رئيس جامعة بنها يتفقد سير الامتحانات بكليتي الآداب والتجارة - صور    محافظ بني سويف يستقبل رئيس المجلس القومي للمرأة    ضبط 4 متهمين بسرقات متنوعة في الشرقية والإسماعيلية والسويس    «مستقبل مصر».. نقطة الانطلاق لتحقيق حلم الدلتا الجديدة    «الإسكان»: طرح 15 ألف وحدة سكنية ضمن مبادرة «سكن لكل المصريين»    قبل عيد الأضحى 2025.. هل ارتفعت أسعار الأضاحي؟ رئيس الشعبة يجيب    وزير الخارجية: 100 مليون دولار لتمويل البنية التحتية لدول حوض النيل الجنوبي    توقف الرحلات الجوية بمطار شيريميتييفو شمال موسكو إثر هجمات أوكرانية    قوات الاحتلال تطلق النار على وفد دبلوماسي أوروبي عند المدخل الشرقي لمخيم جنين    تصعيد دموي جديد في بلوشستان يعمق التوتر بين باكستان والهند    بابا الفاتيكان يناشد لإدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة    "سيتم الإعلان على الملأ".. شوبير يعلن موعد رحيل زيزو عن الزمالك رسميا    "لمدة شهر؟ غير صحيح".. الزمالك يفجر مفاجأة بشأن موعد رحيل الرمادي    «سيظل أسطورة».. شوبير يلمح إلى رحيل نجم الأهلي    «بنسبة 100%».. شوبير يكشف مفاوضات الأهلي مع مدافع سوبر    القبض على صيدلي هارب من 587 سنة سجن بمحافظة القاهرة    مصرع طفل داخل بيارة بالإسماعيلية    رسالة جديدة من مها الصغير بعد انفصالها عن أحمد السقا    إنفوجراف | أبرز تصريحات الرئيس السيسي خلال احتفالية موسم حصاد القمح 2025    «فار ب 7 أرواح» يفاجىء أبطاله بإيرادات ضعيفة بعد 49 ليلة عرض (تفاصيل وأرقام)    في اجتماع استثنائي.. «التأمين الشامل» يناقش طلبات النواب حول «تحديات المنظومة» ببورسعيد    وزير الصحة يستجيب لاستغاثة أب يعاني طفله من عيوب خلقية في القلب    بعثة بيراميدز تطير إلى جنوب إفريقيا استعدادا لمواجهة صن داونز في دوري أبطال إفريقيا    إزالة 12 مخالفة بناء بمدينة الطود ضمن أعمال الموجة 26    محافظ القليوبية يَشهد إحتفالية ختام الأنشطة التربوية بمدرسة السلام ببنها    تحرير 151 محضرًا للمحال المخالفة لمواعيد الغلق الرسمية    «الحماية المدنية» بالفيوم تنجح فى إنقاذ "قطتين" محتجزتين بأحد العقارات    مباحث تموين المنوفية تضبط كيانات مخالفة لإنتاج وتوزيع منتجات غذائية    وزير خارجية تركيا: الحرب الروسية الأوكرانية تشهد نقطة تحول على طريق الحل الدبلوماسي    «التضامن الاجتماعي» تشارك في احتفالية «جهود الدولة في تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة» بالنيابة الإدارية    لمواليد برج الحمل.. اعرف حظك في الأسبوع الأخير من مايو 2025    خلال 24 ساعة.. ضبط 49941 مخالفة مرورية متنوعة    ضبط شركة سياحية غير مرخصة بتهمة النصب والاحتيال على المواطنين    قبل أيام من حلوله.. تعرف على أبرز استعدادات السكة الحديد ل عيد الأضحى 2025    «حبة الكرز».. كيف علق جوارديولا على إهدار دي بروين لأسيست مرموش أمام بورنموث؟    "هندسة بني سويف الأهلية" تنظم زيارة لمركز تدريب محطة إنتاج الكهرباء بالكريمات    السيسي: تمهيد الأراضي الزراعية أمام القطاع الخاص لدفع التنمية    تراجع سعر الجنيه الاسترلينى بمنتصف تعاملات اليوم الأربعاء 21-5-2025    بعد زواج 26 عاماً.. أحمد السقا يعلن انفصاله عن مها الصغير    وزير الثقافة يستقبل ولي عهد الفجيرة لبحث آليات التعاون الثقافي وصون التراث ويصطحبه في جولة بدار الكتب بباب الخلق    رئيس إذاعة القرآن الكريم الأسبق: أيام الحج فرصة عظيمة لتجديد أرواح المسلمين.. فيديو    فتاوى الحج.. دليلك في حالة المرض    أسعار الحديد والأسمنت في السوق المصرية اليوم الأربعاء 21 مايو 2025    محافظ أسيوط يتفقد مدرسة النيل الإعدادية ويكرم أوائل دوري المدرسة الرياضي    اليوم العالمي للشاي.. قصة اكتشافه وأساطير متعلقة به في الثقافة الصينية    استخراج جسم معدني خطير من جمجمة طفل دون مضاعفات بمستشفى الفيوم الجامعي    بالصور- محافظ أسيوط ينقل مريضة بسيارته الخاصة لاستكمال علاجها    هل يجوز سفر المرأة للحج بدون مَحْرَم؟..الأزهر للفتوى يجيب    أحمد سيد زيزو في جلسة تصوير برومو مع الأهلي    محمود الخطيب يرد على تساؤلات من أين يأتي الأهلي بأمواله؟    وزير الخارجية الأمريكي: لم نناقش ترحيل الفلسطينيين إلى ليبيا    موعد وقفة عرفات وأول أيام عيد الأضحى المبارك 2025    المستشار محمود فوزي: قانون الإجراءات الجنائية اجتهاد وليس كتابا مقدسا.. لا شيء في العالم عليه إجماع    مقتل رقيب إسرائيلي من الكتيبة ال82 خلال معارك في غزة    الإيجار القديم.. محمود فوزي: الملاك استردوا استثماراتهم.. الشقة كانت تُباع بألف وتُؤجر ب15 جنيهًا    ملحن آخر أغنيات السندريلا يفجّر مفاجأة عن زواج سعاد حسني وعبدالحليم حافظ سرا    «منصة موحدة وكوتا شبابية».. ندوة حزبية تبحث تمكين الشباب وسط تحديات إقليمية ملتهبة    تفسير حلم أكل اللحم مع شخص أعرفه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



صوت العراف الغريب المتفجر بالبوح
تحدث أيها الغريب تحدث..
نشر في بوابة أخبار اليوم يوم 05 - 01 - 2021


بقلم/ محمد سليم شوشة
المجموعة الشعرية «تحدث أيها الغريب تحدث» للشاعر العربى الفلسطينى غسان زقطان الصادرة عن دار المتوسط بإيطاليا 2019 هى فى رأينا وحدة مهمة جدا من وحدات الخطاب الشعرى لهذا الشاعر المتميز وصوته الخاص ومشروعه الذى يبدو فيه صاحب طريقة وينطلق من محددات شعرية خاصة به لا يشبهه فيها أحد آخر من الشعراء. وفى السمات العامة لنصوص هذه المجموعة العديد من الجماليات والسمات والرسائل والقيم الدلالية البارزة التى بإظهارها تتضح ملامح خطابه الشعرى وقدر خصوصيته. من هذه السمات مثلا أنه يملك نفسا شعريا قادرا على التدافع والتدفق والامتداد إلى حد يطول أو يبعد فى نهر القصيدة التى تبدو فى الأساس مدفوعة بالطاقة الداخلية للذات الشاعرة، وهى الطاقة الخاصة بما تزدحم به الذاكرة والعقل والوجدان من حالات شعورية، فضلا عن قدرات خاصة فى توظيف الأشياء ورؤية الوجود والأماكن والبلدان و المساحات أو فضاء الكون ومقاربة القيم والمعانى والحالات الشعورية عبر إسقاطها على المدرك بالحواس من أشياء ملموسة وأركان المكان وتفاصيله وحركة البشر فيه وقصصهم وتاريخهم، ويبدو النص لديه منفتحا بعفوية على التاريخى والأسطورى والغرائبى من الأحلام والخرافات والتهيؤات، فينفتح عالم الأحياء على عوالم الأموات الأن.
فيما يخص اللغة والطرائق التعبيرية ووضعيات القول وشكل الجملة وبناء النص الشعرى وتماسكه وانفتاحه على النصوص الأخرى، فإنه يبدو واضحا من النظرة الأولى خصوصية التركيب والبناء الشعرى على مستويات التناغم الصوتى والانسجام والإيقاع الداخلى وكذلك على مستوى الجُمل وتتابعها فى تشابهات أو أنماط تركيبية متسيدة أو مهيمنة أو مكررة بتغييرات طفيفة أو تنويعات، في تسيد نمط تركيبى ما لكنه يتتبع هو نفسه ذوات وأشياء وموضوعات متنوعة. وهذا الشكل من التكرار هو أحد عوامل تشكيل الشعرية أو إنتاجها لأنه بالأساس يعبر عن نوع من الاندفاع الشعورى وكذلك يصنع تكرارا أو يجعل الجمل تمضى فى نسق معين كأنما اللغة أصبحت قافلة تمضى فى نهج ما إلى غاية أو معنى أو تريد أن تقتلع معنى راسخا فى أعماق الذهن وتطرحه على المتلقى أو أن المعنى نفسه يندفع من الذهن وأعماق الوجدان إلى اللغة عبر هذا النسق من الجمل المتشابهة تركيبيا. سيان فى الحالين، المهم هنا هو أثر هذا النسق من التشابه فى جعل النص أكثر انسجاما من الناحية الصوتية والإيقاعية وقبل ذلك يكون معبرا عن حال شعورية فيها قدر من الاندفاع أو التدفق والتدافع العفوى الجامع بين اللغة فى مستواها المظهرى، والمعنى فى مستواه الإنسانى والشعورى، فيما يشبه التناغم بين جسد القصيدة وروحها، إن جاز اعتبار المظهر الخارجى والبناء اللغوى هو الجسد والمعنى والشعور والعاطفة هى كلها روح القصيدة. ومثال ذلك نمط لا النافية للجنس فى قصيدة الا شيء يتبعنى وأتبع حدسىب، أو نمط (الطيور التي)، أو (الثعالب التي)، أو (الإشارات التي)، أو غيرها من الأشياء التى تأتى وفق هذا النسق التركيبى الثابت من المعرف أو الاسم وبعدها الاسم الموصول بجملته، وهو فى قصيدة اعزلة العرافب وفى غيرها من القصائد، وكذلك تعبير (ها هم العرب..) الذى يتكرر فى قصيدة اغرقى يتذكرون الخيولب، فلا يمكن إنكار الناتج الجمالى لهذه التراكيب وهو المتمثل فى انسجام بنية القصيدة وتناغمها أو تشكيل إيقاعها وموسيقاها غير النمطية.
ونصوص هذه المجموعة الشعرية تقارب حالات شعورية وإنسانية على قدر كبير من التركيب والتعقيد وهى برغم ذلك ممتعة فى مستويات عديدة، منها حالات من الاغترب والشعور بالتبدد والخسارة والضياع بسبب من عمق الشعور بضعف العرب فى راهنهم، والحقيقة أنه فى أعماق هذه النصوص إشارات وعلامات دالة على طبيعة هذا الضعف الحضارى العلمى والثقافى والمعرفى وليس الضعف بما يعنى الاحتلال أو ضياع الأرض فقط، فهو مستوى شامل وأوسع من الضعف والتردى الحضارى، وهى معان لا تتجلى بشكل مباشر وصاخب برغم كون الوتيرة تعلو فى بعض النصوص حد الصراخ، ولكنه غالبا ما يكون صراخا من وجع شخصى أو فردى أو يتملك نموذجا فرديا تصدت القصيدة لمقاربة حالته أو اتخذته معادلا موضوعيا لإسقاط هذه المشاعر عليه.
قصيدة اعزلة العرافب هى فى تأويلنا مدخل للروح الكلية للذات الشاعرة التى يأتى عبرها البوح والقول والحديث والرؤية ووجهة النظر، والعزلة هى السياق الأكثر مناسبة لعمق الرؤية لمن هو بالأساس عراف، وفى معنى العزلة أيضا شيء من الغضب أو الحزن أو الرغبة فى الاعتزال، فهى مجال للرؤية الأدق وفى الوقت نفسه هى موقف نفسى. والقصيدة كلها إطار رهيف وشامل ومدخل لكافة نصوص المجموعة. فالذات الشاعرة صارت هى العين الأخيرة الباقية لتراقب الوجود وترى حركته النهائية وتخبر بها أو تدونها بعد الفناء، يقول: لم يبق سواى فى هذه البرية/ يتأمل الرياح التى تنقل الرمل/ والبحيرات التى تجفُّ). وهنا ثمة إجادة كبيرة فى وضع هذه القصيدة فى مفتتح الكتاب الشعرى وربما قبل القصيدة التى تبدأ بعنوان الكتاب كله. والطريف فى نصوص المجموعة أنها كلها تشكل حالا متصلة ويسلم بعضها لبعض، فأول قصيدة اتحدث أيها الغريب تحدثب يلتحم بالقصيدة السابقة ويتجلى ذلك فى عنصر الزمن وفى بداية رصد الوجود فى خوائه ونهايته أو كأنه كذلك، حيث يقول فى بدايتها (أيها الغريبُ/ أيها الغريب/ منذ زمن توقفت عن تذكره وأيام لم أعد أحسبها/ لم يطرق هذه النواحى أحد). فإذا كانت القصيدة السابقة قد أشّرت إلى حال العزلة والرؤية البانورامية من أعلى فى انفراد وحال معرفية فوق بشرية خاصة بالعراف الأوحد لما حدث بعد الانقطاع والنهاية، فإن بداية الزمن فى مطلع هذه القصيدة الثانية كأنها مسبوقة بالعدم، حيث الزمن مستعص على التذكر والأيام لم يعد يحسبها هذا العراف المراقب فى عزلته، وحيث النواحى لم يطرقها أحد. فتكون النصوص نفسها بينها نوع من الالتحام الكلى المتأسس على المعنى والرؤية والروح الشعرية العامة، بما يجعل نصوص المجموعة ابنة حال شعرية مترابطة أو ذات اتصال فيما بينها. فهنا يتحدث العراف عن رؤيته وعن متابعاته ويفضى برأيه وأوجاعه ويدون التاريخ ويسجل حركته على طريقته ومن زاوية نظره ومرورا بمشاعره الخاصة، ثم نجد أنه يتحول فى بعض الأحيان إلى نموذج الإنسان الفرد الذى ولد فى بيوت مسيحيى ابيت جالاب أو ذلك الإنسان العربى الذى يتسمى على اسم نظير له فى سوريا يكون بينهما وحدة فى الروح والأهداف والتلازم وبينهما كذلك الافتراق العميق من الناحية الشكلية والاختلاف فى أشياء غير كونية غرائبية، على نحو ما نجد فى قوله عن هذا النظير: أمشى وراء الاسم وأناديه فألتفت جزعا/ قُتِلَ فى الشتاء، ووُلِدْتُ فى الصيف). فهنا ثمة حال من التطابق والتوحد بينهما حتى فى الناحية الزمنية، والبنية اللغوية هنا مضللة أو مراوغة ومتلاعبة وهو ما يحقق هدفا جماليا آخر، لأنها عكست المفردات أو جعلتها فى وضعية المفارقة والتناقض، فى حين أنها فى العمق تؤشر إلى مطابقة فى الروح والمعنى، وما حدث هنا أن النص جعل القتل أو الموت فى مقابل الميلاد، والشتاء فى مقابل الصيف، لكن المحصلة أن لدينا واحدا منهما محدد وقتل الموت، وآخر محدد وقت الميلاد، وهذا لا يعنى تعارضا بل أن هناك حذفا أو تركا يجعلهما متطابقين ولو على سبيل الاحتمال أو النبوءة، فترك النص وقت ميلاد الأول الذى قتل فى الشتاء ربما لنفهمه بالقياس على الآخر فيستنتج من نظيره، ثم حدد وقت ميلاد الثانى وترك وقت موته لأنه صاحب الصوت ومازال حيا أو لأنه روح فوقية، روح الشاعر والعراف الذى ربما لا يموت، أو ليقاس هو الآخر على نظيره ويترك فضاء أو ثقبا وثغرة يملأها المتلقى باستنتاجه وإعمال عقله، فيكون هاجسا: هل سيتساويان فى النهاية فى طرفى المعادلة؟ وإذا كان غياب المعرفة قد خبأ أحد أطراف المعادلة عن وقت ميلاد الأول، فإن القدر هو الذى يخبئ الطرف الثانى من المعادلة نفسها أو تظل النهاية مفتوحة فى السرد الشعرى الذى ينفتح على المطلق ومخيلة المتلقى، ويكتسب بهذا جمالا مضاعفا.
على أن هذا النص به الكثير مما يقال حول النواتج الدلالية المحتملة التى يطرحها عبر تراكيبه ومفرداته المراوغة وبخاصة فى هذا الشطر السابق الذى يدل على التوحد بينهما (أمشى وراء الاسم وأناديه فألتفت جزعا)، فالانقياد وراء اسم هذا النظير أمر مراوغ وله أكثر من وجه تأويلى فهل هو نوع من الاستلهام للشخصية/صاحب الاسم أم هو أثر لحروف الاسم وأصواته ووقعه فى النطق ومطابقته بينهما كما لو كان نوعا من المخاتلة الصوتية التى تقع بين الاثنين؟
ومناداة الاسم هى بذاتها مراوغة وتنفتح على أكثر من احتمال وكلها جميلة وتقترب من الحال الأساسية للتوحد بين الشخصيتين، والمنادة تصبح فى أقصى درجات الطرافة عبر اقترانها بالالتفات، فمصدر المناداة والالتفات هو نفسه، هو الفاعل فى الاثنين، فهو ينادى الآخر فى ذاته أو العكس، ذاته فى الآخر، ويتأثر أو يتفاعل فيلتفت جزعا، وهذه هى الأكثر جمالا لأن الخوف الناتج عن جزعا له هو الآخر احتمالات لأن هذا النظير مات مقتولا، أو ربما لكونه يرى المسئولية أكبر منه أو أنه يعجز عن تمثيله أو أن يكون له ظلا، والحقيقة أن كلمة جزعا تنفتح على احتمالات أكثر.
وتكتمل عبقرية اللعب المحسوب بدقة مع هذه المطابقة فى الاسم بينهما حين يقول: هو اسمى الذى أسعى به إلى الآن/ أخذت منه:/ عجائب الخسارةِ/ وجسارة الذى لا يعرف/ فأيقظته دون قصد)، فرأيى أنها العبقرية الشعرية بكامل معناها، وذلك وفق التصور الخاص للشعر بأن اللغة المنفتحة على معطيات دلالية تكاد تكون لا نهائية وكلها قابلة للتطابق مع الروح الشعرية الكلية للنص، أى لا يوجد احتمال لأن تتعارض واحدة منها مع الحال الشعرية. فهنا حين يقول هو اسمى، لا نعرف ماذا يقصد بهو، هل يقصد الاسم بحروفه وأصواته أم يقصد صاحب الاسم، فيكون الشخص نفسه عنوانا أو اسما، بمعنى التحول من الحروف والكلمة أو أصوات الاسم إلى النموذج الإنسانى كله، بمعنى امتداد حال التطابق والاتحاد أو الوحدة بين الشخصين، فيكون اللاحق قد أخذ من الأول السابق عنوانا وقدوة ونموذجا له، ولهذا قال أسعى به بين الناس، فالاحتمال الأوفر أنه يحقق صفاته وسيرته أو يقلده. ولهذا قال أخذت منه عجائب الخسارة، وجسارة الذى لا يعرف. ويا لجمال هذا التعبير ودهشته وهو مركب بجسم القصيدة، وفى التركيب كل الاحتمالات وعظيمها وطريفها وبهذا ينتهى القول شكلا لكنه يستمر وراء الكلمات أو رواء البنية، فعجائب الخسارة بذاتها مدهشة لأن الخسارة المقصودة ربما تكون هى القتل الذى أورثه خلودا أو حوله إلى أسطورة وأعجوبة، وجسارة الذى لا يعرف، وطبيعى دائما أن من لا يعرف يكون جسورا، وبخاصة إذا كان لا يعرف ما يخبئ له القدر أو لا يعرف الخطر، فيكون مقداما وجسورا بطبعه وبدافع غياب المعرفة. ثم قوله افأيقظته دون قصدب، أى أحياه واسترجعه أو جعله نموذجا ممتدا، وهو ما يتوافق ويتطابق ويتعاضد دلاليا مع أنه صار اسمه الذى يسعى به بين الناس، أى أحيا نهجه واتخذ منه قدوة. وهى قصيدة طويلة كلها تتلاحم وتترابط وتتحد تراكيبها وصورها الطريفة على هذا النحو ذاته وأكثر. وهل يكون الشعر غير كل هذا التوافق والارتباط والقدرة على الإيحاء؟ وأتصور أن كثيرا من مفاهيمنا حول الشعر وإثبات الشعرية والبحث عن محدداتها أو مظاهرها تحتاج إلى جهد وبحث ومراجعات مستمرة. والقصيدة نفسها مثلها مثل غالبية النصوص يحدث فيها تحول من الفوقي-بشرى والتجريدى المطلق إلى التفاصيل اليومية والبشرية واللغة التداولية فيكون هناك نوع من المراوحة الدائمة بينهما وهذا الامتزاج والتحول الذى يحول دون الرتابة وغلبة الوتيرة الواحدة، بل يخدم المشهد اليومى أو الحياتى أو الحافل بالتفاصيل والوحدات الأخرى القائمة على التجريد والانفلات إلى حال من التحليق العلوى أو التسامى إلى القيم المطلقة أو المعانى الكلية. على أن القصيدة نفسها تمر بمنعطفات وتحولات درامية تكشف عن قدر من التطور لدى الذات المسرود عنها فى النص الشعرى وكأنه يتم مقاربتها عبر كافة مراحلها التاريخية من الشباب والحماس إلى النضج والحكمة ومن محدودية المعرفة إلى الوعى وكأن القصيدة سيرة كاملة حافلة بالتحولات والتغيرات التى تمنحها مزيدا من الشعرية القائمة على التعدد والمغايرة المحسوبة. وهذه المغايرة المحسوبة أو التى تكون جمالية المقصودة هنا هى التى يتخذ طرفاها المتناقضان أى المتحول منه والمتحول إليه علاقة ما أو تشكل مفارقة لازمة أو منطقية أو ليست لمطلق المغايرة، بل التحول بشكله الإجمالى يصبح جزءا من الإطار الشامل للنص وللحال الشعرية الكلية المهيمنة من البداية أو تكون موافقةً لما يمكن تسميته بالمعنى الكلى.
فى قصيدة ابائع الغيبب حال شعرية تؤكد النص الأول الإطارى اعزلة العرافب، وهى حال انفلات الذات الشاعرة من حدود وقيود الزمان والمكان وعدم التمركز حول شيء غير ذاتها أو رؤيتها وقدرتها على المعرفة والاطلاع على الغيب، والحقيقة أن فى كثير من نصوص المجموعة تأكيدا على معنى كلى أو عام خلاصته أن الإنسان هو مركز الكون وهو الأساس وهو ربما الوجود كله وأى شيء آخر هو ثانوى، وربما هو نتاج حال التسامى على فقد الأرض واتخاذ فضاء الجسم والروح والفضاء الإنسانى عموما وطنا حقيقيا كان منسيا أو ربما كانت هناك غفلة عنه، فكأن الأمر فيه نوع من الرجوع إلى الأصل، وهذا المعنى عن مركزية الإنسان يتضح بقوة وتصدح به قصيدة اوأنت تقطع الخبز لعشائكب حيث تلك اللحظة/اللقطة المكثفة التى تتوازى فيها كافة الأفعال من أشياء الكون وعناصره التى تفكر فى الإنسان/الذات الشاعرة وتتمحور حولها وتسعى إليها من كل جهة وعلى اختلافها.
قصيدة اغرقى يتذكرون الخيولب وهى القصيدة الأكبر والأطول وهى قصيدة ملحمية أشبه بمسرحية شعرية من فصول وأصوات وهى واحدة من أجمل ما قرأت من الشعر الجديد مؤخرا لما فيها من معان رمزية مهمة وتجمع بين الواضح الصريح والتلميح والإشارة الخفية، فهذه القصيدة الختامية الطويلة تتحدث عن كافة أنماط العرب وأشكال تحضرهم وتفاوتهم وترمز فى النهاية بالخيول إلى القوة فى المطلق، قوة العلم والمعرفة والوحدة حيث بها يتحقق كل شيء لهم وتعود دورة الكون من جديد.
وفى المجموعة لمحات جمالية وثراء كبير وجوانب عديدة يمكن تناولها وبخاصة تقاطع النصوص مع أسماء وشخصيات أخرى والتناص معها مثل ريلكه ولوركا وإنجبورج باخمان أو نساء كاواباتا، وفيها توظيف لبلاغة تركيبات وصور قرآنية على نحو طريف ومختلف وجديد ويبدو عفويا وسلسا حتى يكاد يكون خفيا أو غير مباشر.
هائية أو يصبح المكان سائلا منزاح الحدود والفواصل، والذات الشاعرة تبدو أقرب لحال الطائر المحلق أو الروح الشبحية التى تتجول فى الكون لتتابع وترى وترصد وتتنقل بحرية وتفارق طبيعتها البشرية التى تقيدها، ثم فى لحظة وحال أخريين تعود إلى هذه الروح البشرية أو الطبيعة الإنسانية العاجزة أو الضعيفة أو حتى العادية، فى حال من المد والجزر المستمر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.