تفريغ كاميرات المراقبة بعيادة طبيب متهم بالتحرش بعاملة في مدينة نصر    السيسي وبوتين يقودان تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين القاهرة وموسكو.. محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس والطاقة والسياحة والقطاع الغذائي أبرزها    محافظ جنوب سيناء يتفقد أعمال تطوير مدرسة فيران الثانوية الصناعية    طقس سيئ يضرب الشرقية والمحافظ يعلن الطوارئ القصوى    قرار جمهوري بالموافقة على منحة كورية بقيمة 10 ملايين دولار لتطوير تكنولوجيا صيانة السيارات الخضراء    ارتفاع سعر الدولار الأمريكي أمام الجنيه في بداية تعاملات اليوم    رئيس كوريا الجنوبية: أزمة الشرق الأوسط تعد أخطر تهديد لأمن الطاقة    أسعار الأسماك بأسواق مطروح اليوم الخميس 2-4-2026 .. التونة ب 200 جنيه    هام من وزارة المالية بشأن زيادة الأجور من أول يوليو| ماذا قال كجوك؟    الطب البيطري بسوهاج تنظم قافلة بيطرية لعلاج الماشية بالمجان بالمراغة    السكة الحديد تعلن حالة الطوارئ لمواجهة تقلبات الطقس    بدء إنتاج السيارة كوينج سيج جيميرا بعد 6 سنوات من الانتظار    فصل الكهرباء عن قرى ببيلا في كفر الشيخ 5 ساعات اليوم    عقب خطاب ترامب| إيران تشن هجومًا على إسرائيل وصفارات الإنذار تدوي في تل أبيب    غير مكترث بالواقع.. ترامب يقدم خطاب بشأن حرب إيران يثير تساؤلات أكثر من إجابات    قائد الجيش الإيراني: من الضروري مراقبة تحركات العدو وأفعاله بدقة وحذر شديد    مصر و7 دول تحذر من تأجيج التوترات الإقليمية جراء التطبيق التمييزي لعقوبة الإعدام بحق أسرى فلسطينيين    قصف جوي يستهدف مقر الحشد الشعبي في نينوى بالعراق    هيئة المسح الجيولوجى الأمريكية ترصد موجات تسونامى بعد زلزال ضرب إندونيسيا    مواعيد مباريات الخميس 2 أبريل- مصر أمام ليبيا في شمال إفريقيا للناشئين.. ودوري المحترفين    بعد التعادل مع إسبانيا.. عودة بعثة منتخب مصر إلى القاهرة    جامعة العاصمة تهنئ الطالب يوسف عمرو عبد الحكيم بعد التتويج بذهبيتي إفريقيا لسيف المبارزة    4 مباريات في افتتاح الجولة ال 28 من دوري المحترفين    طارق سليمان: مصطفى شوبير حجز مكانه في التشكيل الأساسي للمنتخب بكأس العالم    عاجل- الأرصاد تحذر من أمطار على القاهرة مع انخفاض حدتها نهارًا ونشاط للرياح المثيرة للرمال    محافظ المنوفية ينتقل إلى موقع حادث السادات الذي أسفر عن مصرع 8 أشخاص وإصابة 4 آخرين    السيطرة علي حريق ببرج سكني فى الفيوم دون إصابات    وزير الصحة يتابع التداعيات الصحية للتقلبات الجوية: لا وفيات واستقرار حالة المصابين    من قرار أممي إلى رسالة إنسانية عالمية.. اليوم العالمي للتوعية بالتوحد.. دعوة للفهم والاحتواء في مواجهة اضطراب يلامس آلاف الأسر المصرية    إسلام عفيفي يكتب: خطاب الكراهية وتكسير المناعة العربية    تعرف على التشكيل الكامل للجان المجلس الأعلى للثقافة لعام 2026    حكومة أبوظبي: أضرار بمحيط مناطق خليفة الاقتصادية بعد اعتراض صاروخ إيراني    «مصر وصراعات الشرق الأوسط».. ندوة فكرية تناقش تحديات الأمن القومي العربي    مصرع 8 أشخاص في حادث مروع على طريق «كفر داود – السادات» بالمنوفية    محافظ الدقهلية يتفقد مستشفى شربين لمتابعة انتظام العمل خلال الفترة الليلية    من شجرة السباجيتي إلى خدع جوجل.. اعرف أشهر حكايات «كذبة أبريل»    روبرت باتينسون يبدأ تصوير مشاهده في فيلم The Batman 2 الأسبوع المقبل    بعثة منتخب مصر تصل القاهرة بعد مواجهة إسبانيا وديًا    استمرار أعمال شفط وسحب تراكمات مياه الأمطار بمناطق الجيزة.. صور    بعد خطاب الرئيس الأمريكي.. إيران تشن هجومًا صاروخيًا واسعًا على إسرائيل    سلوك خطير، "الصحة العالمية" تحذر من تبادل الأدوية بين المرضى    نائب بالشيوخ: خبرة ترامب في الأعمال تؤثر على قراراته السياسية    أحمد زكي يكتب: زلزال "أحمديات" سقط القناع عن شيطان "تقسيم" المنطقة!    نقابة الصحفيين تصدر بيان بشأن تصوير جنازة والد حاتم صلاح    بعد قرار التربية والتعليم، الأزهر يحسم موقفه بشأن تعطيل الدراسة اليوم بسبب التقلبات الجوية    علي قاسم يرصد تحولات الفن السابع في كتاب سيرة السينما في مائة عام    ليلة شتوية مرعبة.. حين يتحول الحنين إلى خوفٍ صامت    أحمد هشام يحقق الميدالية البرونزية ببطولة العالم للسلاح بالبرازيل    التعليم تحسم موقف الدراسة اليوم الخميس وتعلن تأجيل الامتحانات    التعليم: تأجيل امتحانات الشهر المقررة غدا في كل المحافظات التي لم تعلن تعطيل الدراسة    2026 عام التكريمات فى مشوار الفنانة القديرة سهير المرشدى.. من عيد الثقافة مرورا بتكريمها من السيدة انتصار السيسي وختاماً مهرجان الأقصر للسينما الإفريقية.. وتؤكد: المسرح علمنى الإلتزام والانتباه لقيمة الوقت    صحيفة فرنسية: رينارد يطلب رسميا الرحيل عن منتخب السعودية    الصحة: التطعيم ضد فيروس HPV خط الدفاع الأول للوقاية من سرطان عنق الرحم    اللهم صيبًا نافعًا.. دعاء المطر وفضل الدعاء وقت الغيث    «الأوقاف» تحدد موضوع خطبة الجمعة عن رعاية اليتيم وترشيد الكهرباء    دار الإفتاء عن كذبة أبريل: المسلم لا يكون كذابا حتى ولو على سبيل المزاح    هل تأثم الزوجة إذا خرجت إلى أهلها دون إذن الزوج؟ أمين الفتوى يجيب (فيديو)    احتفالية كبرى لبيت الزكاة لدعم الأهالي بشمال سيناء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الأخبار
إشارات إلي البدايات

»لعبت التلقائية دوراً كبيراً في تجربتي الأدبية، لم أتبع إلا صوتي الداخلي فيما كتبت، والآن بعد أكثر من نصف قرن ألتفت إلي الماضي، ولو قُدر للزمن أن يعود، سأسلك نفس المسار..»‬
منذ بداية اكتشاف نفسي بنفسي عبر القراءة ثم الرغبة في الكتابة والتي تشبه الغريزة كنت أتبع صوتي الداخلي، رغم أن توجهي إلي القراءة في البداية كان معظمه في الأدب المترجم، وأدت ظروف النشأة والمكان إلي اكتشافي التراث العربي مبكراً، حيث أتيح لي الاطلاع علي أساليب سردية غير مألوفة في الأشكال المتعارف عليها للقصة القصيرة أو الرواية، كنت بحاجة إلي فترة حتي أستوعب ما هو متاح ثم أمتلك القدرة والجرأة علي تجاوزه، لم يكن ذلك سهلاً، إلا أن الصوت الخفي الملح إلي دفعي صوب طرق جديدة في التعبير كان أقوي، كتبت أول قصة عام 1959، وفي عام 1967 بعد هزيمة يونيو واستعادتي لمرحلة مشابهة من التاريخ، في عام 1967، في أغسطس من نفس العام، كتبت أول قصة حققت فيها رؤيتي، أعني »‬هداية أهل الوري لما جري في المقشرة»، هكذا بدأت محاولات التجاوز، تجاوز المألوف من الآخرين، ثم تجاوز الذات وهذا أصعب بكثير، وأعتقد أنني حققت خطوة واسعة في النص الذي ينشر منذ أسابيع في »‬أخبار اليوم» كل سبت »‬حكايات هائمة».
هكذا بدأت محاضرتي الأولي في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شيكاغو معرفاً بشخصي والملامح الأساسية لتجربتي الأدبية، حتي يكون ذلك منطلقاً إلي عناصر البرنامج الذي حددته وأوضحته في هذه اليوميات، الأسبوع الماضي نشر القسم الأول من المحاضرة، وفيما يلي القسم الثاني.
محفوظ
نجيب محفوظ بدأ يتنبه في السنوات الأخيرة إلي إمكانيات القص الخاصة بالتراث العربي، ويبدو هذا واضحاً في »‬ألف ليلة وليلة» ومن قبلها »‬الحرافيش».. وأخيراً في »‬رحلة ابن فطومة»، إذن كثير من المثقفين كانوا ينظرون إلي هذا التراث إما باستخفاف، وإمايتعاملون مع التراث المطروق المعروف، وإما عن جهل به، لأن التراث العربي واسع وغزير ويقتضي جهداً عميقاً ودءوباً للإلمام به، ولا يكفي الإلمام به للاستفادة منه، المهم.. كيف، وقد ازداد الأمر صعوبة في السنوات الأخيرة مع انتشار موجة الاستسهال في كل شيء، ووجود شعور بالدونية لدي البعض تجاه الثقافة الغربية وأنماط الإبداع الناتجة عنها، وقد كان المرحوم أمل دنقل أحد أبناء جيلي واعياً بتراثنا العربي واستفاد منه، ومما يبعث علي راحتي أن الوعي بالتراث ينمو في السنوات الأخيرة ليس علي مستوي مصر فقط ولكن علي مستوي العالم العربي، قال البعض عن تجربتي إنني أمضي في طريق مسدود، لأن الأشكال التراثية محدودة، وبالتالي فإن تجربتي محدودة، وهذا القول ناتج عن جهل بالتراث وما يحتويه، أشعر أنني بحاجة إلي خمسة قرون من الزمان ليمكنني أن أحقق ما أريده من خلال التراث العربي.
أشكال التقليد
هناك باستمرار محاولات لتجاوز التقاليد والأشكال الفنية السابقة، وهذه المحاولات تتم في أطر عديدة ومختلفة، إذا أخذنا الغرب علي سبيل المثال، سواء كانت الرواية المكتوبة باللغة الانجليزية أو الفرنسية أو الاسبانية، أو الايطالية، فإن المحاولات التي تتم تجري في إطار التجربة الحضارية هناك، ولكن بالنسبة لي هناك تجربة أخري، هناك تراث آخر، لم يعرف هنا، محمل بالرؤي التي تعكس تجربة خاصة تتفق مع تجربتي وتكويني ورؤيتي للحياة، صحيح انه لكل عصر خصوصيته، وطرائقه، ولكل مكان أيضاً، من هنا أري أن الوعي بإمكانيات التراث الخاص بي مهم جداً بالنسبة لي لتجاوز أشكال الإبداع السابقة من أجل الوصول إلي شيء جديد، إلي شيء مختلف، إلي شيء لم أقرأ مثله من قبل وهذا طموحي.
.. إن الموضوع بالنسبة لي هو الذي يفرض الشكل، داخل تجربتي الخاصة، في »‬الزيني بركات» كنت أخلق عصراً بأكمله، وكان الموضوع مطروحاً في كل زمان ومكان، أقصد موضوع القهر والبصاصين، وهنا يجب الإشارة إلي أن جهاز البصاصين الذي قدمته في »‬الزيني بركات» لم يكن له وجود في العصر المملوكي ، إنه من عصرنا نحن، ولأنني أعيد خلق عصر بأكمله كان لابد من إعادة خلق أدق التفاصيل، اللغة، الأسلوب، أنواع الطعام، الملابس، أسماء شوارع القاهرة في هذا الوقت، وحاراتها، كل ذلك من أجل الإيهام بالعصر ومعالجة هذا الموضوع الأبدي في الخطط، واقع معاصر، ولكنه مروي بشكل تاريخي، رواية »‬وقائع حارة الزعفراني» مختلفة، الرواية كلها مجموعة ملفات وتقارير، من هنا كان من الضروري أن ألجأ إلي أسلوب التقارير البارد، في »‬كتاب التجليات» تجربة تتعلق بالموت، بالزمن، بالنسيان، بالعالم الآخر، من هنا كان اتجاهي إلي التراث الصوفي.
.. بالتأكيد هناك فرق كبير بين أسلوبي في كتابة العمل الأدبي، وأسلوبي في المقالات، نتيجة عملي في الصحافة يوجد عندي فصل يصل إلي حد الوسوسة، علي سبيل المثال فإن القلم الذي أكتب به مقالاتي لا أكتب به أبداً أعمالي الأدبية، ووقتي المسائي لا يمكن أبداً أن أعمل فيه للصحافة، إنه وقت مكرس تماماً للأدب، قد لا أكتب، عندئذ أقرأ، عندما كنت أعمل مراسلاً حربياً كتبت مقالات في السيارة، وهذه ظروف استثنائية.
اللغة
في »‬الزعفراني» لغة تقارير باردة، كما أشرت أن اللغة عندي نابعة من العمل ذاته، وهنا يمكنني أن أشير إلي شيء خاص، فمنذ ثلاث سنوات قررت أن أتعلم اللغة الفرنسية، وفي هذه الفترة بدأت أكتشف لغة التصوف، وكان لكي أصل إلي تجربتي اللغوية التي ظهرت في »‬التجليات» لابد من التفرغ الكامل. الواقع أن اللغة العربية متنوعة الأساليب، لغة الشعر، لغة الرسائل، لغة التصوف، والإيهام بأحد هذه الأساليب يقتضي جهداً كبيراً، علي سبيل المثال عندما بدأت دراسة أسلوب المتصوفين لم أكتف بقراءة »‬الفتوحات المكية» لابن عربي أو »‬الإنسان الكامل» لعبدالكريم الجيلاني، أو »‬الإشارات الإلهية» للتوحيدي، إنما كنت أنقل بخطي صفحات كاملة من هذه المؤلفات علي مهل وبأناة لا لشيء إلا لمحاولة تشربي سر الأسلوب، ونفاذه إليّ، المهم الإحساس بخصائص الأسلوب، وهكذا ضحيت بتعليمي اللغة الفرنسية لكي أتفرغ هذا الأسلوب، وعندما بدأت أكتب التجليات طرحت هذا كله جانباً لكي أصل إلي لغتي الخاصة، أعتقد أنني في السنوات الأخيرة أكثر اهتماماً باللغة علي مستوي التفاصيل، في البداية كنت مهتماً بالشكل العام، والإيهام، في السنوات الأخيرة أصبحت أكثر اهتماماً بدقائق اللغة، وهذا جزء من النمو، في »‬وقائع حارة الزعفراني» استفدت من تجربة ابن إياس اللغوية علي الرغم من أن الموضوع ليس تاريخياً، كان ابن إياس يكتب أفظع الحوادث بنفس الهدوء الذي يكتب به أبسط الحوادث، كان يوجد مسافة موضوعية بينه وبين الحدث، في »‬الزعفراني» كنت أعبر عن الأحداث بروح محايدة لأنه تقارير، ولم يكن ممكناً محاكاة أسلوب شعري في التقارير، بشكل عام أنا الآن أكثر تدقيقاً واهتماماً باللغة علي مستوي التفاصيل.
الفتوحات
اللغة بالنسبة لي عنصر فاعل ومؤثر في العمل الأدبي، اللغة بالنسبة لي حالة أيضاً وليست مجرد أسلوب يمكن إتقانه واستخدامه كأداة، والحال كما هو معروف يتغير، وهكذا تتغير اللغة عندي من عمل إلي آخر، وأعتقد أن لديّ تجربتين أساسيتين في اللغة، الأولي عبر الحس التاريخي، والثانية عبر الحس الصوفي، فعندما كتبت قصصي القصيرة »‬المقشرة» و»‬إتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان» و»‬ابن سلام» و»‬طيبخا» ثم »‬الزيني بركات»، كنت أتقمص روح اللغة التاريخية المنتمية إلي القرن السادس عشر، وحتي أنفذ إلي روح هذا الأسلوب وجوهره اقتضي هذا جهداً كبيراً في مطالعة مؤلفات القرون الوسطي ليس بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس فقط، إن هذا المؤلف الضخم يمثل بالنسبة لي الأساس، ولكن تنتظم حوله مؤلفات عديدة كانت تكمل عناصر العصر الذي تزايد إحساسي به خاصة بعد هزيمة يونيو 1967، والتي يقابلها في هذا العصر هزيمة مرج دابق في 1517، كنت أطالع صفحات كاملة من بدائع الزهور بصوت مرتفع، وأنقل إلي كراساتي صفحات كاملة منه، في محاولة للتوصل إلي الإيقاع الداخلي للغة ابن إياس، بل كثيراً ما كنت أتخيل ابن إياس نفسه في تلك الأمسيات النائية التي كان يدون خلالها الأحداث التي انقضت أو عاينها، جلسته، هدوءه، مرور يده الممسكة بالقلم علي الورق، إنها حالة خاصة جداً امتزجت فيها ظروف عامة »‬هزيمة يونيو 1967 وهزيمة مرج دابق 1517» وحس عميق بالزمن، ومشاعر شتي، كلها أدت إلي خلق هذه اللغة، بعد أن كتبت »‬الزيني بركات» شعرت أنني أودع هذه الحالة التي أدت إلي خلق تلك اللغة، وكان ذلك صعباً وشاقاً، فكأنك بذلت مجهوداً ضخماً لإتقان لغة ما ثم تعمدت أن تنساها، أو لا تتكلم بها، كنت في الواقع أودع العصر المملوكي، ولا أودع رغبتي في خلق الجديد المستند إلي التراث العربي، وبعد مرور عدة سنوات وقع لي ما يشبه تجربتي مع بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس، فقد قرأته قبل هزيمة يونيو، ثم أعدت اكتشافه بعد يونيو 1967، في نهاية السبعينيات كنت أقترب من »‬الفتوحات المكية» للشيخ الأكبر ابن عربي، كنت أتطلع إليه دائماً وأتساءل عما يمكن أن يحويه هذا الكتاب الضخم؟، بدأت أقرؤه بالفعل، مستعيناً بمؤلفات أخري لمعاصرين، أو مستشرقين للنفاذ إلي أسراره، ثم حدث في عام 1980 أن توفي والدي فجأة أثناء سفري، وكان ذلك أكبر صدمة تلقيتها في حياتي، مررت بحزن فظيع، وخلاله صاحبت »‬الفتوحات المكية» من جديد، ومرة أخري بدأت إعادة اكتشافه، وبدأت محاولاً النفاذ إلي جوهر هذه اللغة الصوفية المرتبطة تماماً بتجربة روحية عميقة محورها الإنسان والكون، كانت تمتزج بالألم العميق الذي أمر به، وقد أدت هذه الحالة إلي روايتي »‬كتاب التجليات» الذي اعتبره محطة هامة في تجربتي ، ثم جري تجاوزها في »‬دفاتر التدوين » التي اصدرت منها سبعة حتي الآن . أصبح كتاب الفتوحات المكية بمثابة الشمس التي تنتظم حولها الكواكب، عايشت معه التراث الإسلامي الصوفي بدءاً من الجنيد والحلاج والقشيري والإمام الشعراني وابن سبعين والسهروردي، وعبدالكريم الجيلاني، والتراث الصوفي الإسلامي في إيران، ومازلت أعايشه، هكذا كانت لغة التجليات بمثابة نتاج لحالة، وأدي هذا إلي أن اللغة أصبحت بطلاً من أبطال الرواية، وهذه الفكرة الأخيرة لم تكن واضحة في ذهني قبل كتابة الرواية، ولكنها وضحت نتيجة الملاحظات النقدية التي سمعتها بعد صدور السفر الأول، لم يكن القصد أو التعمد عنصراً في دافعي نحو خلق الجديد، أذكر أن صديقاً لي قرأ قصة »‬هداية أهل الوري لبعض ما جري في المقشرة» وقال لي إنها مرحلة جديدة في القصة القصيرة، وأصغيت صامتاً، وأنا أتساءل أمن المعقول أنني أخلق شكلاً جديداً؟ إنه يجاملني، ثم كتب النقاد بعد صدور مجموعتي الأولي »‬أوراق شاب عاش منذ ألف عام» مؤكدين المعني الذي قاله صديقي الذي قرأ القصة مخطوطة.
الزمن
.. منذ زمن بعيد وأحد همومي الأساسية قضية الزمن، وكان ذلك أحد الأسباب القوية التي جعلتني أتجه إلي التاريخ بمراحله المختلفة، والتاريخ عندي هو الزمن، الزمن الجبار القاهر، المحيي، المميت، في صيرورته الرهيبة، والذي يحولنا باستمرار إلي الماضي، الذي يجلب الذكري والنسيان، منذ زمن بعيد وأنا أتأمل الزمن. وأمعن التفكير فيه، بدءاً من الحركة الميكانيكية البسيطة للثواني والدقائق والساعات، إلي حركة الأفلاك، توالي الليل والنهار، إلي انقضاء السنوات، إلي الميلاد والموت، التاريخ عندي هو الزمن المنقضي، المنتهي، لا فرق بين لحظة مضت منذ ثوان، ولحظة مرت علي انقضائها آلاف أو ملايين السنين، كلاهما لا يمكن استعادته، من هنا فإنني لا أصغي باهتمام كبير إلي من يقول »‬إنك تكتب رواية تاريخية»، الكل صار إلي ماض، ماض من المستحيل استعادته، لقد تأملت طويلاً ومازلت في الزمن، وقرأت عن الزمن في الفكر الإنساني القديم، في الأساطير، في الدين، في الفلسفة، غير أنني لم أصل إطلاقاً إلي ما يمكن أن يهدئ من همي الدائم هذا، ثمة حقيقة مؤكدة لي، وهي أن الشيء الوحيد في هذا العالم الذي لا يمكن قهره أو مقاومته أو التصدي له، هو الزمن، وعلي الرغم من وعي الإنسان بذلك، إذ إن الكل يعرف أن للحياة نهاية محتومة هي الموت، إلا أن عظمة الإنسان أنه لايستسلم أبداً، يقاوم حتي النهاية، صحيح ان القضاء لاحق والقدر سابق، لكن العظمة الإنسانية تكمن في هذا التحدي المنظور أحياناً وغير المنظور في كثير من الأحيان، وإذا تأملنا تاريخ الفن خاصة في العصور القديمة، فإننا سنجد جوهرها محاولة قهر الفناء، محاولة قهر الزمن الذي لا يُري بالمادة أحياناً، كالهرم الأكبر، أو بالسيرة العطرة. أو تخيل أن هناك عالماً آخر فيه حياة أخري، وعندما كانت الحضارة تصل إلي ذروتها كان التعبير عن الرغبة في الخلود يصل إلي ذراه أيضاً، الفن بالنسبة لي أرقي جهد إنساني لمقاومة العدم، غير أن همي اتخذ مجري آخر بعد عدة أحداث عامة وأحداث خاصة، ومن الأحداث التي تعرضت لها، وفاة والدي، ومن الأحداث العامة التي هزتني هزاً عنيفاً هزيمة يونيو 1967، ثم زيارة الرئيس الأسبق إلي القدس والصلح مع إسرائيل، بعد وفاة أبي اتجهت بعمق إلي تراث التصوف الإسلامي، بعض المتصوفين الإسلاميين قال إن الإنسان سُمي إنساناً من النسيان، ولهم في النسيان كلام طويل، كان من الأمور التي أحدثت في نفسي حرقة داخلية عنيفة أيضاً معايشة لواقع تنقلب فيه قيم عديدة بديهية، تهدر فيه أشياء شببنا ونمونا عليها، نعم.. علي المدي البعيد القادم ربما جري تحول، فلا شيء يبقي كما هو، لكن فرق كبير أن يقرأ الإنسان عن ذلك وأن يعيش لحظات التحول أو الوعي بالنسيان وينكوي بنارها. يقرأ الإنسان كثيراً عن الموت، لكن عندما يقترب الموت منه في عزيز، يصبح الأمر مختلفاً، لقد عدت إلي ابن عربي بعد وفاة والدي، كنت قرأته منذ سنوات بعيدة ولكنني أعدت اكتشافه، تماماً كما اكتشفت ابن إياس مرة أخري بعد يونيو 1967. إنني دائم التأمل في علاقة الإنسان بالكون، وكنت أفكر دائماً في هذا الذي لا يقهر، الزمن، وكما أفضل أن أسميه »‬الدهر» من قناعاتي أن الكون لم يوجد عبثاً، هناك قوة تنظمه وتسيره، من تأملاتي الخاصة أصبحت مقتنعاً أن الدهر هو الله، وفوجئت عند قراءاتي ابن عربي وغيره أن هذه الفكرة تتردد و»‬الدهر» أحد أسماء الله الحسني، بل إنه الاسم التاسع والتسعون، أي الاسم الأخير. وهناك حديث للرسول محمد صلي الله عليه وسلم، يقول »‬لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله».
أنني أعتبر نفسي قريباً إلي رؤية المتصوفين الإسلاميين للزمن، الدهر، وكثير من معاناتي الداخلية وجدت تعبيراً عنها في هذا التراث، ومن هنا فإن معاناتي الداخلية كانت أساساً في التوجه إلي هذا التراث، ولم يكن الأمر لمجرد البحث عن تكنيك، طبعاً هناك صفاء اللغة ورقتها التي أعتبرها أرق من الشعر ذاته، وإنني أدعوكم إلي قراءة »‬الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي أو »‬الإنسان الكامل» لعبدالكريم الجيلاني، وبالطبع هناك »‬المواقف» للنفري وكتاب »‬الطواسين» للحلاج، إن الدهر هو همي الأساسي، الدهر بكل مسمياته بدءاً من اللحظة الآتية إلي الزمن القديم والمقبل والعصر والحقبة وكل هذه المسميات اسم لشيء واحد شيء لا يقهر، لا أول ولا آخر، مجهول الكنه علي الرغم من أننا نري ملامحه وعلاماته في كل ثانية تمر بنا. الأشواق الإنسانية ستصير إلي عدم لولا الفن، والحياة الإنسانية ستضيع ملامحها لولا الفن، إن الفن بأوجهه المختلفة هو المحاولة الوحيدة الصادقة التي يبذلها الإنسان في هذا الكون أمام هذه القوة التي لا رادَّ لها.. لكي يقاوم الفناء والعدم.
الأسبوع القادم :
الدرس الثالث : نجيب محفوظ
»لعبت التلقائية دوراً كبيراً في تجربتي الأدبية، لم أتبع إلا صوتي الداخلي فيما كتبت، والآن بعد أكثر من نصف قرن ألتفت إلي الماضي، ولو قُدر للزمن أن يعود، سأسلك نفس المسار..»‬
منذ بداية اكتشاف نفسي بنفسي عبر القراءة ثم الرغبة في الكتابة والتي تشبه الغريزة كنت أتبع صوتي الداخلي، رغم أن توجهي إلي القراءة في البداية كان معظمه في الأدب المترجم، وأدت ظروف النشأة والمكان إلي اكتشافي التراث العربي مبكراً، حيث أتيح لي الاطلاع علي أساليب سردية غير مألوفة في الأشكال المتعارف عليها للقصة القصيرة أو الرواية، كنت بحاجة إلي فترة حتي أستوعب ما هو متاح ثم أمتلك القدرة والجرأة علي تجاوزه، لم يكن ذلك سهلاً، إلا أن الصوت الخفي الملح إلي دفعي صوب طرق جديدة في التعبير كان أقوي، كتبت أول قصة عام 1959، وفي عام 1967 بعد هزيمة يونيو واستعادتي لمرحلة مشابهة من التاريخ، في عام 1967، في أغسطس من نفس العام، كتبت أول قصة حققت فيها رؤيتي، أعني »‬هداية أهل الوري لما جري في المقشرة»، هكذا بدأت محاولات التجاوز، تجاوز المألوف من الآخرين، ثم تجاوز الذات وهذا أصعب بكثير، وأعتقد أنني حققت خطوة واسعة في النص الذي ينشر منذ أسابيع في »‬أخبار اليوم» كل سبت »‬حكايات هائمة».
هكذا بدأت محاضرتي الأولي في معهد دراسات الشرق الأوسط بجامعة شيكاغو معرفاً بشخصي والملامح الأساسية لتجربتي الأدبية، حتي يكون ذلك منطلقاً إلي عناصر البرنامج الذي حددته وأوضحته في هذه اليوميات، الأسبوع الماضي نشر القسم الأول من المحاضرة، وفيما يلي القسم الثاني.
محفوظ
نجيب محفوظ بدأ يتنبه في السنوات الأخيرة إلي إمكانيات القص الخاصة بالتراث العربي، ويبدو هذا واضحاً في »‬ألف ليلة وليلة» ومن قبلها »‬الحرافيش».. وأخيراً في »‬رحلة ابن فطومة»، إذن كثير من المثقفين كانوا ينظرون إلي هذا التراث إما باستخفاف، وإمايتعاملون مع التراث المطروق المعروف، وإما عن جهل به، لأن التراث العربي واسع وغزير ويقتضي جهداً عميقاً ودءوباً للإلمام به، ولا يكفي الإلمام به للاستفادة منه، المهم.. كيف، وقد ازداد الأمر صعوبة في السنوات الأخيرة مع انتشار موجة الاستسهال في كل شيء، ووجود شعور بالدونية لدي البعض تجاه الثقافة الغربية وأنماط الإبداع الناتجة عنها، وقد كان المرحوم أمل دنقل أحد أبناء جيلي واعياً بتراثنا العربي واستفاد منه، ومما يبعث علي راحتي أن الوعي بالتراث ينمو في السنوات الأخيرة ليس علي مستوي مصر فقط ولكن علي مستوي العالم العربي، قال البعض عن تجربتي إنني أمضي في طريق مسدود، لأن الأشكال التراثية محدودة، وبالتالي فإن تجربتي محدودة، وهذا القول ناتج عن جهل بالتراث وما يحتويه، أشعر أنني بحاجة إلي خمسة قرون من الزمان ليمكنني أن أحقق ما أريده من خلال التراث العربي.
أشكال التقليد
هناك باستمرار محاولات لتجاوز التقاليد والأشكال الفنية السابقة، وهذه المحاولات تتم في أطر عديدة ومختلفة، إذا أخذنا الغرب علي سبيل المثال، سواء كانت الرواية المكتوبة باللغة الانجليزية أو الفرنسية أو الاسبانية، أو الايطالية، فإن المحاولات التي تتم تجري في إطار التجربة الحضارية هناك، ولكن بالنسبة لي هناك تجربة أخري، هناك تراث آخر، لم يعرف هنا، محمل بالرؤي التي تعكس تجربة خاصة تتفق مع تجربتي وتكويني ورؤيتي للحياة، صحيح انه لكل عصر خصوصيته، وطرائقه، ولكل مكان أيضاً، من هنا أري أن الوعي بإمكانيات التراث الخاص بي مهم جداً بالنسبة لي لتجاوز أشكال الإبداع السابقة من أجل الوصول إلي شيء جديد، إلي شيء مختلف، إلي شيء لم أقرأ مثله من قبل وهذا طموحي.
.. إن الموضوع بالنسبة لي هو الذي يفرض الشكل، داخل تجربتي الخاصة، في »‬الزيني بركات» كنت أخلق عصراً بأكمله، وكان الموضوع مطروحاً في كل زمان ومكان، أقصد موضوع القهر والبصاصين، وهنا يجب الإشارة إلي أن جهاز البصاصين الذي قدمته في »‬الزيني بركات» لم يكن له وجود في العصر المملوكي ، إنه من عصرنا نحن، ولأنني أعيد خلق عصر بأكمله كان لابد من إعادة خلق أدق التفاصيل، اللغة، الأسلوب، أنواع الطعام، الملابس، أسماء شوارع القاهرة في هذا الوقت، وحاراتها، كل ذلك من أجل الإيهام بالعصر ومعالجة هذا الموضوع الأبدي في الخطط، واقع معاصر، ولكنه مروي بشكل تاريخي، رواية »‬وقائع حارة الزعفراني» مختلفة، الرواية كلها مجموعة ملفات وتقارير، من هنا كان من الضروري أن ألجأ إلي أسلوب التقارير البارد، في »‬كتاب التجليات» تجربة تتعلق بالموت، بالزمن، بالنسيان، بالعالم الآخر، من هنا كان اتجاهي إلي التراث الصوفي.
.. بالتأكيد هناك فرق كبير بين أسلوبي في كتابة العمل الأدبي، وأسلوبي في المقالات، نتيجة عملي في الصحافة يوجد عندي فصل يصل إلي حد الوسوسة، علي سبيل المثال فإن القلم الذي أكتب به مقالاتي لا أكتب به أبداً أعمالي الأدبية، ووقتي المسائي لا يمكن أبداً أن أعمل فيه للصحافة، إنه وقت مكرس تماماً للأدب، قد لا أكتب، عندئذ أقرأ، عندما كنت أعمل مراسلاً حربياً كتبت مقالات في السيارة، وهذه ظروف استثنائية.
اللغة
في »‬الزعفراني» لغة تقارير باردة، كما أشرت أن اللغة عندي نابعة من العمل ذاته، وهنا يمكنني أن أشير إلي شيء خاص، فمنذ ثلاث سنوات قررت أن أتعلم اللغة الفرنسية، وفي هذه الفترة بدأت أكتشف لغة التصوف، وكان لكي أصل إلي تجربتي اللغوية التي ظهرت في »‬التجليات» لابد من التفرغ الكامل. الواقع أن اللغة العربية متنوعة الأساليب، لغة الشعر، لغة الرسائل، لغة التصوف، والإيهام بأحد هذه الأساليب يقتضي جهداً كبيراً، علي سبيل المثال عندما بدأت دراسة أسلوب المتصوفين لم أكتف بقراءة »‬الفتوحات المكية» لابن عربي أو »‬الإنسان الكامل» لعبدالكريم الجيلاني، أو »‬الإشارات الإلهية» للتوحيدي، إنما كنت أنقل بخطي صفحات كاملة من هذه المؤلفات علي مهل وبأناة لا لشيء إلا لمحاولة تشربي سر الأسلوب، ونفاذه إليّ، المهم الإحساس بخصائص الأسلوب، وهكذا ضحيت بتعليمي اللغة الفرنسية لكي أتفرغ هذا الأسلوب، وعندما بدأت أكتب التجليات طرحت هذا كله جانباً لكي أصل إلي لغتي الخاصة، أعتقد أنني في السنوات الأخيرة أكثر اهتماماً باللغة علي مستوي التفاصيل، في البداية كنت مهتماً بالشكل العام، والإيهام، في السنوات الأخيرة أصبحت أكثر اهتماماً بدقائق اللغة، وهذا جزء من النمو، في »‬وقائع حارة الزعفراني» استفدت من تجربة ابن إياس اللغوية علي الرغم من أن الموضوع ليس تاريخياً، كان ابن إياس يكتب أفظع الحوادث بنفس الهدوء الذي يكتب به أبسط الحوادث، كان يوجد مسافة موضوعية بينه وبين الحدث، في »‬الزعفراني» كنت أعبر عن الأحداث بروح محايدة لأنه تقارير، ولم يكن ممكناً محاكاة أسلوب شعري في التقارير، بشكل عام أنا الآن أكثر تدقيقاً واهتماماً باللغة علي مستوي التفاصيل.
الفتوحات
اللغة بالنسبة لي عنصر فاعل ومؤثر في العمل الأدبي، اللغة بالنسبة لي حالة أيضاً وليست مجرد أسلوب يمكن إتقانه واستخدامه كأداة، والحال كما هو معروف يتغير، وهكذا تتغير اللغة عندي من عمل إلي آخر، وأعتقد أن لديّ تجربتين أساسيتين في اللغة، الأولي عبر الحس التاريخي، والثانية عبر الحس الصوفي، فعندما كتبت قصصي القصيرة »‬المقشرة» و»‬إتحاف الزمان بحكاية جلبي السلطان» و»‬ابن سلام» و»‬طيبخا» ثم »‬الزيني بركات»، كنت أتقمص روح اللغة التاريخية المنتمية إلي القرن السادس عشر، وحتي أنفذ إلي روح هذا الأسلوب وجوهره اقتضي هذا جهداً كبيراً في مطالعة مؤلفات القرون الوسطي ليس بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس فقط، إن هذا المؤلف الضخم يمثل بالنسبة لي الأساس، ولكن تنتظم حوله مؤلفات عديدة كانت تكمل عناصر العصر الذي تزايد إحساسي به خاصة بعد هزيمة يونيو 1967، والتي يقابلها في هذا العصر هزيمة مرج دابق في 1517، كنت أطالع صفحات كاملة من بدائع الزهور بصوت مرتفع، وأنقل إلي كراساتي صفحات كاملة منه، في محاولة للتوصل إلي الإيقاع الداخلي للغة ابن إياس، بل كثيراً ما كنت أتخيل ابن إياس نفسه في تلك الأمسيات النائية التي كان يدون خلالها الأحداث التي انقضت أو عاينها، جلسته، هدوءه، مرور يده الممسكة بالقلم علي الورق، إنها حالة خاصة جداً امتزجت فيها ظروف عامة »‬هزيمة يونيو 1967 وهزيمة مرج دابق 1517» وحس عميق بالزمن، ومشاعر شتي، كلها أدت إلي خلق هذه اللغة، بعد أن كتبت »‬الزيني بركات» شعرت أنني أودع هذه الحالة التي أدت إلي خلق تلك اللغة، وكان ذلك صعباً وشاقاً، فكأنك بذلت مجهوداً ضخماً لإتقان لغة ما ثم تعمدت أن تنساها، أو لا تتكلم بها، كنت في الواقع أودع العصر المملوكي، ولا أودع رغبتي في خلق الجديد المستند إلي التراث العربي، وبعد مرور عدة سنوات وقع لي ما يشبه تجربتي مع بدائع الزهور في وقائع الدهور لابن إياس، فقد قرأته قبل هزيمة يونيو، ثم أعدت اكتشافه بعد يونيو 1967، في نهاية السبعينيات كنت أقترب من »‬الفتوحات المكية» للشيخ الأكبر ابن عربي، كنت أتطلع إليه دائماً وأتساءل عما يمكن أن يحويه هذا الكتاب الضخم؟، بدأت أقرؤه بالفعل، مستعيناً بمؤلفات أخري لمعاصرين، أو مستشرقين للنفاذ إلي أسراره، ثم حدث في عام 1980 أن توفي والدي فجأة أثناء سفري، وكان ذلك أكبر صدمة تلقيتها في حياتي، مررت بحزن فظيع، وخلاله صاحبت »‬الفتوحات المكية» من جديد، ومرة أخري بدأت إعادة اكتشافه، وبدأت محاولاً النفاذ إلي جوهر هذه اللغة الصوفية المرتبطة تماماً بتجربة روحية عميقة محورها الإنسان والكون، كانت تمتزج بالألم العميق الذي أمر به، وقد أدت هذه الحالة إلي روايتي »‬كتاب التجليات» الذي اعتبره محطة هامة في تجربتي ، ثم جري تجاوزها في »‬دفاتر التدوين » التي اصدرت منها سبعة حتي الآن . أصبح كتاب الفتوحات المكية بمثابة الشمس التي تنتظم حولها الكواكب، عايشت معه التراث الإسلامي الصوفي بدءاً من الجنيد والحلاج والقشيري والإمام الشعراني وابن سبعين والسهروردي، وعبدالكريم الجيلاني، والتراث الصوفي الإسلامي في إيران، ومازلت أعايشه، هكذا كانت لغة التجليات بمثابة نتاج لحالة، وأدي هذا إلي أن اللغة أصبحت بطلاً من أبطال الرواية، وهذه الفكرة الأخيرة لم تكن واضحة في ذهني قبل كتابة الرواية، ولكنها وضحت نتيجة الملاحظات النقدية التي سمعتها بعد صدور السفر الأول، لم يكن القصد أو التعمد عنصراً في دافعي نحو خلق الجديد، أذكر أن صديقاً لي قرأ قصة »‬هداية أهل الوري لبعض ما جري في المقشرة» وقال لي إنها مرحلة جديدة في القصة القصيرة، وأصغيت صامتاً، وأنا أتساءل أمن المعقول أنني أخلق شكلاً جديداً؟ إنه يجاملني، ثم كتب النقاد بعد صدور مجموعتي الأولي »‬أوراق شاب عاش منذ ألف عام» مؤكدين المعني الذي قاله صديقي الذي قرأ القصة مخطوطة.
الزمن
.. منذ زمن بعيد وأحد همومي الأساسية قضية الزمن، وكان ذلك أحد الأسباب القوية التي جعلتني أتجه إلي التاريخ بمراحله المختلفة، والتاريخ عندي هو الزمن، الزمن الجبار القاهر، المحيي، المميت، في صيرورته الرهيبة، والذي يحولنا باستمرار إلي الماضي، الذي يجلب الذكري والنسيان، منذ زمن بعيد وأنا أتأمل الزمن. وأمعن التفكير فيه، بدءاً من الحركة الميكانيكية البسيطة للثواني والدقائق والساعات، إلي حركة الأفلاك، توالي الليل والنهار، إلي انقضاء السنوات، إلي الميلاد والموت، التاريخ عندي هو الزمن المنقضي، المنتهي، لا فرق بين لحظة مضت منذ ثوان، ولحظة مرت علي انقضائها آلاف أو ملايين السنين، كلاهما لا يمكن استعادته، من هنا فإنني لا أصغي باهتمام كبير إلي من يقول »‬إنك تكتب رواية تاريخية»، الكل صار إلي ماض، ماض من المستحيل استعادته، لقد تأملت طويلاً ومازلت في الزمن، وقرأت عن الزمن في الفكر الإنساني القديم، في الأساطير، في الدين، في الفلسفة، غير أنني لم أصل إطلاقاً إلي ما يمكن أن يهدئ من همي الدائم هذا، ثمة حقيقة مؤكدة لي، وهي أن الشيء الوحيد في هذا العالم الذي لا يمكن قهره أو مقاومته أو التصدي له، هو الزمن، وعلي الرغم من وعي الإنسان بذلك، إذ إن الكل يعرف أن للحياة نهاية محتومة هي الموت، إلا أن عظمة الإنسان أنه لايستسلم أبداً، يقاوم حتي النهاية، صحيح ان القضاء لاحق والقدر سابق، لكن العظمة الإنسانية تكمن في هذا التحدي المنظور أحياناً وغير المنظور في كثير من الأحيان، وإذا تأملنا تاريخ الفن خاصة في العصور القديمة، فإننا سنجد جوهرها محاولة قهر الفناء، محاولة قهر الزمن الذي لا يُري بالمادة أحياناً، كالهرم الأكبر، أو بالسيرة العطرة. أو تخيل أن هناك عالماً آخر فيه حياة أخري، وعندما كانت الحضارة تصل إلي ذروتها كان التعبير عن الرغبة في الخلود يصل إلي ذراه أيضاً، الفن بالنسبة لي أرقي جهد إنساني لمقاومة العدم، غير أن همي اتخذ مجري آخر بعد عدة أحداث عامة وأحداث خاصة، ومن الأحداث التي تعرضت لها، وفاة والدي، ومن الأحداث العامة التي هزتني هزاً عنيفاً هزيمة يونيو 1967، ثم زيارة الرئيس الأسبق إلي القدس والصلح مع إسرائيل، بعد وفاة أبي اتجهت بعمق إلي تراث التصوف الإسلامي، بعض المتصوفين الإسلاميين قال إن الإنسان سُمي إنساناً من النسيان، ولهم في النسيان كلام طويل، كان من الأمور التي أحدثت في نفسي حرقة داخلية عنيفة أيضاً معايشة لواقع تنقلب فيه قيم عديدة بديهية، تهدر فيه أشياء شببنا ونمونا عليها، نعم.. علي المدي البعيد القادم ربما جري تحول، فلا شيء يبقي كما هو، لكن فرق كبير أن يقرأ الإنسان عن ذلك وأن يعيش لحظات التحول أو الوعي بالنسيان وينكوي بنارها. يقرأ الإنسان كثيراً عن الموت، لكن عندما يقترب الموت منه في عزيز، يصبح الأمر مختلفاً، لقد عدت إلي ابن عربي بعد وفاة والدي، كنت قرأته منذ سنوات بعيدة ولكنني أعدت اكتشافه، تماماً كما اكتشفت ابن إياس مرة أخري بعد يونيو 1967. إنني دائم التأمل في علاقة الإنسان بالكون، وكنت أفكر دائماً في هذا الذي لا يقهر، الزمن، وكما أفضل أن أسميه »‬الدهر» من قناعاتي أن الكون لم يوجد عبثاً، هناك قوة تنظمه وتسيره، من تأملاتي الخاصة أصبحت مقتنعاً أن الدهر هو الله، وفوجئت عند قراءاتي ابن عربي وغيره أن هذه الفكرة تتردد و»‬الدهر» أحد أسماء الله الحسني، بل إنه الاسم التاسع والتسعون، أي الاسم الأخير. وهناك حديث للرسول محمد صلي الله عليه وسلم، يقول »‬لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله».
أنني أعتبر نفسي قريباً إلي رؤية المتصوفين الإسلاميين للزمن، الدهر، وكثير من معاناتي الداخلية وجدت تعبيراً عنها في هذا التراث، ومن هنا فإن معاناتي الداخلية كانت أساساً في التوجه إلي هذا التراث، ولم يكن الأمر لمجرد البحث عن تكنيك، طبعاً هناك صفاء اللغة ورقتها التي أعتبرها أرق من الشعر ذاته، وإنني أدعوكم إلي قراءة »‬الإشارات الإلهية» لأبي حيان التوحيدي أو »‬الإنسان الكامل» لعبدالكريم الجيلاني، وبالطبع هناك »‬المواقف» للنفري وكتاب »‬الطواسين» للحلاج، إن الدهر هو همي الأساسي، الدهر بكل مسمياته بدءاً من اللحظة الآتية إلي الزمن القديم والمقبل والعصر والحقبة وكل هذه المسميات اسم لشيء واحد شيء لا يقهر، لا أول ولا آخر، مجهول الكنه علي الرغم من أننا نري ملامحه وعلاماته في كل ثانية تمر بنا. الأشواق الإنسانية ستصير إلي عدم لولا الفن، والحياة الإنسانية ستضيع ملامحها لولا الفن، إن الفن بأوجهه المختلفة هو المحاولة الوحيدة الصادقة التي يبذلها الإنسان في هذا الكون أمام هذه القوة التي لا رادَّ لها.. لكي يقاوم الفناء والعدم.
الأسبوع القادم :
الدرس الثالث : نجيب محفوظ


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.