في الوقت الحاضر، نتهافت نحن المصريين على العطور الفاخرة الأوروبية، وخاصة الفرنسية الباريسية، رغم أسعارها الباهظة. يبدو أن عقدة الخواجة لم تتركنا حتى في العطور، ونسينا أن أجدادنا القدماء هم أول من صنعوا العطور وأبدعوا في تحضيرها وتركيبها. فقد استخلصوا العطور الرائعة من مختلف الأزهار وصوروها على جدران المعابد. كانت عملية صنع العطور في مصر القديمة تتم بطرق مبتكرة ودقيقة، تعكس عبقرية المصريين في استخدام المواد الطبيعية المتوفرة لديهم. فعملية العصر كانت تتم باستخدام القماش، وكانت العطور التي يستخدمها عامة الشعب تتكون أساساً من زيت الخروع، بينما كانت عطور النخبة وكبار رجال الدولة تعتمد على زيت الزيتون وزيت اللوز وزيت الهجليج. كان المصريون القدماء ينقعون الزهور أو الجذور أو الصمغ أو أوراق النبات العطرة في الزيت ثم يصفونها للحصول على الزيت العطري. وقد أظهرت أوراق البردي التي يعود تاريخها إلى حوالي ألفي عام قبل الميلاد، أن المصريين كانوا يستخدمون الدهون العطرية على شكل أقماع صغيرة تنبعث منها روائح عطرة تفوح في القصور والبيوت والشوارع. وجد علماء الآثار أثناء عمليات التنقيب في المقابر القديمة، مثل مقبرة الملكة "حتب حرس"، العديد من القوارير والأواني التي تحتوي على آثار زيوت عطرية. وكانت الملكة كليوباترا من أشهر ملكات مصر عشقاً للعطور. اقرأ أيضا| عودة الآثار الغارقة إلى أرض الوطن.. بعد غياب دام 5 سنوات كانت هناك طريقتان رئيسيتان لصناعة العطور في مصر القديمة: 1- الطريقة الأولى: وضع الأزهار في لوحة كبيرة من ورق البردي ولفها بطريقة معينة لعصر الزهور. يتم وضع الزهور مع قليل من الماء في اللوح ويتم عصرها بواسطة سيدتين تمسكان بطرفي اللوح وتدورانهما عكس بعضهما البعض، ثم تُحفظ الكمية المعصورة في أواني خزفية وفخارية. وكان هذا النوع من العطور مخصصاً للملكات وزوجات الأمراء والكهنة. 2- الطريقة الثانية: وضع الورود في إناء فخاري صغير وحرقه لإعطاء رائحة عطرة للجو. وكان هذا النوع من العطور جزءاً من القرابين المقدمة للآلهة أو لتوديع المتوفي. اليوم، نستطيع نحن أحفاد المصريين القدماء أن نتأكد من ميراثنا الأصيل للعطور وأن الخواجة هو من سرق هذا الفن منا، مثلما سرق الكثير من حضارات الشرق الأدنى. ومع ذلك، نتهافت الآن على ما يقدمه لنا الغرب بأسعاره المرتفعة التي يفرضها علينا. يا عظمة أجدادنا المصريين القدماء العظماء، الذين تركوا لنا إرثاً عريقاً في صناعة العطور، نفخر به ونستعيده من أيدي الغرب.