختار تجاهلها، والاستعاضة بخططٍ بديلة، والتركيز على الإيجابيات التى مررتُ بها طوال العام. استسلمتُ لعدّة وعكاتٍ صحّية، لبعض الوقت، لكننى اعتبرتها فرصة لالتقاط الأنفاس، وفترات من الراحة الإجبارية، التى يستحقّها جسدى، دون شك، أسارع بعدها لممارسة حياتى بشكلٍ طبيعى. لعلّ أبرز إيجابيات 2024، على المستوى الشخصى، هى صدور روايتين من ترجمتى، للكاتبة الزيمبابوية تسيتسى دانغريمبغا، تحمل إحداهما اسم «أحوال عصابية»، والأخرى «كتاب الرفض». لا أزال فى انتظار صدور الكتاب الأخير فى هذه الثلاثية البديعة، التى نتابع فيها تطوّر حياة وشخصية البطلة «تامبودزاي»، التى تكافح منذ طفولتها لنَيل حقوقها، بدأبٍ وإصرار، وبخاصّة حقّها فى تعليم جيّد ومستوى حياة أفضل. شاهدتُ أفلامًا جيّدة، ومسلسلاتٍ قديمة، وقرأتُ كثيرًا هذا العام، وكنتُ أتمنى قراءة كتب أكثر. ممّا أعجبنى فى قراءاتى الأخيرة: «ريشة طائر البجع» للكاتبة البلغارية إيرينا بابنشيفا (ترجمة أمانى لازار)، ورواية «كيف قتلتُ أبي» للكاتبة والصحفية الكولومبية «سارة خارميّو كلينكيرت» (ترجمة محمّد الفولي). قرأتُ أيضًا ثلاثية «أسفار مدينة الطين» للكاتب سعود السنعوسى. شدّنى العمل فى الجزء الأول «سِفر العباءة»، ثم قرأت الجزء الثانى «سِفر التَبّة» بحماسٍ أقل، بعض الشيء، وأكملتُ الجزء الثالث «سِفر العنفوز» بصعوبة شديدة، بعد أن فتر حماسى تمامًا، وصارت محاولات فكّ ألغاز الأحداث المتداخلة، والشخصيات الكثيرة، مرهقة جدًا. أقرأ حاليًا، باستمتاعٍ كبير، رواية «صيف سويسري»، للكاتبة العراقية إنعام كجه جي؛ وأبدأ بعدها فى قراءة كتاب «الخواجاية» لفيمونى عكاشة، و «رحم العالم.. أمومة عابرة للحدود» للناقدة شيرين أبو النجا. سافرتُ عدّة مرّات، وتجوّلت فى أماكن لم تسبق لى زيارتها، واستمتعتُ برفقة زوجى وأفراد عائلتى، وهذا وحده يكفينى لأقول إنه كان عامًا سعيدًا، رغم كل شيء. مترجمة سعيد خطيبى: المقاومة بالكتابة أسوأ ما يحصل لكاتب هو أن يتنازل عن الكتابة، ويصطفّ فى طابور السّياسة. يتنازل عن صفته ويرتدى بذلة ليست على مقاسه. مع العلم أن الأدب أعلى مرتبة من السّياسة، يتهاوى الكاتب إلى الأحداث الجارية، ويتحوّل إلى جنديّ، يسمع ويطيع، متخلياً عن حقّه فى الشكّ، فى التّريث والتّمحيص. يصير مسكوناً بالأخبار العاجلة التى تبّثها فضائيّات، من غير أن يكون مسكوناً بالكتابة. فالكتابة تنطوى على الأسئلة لا على المسلّمات. فى ظلّ هذا الوضع يزيد الكاتب العربى من عزلته، اختلاطه بالسّياسة يعرّضه إلى التّهم كلها، من تهمة التّواطؤ إلى تهمة التآمر. فهو معرّض على الدّوام إلى محاكمات على السّوشيال ميديا، ولأن النّاس تكاد تفقد الثّقة فى السّاسة، مثلما تكاد تفقد الثّقة فى رجال الدّين، فلم يعد متاحاً عدا الكاتب. ويطلب منه النّاس رأياً فيما يجرى وما لا يجرى، يطلبون منه رأياً عن الحدث واللا حدث. ومهما أبدى من رأى، فلن يسلم من الألسنة. شيئاً فشيئاً، لم يعد الكاتب منشغلاً بعمله، بل مطالب بأن يصير ناطقاً باسم الجماعة، وإن لم يمتثل إلى هذا الدّور، فسوف يزيد من عزلته. ففى عالمنا العربى، باتت الكتابة مهنة خطيرة. تورّط صاحبها فى مسائل هو فى غنى عنها. كلّما تقدّم خطوة فى أرض السّياسة، وبغض النّظر عن موقفه من الأحداث، فلن يسلم من ردود، وهى ردود تحبط من معنوياته أكثر مما تجعله يشعر برضا. لذلك فإن المقاومة الأمثل هى المقاومة بالكتابة، هى المقاومة بالشكّ والسّؤال، والكتابة هى مرادف آخر للقراءة. وقد أُتيح لى أن أطالع، قبل أيّام، كتاباً مهمّاً صدر فى الجزائر، نعم، يحصل أحياناً أن نطالع كتّاباً مهمّاً فى الجزائر، على الرّغم من حال النّشر المتعثّر. الكتاب بعنوان «من الإنسان إلى الله»، جاء فى ترجمة أنيقة تعيد الأمل أن التّرجمة لا تزال بخير، ويطرح فيه المؤلّفان شئوناً فلسفية من منظورات أدبية، يناقشان فيها قضايا الإنسان بناء على نصوص أدبية، يطرحان فيه قضايا من المسرح ومن النّقد كذلك، من الدّين والدّنيا، يعرجان على حال المدرسة وكيف أسهم الأدب فى صناعة المخيّلة وفى تفسير العالم. روائى جزائرى سمير الفيل: الكتابة عوضتنى عن سقم جسدى بالنسبة لى كانت سنة 2024 من أكثر السنوات عملاً ودأباً وسط العواصف والأنواء المحيطة بنا، بدأت باستقبال مجموعتين قصصيتين بشكل جيد: «ذئاب مارقة» عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«قهوة على الريحة» عن الهيئة العامة للكتاب. وصلت مجموعتى القصصية «دمى حزينة» عن دار «بتانة» للقائمة القصيرة ثم فزت بالجائزة فى دورتها السادسة التى عُقدت بالكويت، وشهدت أروقة جامعة الشرق الأوسط فعالياتٍ ثقافية ناقش فيها المؤتمرون قضايا تخص علاقة القصة القصيرة بقضايا النشر، والترجمة، والتحولات، والمحرر الأدبى، وغيرها من القضايا. كانت فرصة طيبة أن ألتقى طالب الرفاعى رئيس المجلس الاستشارى للجائزة، كما تعرفت على كتاب كنت اقرأ لهم: أنيس الرافعى، وثريا البقصمى، وزملائى بالقائمة القصيرة: المغربى إسماعيل غزالى، السورية روعة سنبل، العمانى يحيى المنذر، الكويتى عبدالهادى الجميل. زرت فى نفس العام قطر، وسجلت حواراً مع المذيعة المثقفة نجوى بركات، وشاركت فى «مهرجان جرش» حيث قدمت شهادة عن تجربتى فى القصة القصيرة بكلية الآداب بالجامعة الأردنية. فى نهاية العام أنجزت أربع مجموعات قصصية ستكون حاضرة فى معرض الكتاب 2025، وهى: «ملح على المائدة» عن دار الأدهم، «ضلع هايك» عن دار الفكر العربى، «هيا إلى المناخوليا» عن دار غراب، «أرصفة قديمة» عن دار النسيم. تابعت بقلق وحزن بالغ ما يحدث فى قطاع غزة وأدركت من جديد مدى توحش القوى الاستعمارية والحليف الصهيونى. تمنيت ألا تنُتهك سوريا وألا تُدمر لبنان المتحضرة. شاركت حسب جهدى فى نشاط جماعى بمقهى شعبى نعقد فيه جلساتنا الأدبية بمدينة دمياط كل يوم. عدت لقراءة وليم شكسبير، وألبرتو مورافيا، ونيقوس كازنتزاكس، وعبد الحكيم قاسم. كتبت عدة مقالات نقدية اشتبكت مع كتابات: ضحى عاصى، محمد إبراهيم طه، فكرى داود، وبقدر محسوب قرأت لعادل عصمت، ومحمود الوردانى، وعزت القمحاوى، وأحمد الخميسى، وطارق إمام، ونورا ناجى، مصر رغم أزمتها الاقتصادية تمنحنا مبدعين ومفكرين وكتاباً على درجة عالية من الكتابة الصادقة والقدرة على إحداث الدهشة بتشكيلاتٍ فنية فريدة. على جانب آخر صار جسدى سقيماً، فباتت أسفارى فى الداخل قليلة جداً، وهذا ما حاولت تعويضه بالكتابة رغم آلام العمود الفقرى. قاص وروائى شادى عبد العزيز: كتابة المحتوى العِلمى كانت 2024 أسرع من قدرتى على الاستيعاب فى أحيانٍ كثيرة. كان صعبًا تجاهل الأخبار المتلاحقة، وأثر ذلك على قدرتى على التركيز فى القراءة أو الكتابة أو الترجمة، لكن لأول مرة تحولت الكتابة، وهى فى حالتى كتابة محتوى (سكريبت) للإنترنت، من خانة الهواية إلى خانة المهنة. تخصصتُ فى كتابة المحتوى العِلمى، وبالذات فى علم النفس والطب النفسى، وأثر ذلك على قراءاتى، فجربت إرفين يالوم، بكتاباته فى علم النفس الوجودى، وبالذات ما كتبه للأطباء النفسيين فى (هبة العلاج النفسي)، وعن خوف كل إنسان من الموت، فى (التحديق فى الشمس). كان صعبًا ألا أفكر فى الموت كلما شاهدت آخر الأخبار فى 2024. اكتشفت كذلك جابور ماتيه، الطبيب والكاتب الكندى شديد الإمتاع، بكتاباته عن أثر التنشئة المبكرة فى بناء الشخصية، ودور الضغوط التى يتعرض لها الطفل فى تلك الفترة فى الإصابة بالإدمان واضطراب فرط الحركة وحتى الأمراض العضوية، كالسرطان. ماتيه له 4 كتب مُترجمة إلى العربية حتى الآن، قرأت منها (فى عالم الأشباح الجائعة)، و(عقول مشتتة)، و(عندما يقول الجسد لا). لم يكن ممكنًا أن تقرأ لماتيه فى 2024 دون تخيّل ما يمكن أن يجرى لأطفال تحت القصف اليومى. ماتيه نفسه وُلد يهوديًا تحت الاحتلال النازى، وهو الآن من أشهر الوجوه المعارضة لما تقترفه إسرائيل يوميًا فى غزة. فى 2023، ترجمت (عن الأسى والتأسي) لإليزابيث كوبلر روس وديفيد كيسلر، وفى 2024، قرأت تتمّة له، وهى Finding Meaning لديفيد كيسلر، الذى يقترح فيه مرحلة سادسة للأسى، وهى المعنى. يتساءل كيسلر: هل يمكن أن نجد المعنى فى حالات كالانتحار، والموت العنيف، والموت بجرعة مخدرات زائدة؟ وطبعًا سألت نفسى: هل يصح الكلام عن المعنى فى خِضم المأساة؟ مترجم شكرى سلامة: انطباعات صغيرة بدأت هذا العام بقراءة الحياة السائلة لزيجموند باومان، أعرف إذن أن العالم سريع ومتغير، هش ومشتعل، لكن قلب المرء يكون دائما غير مستعد، أحاول إذن الحفاظ على قلبى من الاضطراب والقلق، خصوصاً وأننى شديد التأثر بكل ما يحدث حولى. كتبت عدة قصائد انطلاقا من شعورى بالحزن تجاه هذا العالم، ما أفعله دائماً فى قصائدى أشبه بالعتاب ماذا يمكننى أن أفعل غير ذلك؟ كتبت بعدها عدة قصص تدور فى نفس الفلك، أين خلاص الإنسان؟ وأين الطريق الذى يؤدى إلى السلام الأبدي؟ وكيف يحمى الإنسان قلبه وعقله؟ وأنهى هذا العام بقراءة كتاب «سباحة فى بركة تحت المطر» وهو كتاب مهم عن الكتابة. يبدو أننى نسيت متى نشرت روايتى الثانية «الموت عادة يومية» منتصف هذا العام تقريبا. كان ذلك حدثاً سعيداً وأعده إنجازاً. فشلت فى الظهور فى قوائم ثلاث جوائز أيضا، لا أعرف هل يمكن اعتبار ذلك إنجازا أم لا، لكنى سعيد بالخطوات المتتابعة، ممتن لذلك الإيقاع الهادئ من الانتصار والهزيمة. أما كتاب السنة فهو «انطباعات صغيرة حول حادث كبير» للراحل إبراهيم أصلان. أؤمن أن ما تفعله فينا الأحداث الجارية، يترك بالفعل أثره فى حياتنا وأفكارنا، أفكر فى كل الأحداث الكبيرة على مدار العام، ثم أقول لنفسى، نعم نعم. هذه أحداث كبيرة بالفعل، لكنى لا أجد ما أفعله سوى الانغماس فى القلق والتوتر، أو كتابة انطباع صغير. أشعر بالعزاء الممزوج بقلة الحيلة، حين أفهم أن هذا فقط ما أقدر عليه فى هذه الحياة. قلب مفطور وانطباع صغير حول فلسطين، لبنان، وسوريا. قلب مفطور وانطباع صغير حول الأشلاء والمعتقلين. ماذا يمكننى أن أفعل حيال الأحداث الكبيرة، حيال قلبى وحزني؟ لا شيء. لا شيء سوى ترك انطباع الصغير. وأعود وأسأل نفسى، هل كان عاماً سعيداً، هل كان حزينا؟ كل ما أعرفه أنه ترك لدىّ انطباعات وتساؤلات عديدة. روائى عبده خال: بين الأمانى والرجاء رحم منبثا ما الذى يمكن الكتابة عنه لعام 2024؟ إن كان هناك من شيء لتذكّره، فسوف نجد الكثير لكتابته فى هذه السنة الكبيسة، وهى الأكثر سخونة مناخاً، وسياسة، ودماراً، فهى السنة الصعبة المغيرة لطبيعة المناخ، (وظهر ذلك من خلال بكائية قمة المناخ) وما سوف يُضاف من عناء للدول الفقيرة، وليس هذا فحسب، من خلالها ظهر التطرف، تطرف الطقس، تطرف الاقتصاد، تطرف سياسى، تطرف الحروب، تطرف حالاتنا النفسية. وكل ما يحدث ينعكس على أنفسنا، انعكاساً فعلياً، ولأننا فى وعاء صغير اسمه العالم، فأى ارتجاج يصيب أنفسنا، وواقعنا مباشرة. هذا العام سكنا قنوات الأخبار، وهى قنوات تسكب على رءوسنا أنقاض العالم، ولا تحمل بشائر تفاؤل للغد، ف( 74) دولة حدث بها انتخابات رئاسية وتشريعية، من خلالها كسب اليمين أغلبها، وجاءت أواخرها منبئة عن سقوط الأخلاق الأممية، حاملة حقوق الإنسان كمنشفة لمسح العار الأممى من على أيونات اللوحات المضيئة بقيم كاذبة، كان يتم وخز الشعوب بها على أنها مضاد لأكسدة أفكار الحرية، والعدالة، والخير.. سنة سقط فيها الضمير الإنسانى من غير أى مقاومة، أو من غير الاستناد لأى قوة عالمية سواء كانت دولاً أو منظمات.. كان عاماً وخيماً طلى وجه العالم المتحضر بالسواد، وإن ظلت وهج الإعلانات يجمل ما حدث على أنه حق يُراد تثبيته بأيدى الأقوياء. هو عام سيكون أساساً أو قاعدة لما سوف يحدث فى الأعوام القادمة. عام بائس للعالم، واختلف وقعه على الأفراد، فكل كائن لجأ إلى ما يحب، متناسياً ما يمكن حدوثه، أو تخلى عما يعكر صفاءه.. ولأننى صاحب مقولة: «لكى تحافظ على سلامة عقلك عليك الهروب إلى حقول الفن»، فهربت مبكراً إلى ذلك العالم مستمتعاً بكل ما تنتجه القوى الناعمة، من لوحات تشكيلية، وأفلام، ورواياتٍ، وقصائد، ومسرحيات، ومباريات كرة القدم، وكذلك انشغلت لإنهاء روايتى الأخيرة ( كان رحماً منبثاً) والتى وصلت إلى حقيقة خاصة بى، والتى انطلقت من ان كل حياتنا بحاجة إلى رحم يحميها من تردى الواقع، إلا أن ذلك الواقع غدا منبثاً. فهل فيما قلته به نفس تشاؤمي؟ الأمانى أن أكون على خطأ، وأن يكون العالم فى حالة مخاض لجلب حياة كريمة لهذه البشرية المتداعية فى جوانب الحياة، مع أن الأمانى لا تتحقق، بينما الرجاء هو المتُحقق، فكل الرجاء أن يستعيد العالم رحم الأخلاق المبثوث. روائى سعودى ضحى عاصى: الثقافة والوضع الإقليمى كان عام 2024 مليئًا بالأحداث الصعبة داخل المنطقة العربية، بداية مع أحداث غزة، ثم السودان، ولبنان، وأخيرًا سوريا، فهذه الأحداث المتلاحقة التى جعلتنا نتابع ونعيد قراءة المشهد العالمى وردود أفعاله المتباينة. لذلك فالحالة الإبداعية عند المثقف المصرى لا يمكن أبدًا أن تتوقف عند الذاتى بل يتأثر بمحيطه، فما يحدث الآن لم يعاصره أبناء جيلى من قبل. وبالنسبة لى فعلى المستوى الشخصى والثقافى فقد كان عاماً مليئًا بالتفاعل وخاصة دوليًا فقد شاركت ضمن معرض «منسك الدولى للكتاب» فى روسيا، وكانت تلك هى المرة الأولى التى تشارك فيها مصر منذ تأسيسه، تمت إقامة ندوة لمجموعتى القصصية «سعادة السوبر ماركت» والتى تُرجمت الى اللغة الروسية. كما أتُيحت لى فرصة المشاركة فى برنامج عن الثقافة واللغة الصينية والتى استضافته جامعة بكينالصينية. كانت هذه التجربة مهمة بالنسبة إليَّ وبالرغم من أنها ليست المرة الأولى لزيارة الصين ولكن بعد حوالى خمسة وعشرين عامًا كان مهمًا متابعة التغييرات التى حدثت. وفى يوليو 2024 انطلقت الترجمة الروسية لروايتى 104 القاهرة من مكتبة موسكو الوطنية والتى لاقت ردود فعل جيدة. كما اشتركت فى برنامج خاص عن الأدب والترجمة فى موسكو. لكن ما لفت نظرى أن الإقامة كانت فى منتجع بريدلكنا ..هذا المكان الذى عاش بداخله الكثير من الأدباء الروس والسوفيت وأشهرهم: باسترناك مؤلف رواية دكتور زيفاجو، إذ كانت فرصة جيدة للتعرف على الطبيعة الروسية التى وصفها الأدباء الروس فى أعمالهم الأدبية. ومع قرب نهاية هذا العام وتحديدًا فى نوفمبر كانت مشاركتى فى تجهيز وإعداد ميثاق البريكس فيما يخص الشأن الثقافى والاجتماعى، وقد أسفر المؤتمر الذى انعقد فى البرلمان الروسى، والذى وتم فيه إعلان ميثاق البريكس الثقافى عن خطط طموحة أعتقد أنها ستجد سبيلًا لتحقيقها ومنها على سبيل المثال: إنتاج أفلام سينمائية مشتركة بين الدول الأعضاء. بجانب ترجمة الأدب العربى إلى لغات دول البريكس، مع عمل دراسة حول إمكانية تخصيص جائزة البريكس الأدبية، وهذه الملفات جميعًا أعمل عليها الآن. فى معظم هذه المؤتمرات كان الحديث المتنوع بين الثقافة والوضع الإقليمى فى منطقتنا العربية وما يحدث فى غزة دومًا حاضرًا فالمثقف بوجه عام لا ينفصل عن أزمات الإنسانية وهذا يؤكد على دور الأدب والدبلوماسية الثقافية فى مناقشة القضايا وعرضها على المجتمع الدولى. فكل هذا الزخم سواء الإقليمى بأحداثه القاسية أو الشخصى والثقافى أعتقد أنه بالتأكيد أيضًا قد أطلق ظلاله على نصوص مجموعتى القصيرة الأحدث والتى صدرت الأسبوع الماضى عن دار دون للنشر بعنوان «حلق صينى لا ترتديه ماجى». روائية