بين أروقة التاريخ الجيوسياسي المتقلب، تبرز ليبيا كرقعة شطرنج تسعى القوى الدولية إلى السيطرة عليها، ومع تراجع النفوذ الروسي في سوريا، بدأت الأنظار تتجه نحو ليبيا كخيار استراتيجي. هذا البلد، الذي يعاني من انقسام داخلي وصراع مستمر، يواجه تحديات كبيرة قد تجعل منه ساحة جديدة لصراعات إقليمية ودولية، وسط تساؤلات حول مستقبل العلاقات الروسية-الليبية. تداعيات الانسحاب الروسي من سوريا بحسب تقرير نشرته "ميدل إيست نيوز"، فإن روسيا تواجه لحظة حرجة في سياستها الخارجية بعد انهيار نظام الأسد في سوريا، ففي 30 سبتمبر 2015، بدأت روسيا تدخلها العسكري في سوريا بناءً على طلب من الرئيس السابق بشار الأسد، حيث شكلت قواعدها العسكرية هناك كنقطة ارتكاز لاستعراض قوتها. إلا أن سقوط دمشق في أيدي فصائل المعارضة السورية أدخل روسيا في مأزق استراتيجي، حيث بدأت في إخلاء قواعدها العسكرية بسوريا ونقل معداتها الثقيلة. تقارير أخرى، حسب ما ورد في "دويتش فيلة"، أشارت إلى أن روسيا بدأت تفكيك أنظمة دفاعها الجوي من طراز إس-400 وإس-300، فيما غادرت سفنها الحربية ميناء طرطوس، مما يعزز فرضية إعادة التموضع الروسي في مناطق أخرى. وتملك روسيا قاعدتين عسكريتين مهمتين في سوريا، هما قاعدة طرطوس البحرية التي أنشئت في عام 1971، وقاعدة حميميم الجوية التي أنشئت في عام 2015. ليبيا.. البديل الاستراتيجي لروسيا وفق تحليل نشره المعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية (RUSI)، تشير المؤشرات إلى أن ليبيا قد تصبح البديل الجديد لروسيا، القواعد الجوية القريبة من مدينة سرت الليبية تُعد موقعًا استراتيجيًا، خاصة مع قربها من قواعد حلف شمال الأطلسي (الناتو) في صقلية. كما تعزز روسيا وجودها عبر تطوير مدارج الطائرات والدفاعات المحيطية في ليبيا، وفقًا لتقرير صحيفة "التلغراف" البريطانية. لكن هناك عقبات تواجه الطموحات الروسية، فليبيا، التي تعاني من انقسامات داخلية بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس وحكومة مجلس النواب في طبرق المدعومة من المشير خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي، ليست مستقرة بما يكفي لتكون قاعدة دائمة. التأثير على السياسة الإقليمية والدولية وجود روسيا في ليبيا قد يزعزع الاستقرار السياسي، حيث يُتوقع أن يؤثر على العملية السياسية التي تسعى الأممالمتحدة لإطلاقها لحل الأزمة الليبية. من جهة أخرى، قد يؤدي هذا التوسع إلى توترات جديدة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي. في حديث مع "DW"، أشار الباحث جلال حرشاوي إلى أن أي وجود روسي طويل الأمد في ليبيا سيغير قواعد اللعبة. كما حذر فريدريك ويهري من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي من أن سقوط الأسد قد يؤدي إلى تصعيد الصراع الليبي الذي ظل مجمدًا لفترة طويلة. ردود فعل ليبية ودولية على الصعيد المحلي، أبدى رئيس حكومة الوحدة الوطنية المسيطرة على الغرب الليبي عبدالحميد الدبيبة رفضه التام لوجود أي قوات أجنبية في ليبيا دون اتفاقات رسمية، قائلا خلال كلمة له في منتدى طرابلس للاتصال الحكومي "خاطبنا روسيا بشأن مزاعم إحضار عتادها العسكري لليبيا من قاعدة حميميم بعد سقوط"، مؤكدًا أن بلاده لن تسمح بأن تكون ساحة صراع دولي. في المقابل، أبدت الولاياتالمتحدة اهتمامًا متزايدًا بالتطورات في ليبيا، حيث رصدت تحركات الطائرات الروسية في بنغازي وأكدت على ضرورة الحفاظ على سيادة البلاد واستقرارها، وفقًا لتصريحات مسؤولين من قيادة "الأفريكوم" نقلتها قناة "ليبيا الأحرار". موقع "إيتاميل رادار" الإيطالي رصد مهمة استطلاع أمريكية قبالة سواحل بنغازي بواسطة طائرة بدون طيار تابعة للبحرية الأمريكية غادرت من ناس سيجونيلا في بلغاريا، وحسب الموقع فتأتي هذه المهام بعد رصد هبوط لعدة طائرات روسية في قاعدة جوية بالقرب من بنغازي، كانت تستخدم سابقًا لتزويد القوات الروسية الموجودة في ليبيا. تهديد لحلف شمال الأطلسي وحسب فريدريك ويهري، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: فإنه إذا نجحت روسيا في إنشاء قاعدة أكثر ديمومة في ليبيا، فسوف يشكل هذا تحديا كبيرا لحلف شمال الأطلسي. وأوضح ولفرام لاشر، الباحث في المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، أن "الروس أرادوا إقامة قاعدة بحرية في ليبيا منذ عدة سنوات، والهدف الرئيسي للسياسة الأمريكية في ليبيا خلال العامين الماضيين هو منع ذلك، وحتى الآن، حاول حفتر دائمًا موازنة المؤيدين الأجانب المختلفين ضد بعضهم البعض لتجنب الاعتماد على مؤيد واحد"، مضيفا "أن الأحداث الحالية تضع بنغازي والحكومة المتخذة منها مقرا لها في موقف صعب للغاية. خيارات محدودة ورهانات خطيرة إن التحركات الروسية نحو ليبيا تُظهر رغبة موسكو في الحفاظ على نفوذها الإقليمي بعد خسائرها في سوريا، ومع ذلك، تظل التحديات الأمنية والسياسية في ليبيا عقبة كبيرة أمام تحقيق هذه الأهداف. ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن روسيا من تحقيق توازن بين طموحاتها العسكرية والاستراتيجية في ليبيا والواقع السياسي الهش الذي تعيشه البلاد؟