العالم يتغير بل يتبدل بكل مافيه وبالتالي فإن النظريات والأطر الحاكمة له بدورها يجب أن تتطور لتتواءم مع هذا التغير وإلا فنحن نلبس هذا الزمان ما لايناسبه حجما وشكلا ولونا ونتحول إلي شيء يكون عرضة للتندر والسخرية ليس من جانب الآخر فقط ولكن أيضا من جيل هم بإستلام الأمانة بحالة خيل إليه انها تسمح له - أي الحالة - بتطويعها وقيادتها بأدوات علمناه إياها ويكتشف أنها غير قادرة علي دفع الأمانة نحو الأمام لأنها لا تناسب ولا تكفي الغرض وبالتالي تتوقف معطيات الإستمرار أو علي الأقل لا يتمكن من الإستفادة منها بالصورة المطلوبة. أقصد أن هناك ضرورة ملحة تتخطي حدود المسئولية الدستورية والقانونية وبالقطع تنبع من قاعدة مهمة للغاية وهي المسئولية الأخلاقية التي تمثل إلتزاما علي أصحاب الخيال والفكر المبتكر والمبدع والمنضبط من أبناء الوطن ؛ وتتمثل في البحث عن رؤي ونظريات جديدة في شتي مناحي الحياة - الثقافية والدينية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية - تناسب العصر الذي نعيشه وتستعد لمستقبل مختلف وحتما سوف يصادفنا ؛ وفي إنجاز تلك المسئولية ضمانة أكيدة لتجنب الصدام الذي يصل غالبا إلي حد الصراع بكل مستوياته. إنه واجب يغطي حاجة ماسة وطارئة لما صدمنا في المتاح من إضمحلال أو جمود في بعض صفحات الواقع والتي أطلقنا عليها مجازا "الخطاب الديني" وفي حقيقته "الفكر الاسلامي" وكذلك الفكر الاقتصادي وايضا الفكر الأمني... وهكذا؛ اقصد أننا نحتاج في هذه الفترة العصيبة لأصحاب فكر مبدع ليقدموا لنا مجموعة رؤي أو نظريات تكون بمثابة أطر حديثة تحتوي علي طرق وأدوات ووسائل تكون خرائط منضبطة لنتمكن من الخروج من عسراتنا وتمحي نظرة الإنتقاد والشماتة والمعايرة لنا ممن كان لنا عليهم فضل السبق والتقدم الذي ينعمون فيه الآن. ويقينا ففي ما تقدم إجابة عن سؤال مهم وهو : ماذا نحتاج بالضبط للخروج من كبوتنا والتمكن من إدارة أزماتنا؟!!.. وقد إكتفينا بما سقناه من رسم خطوط عامة ولازمة؛ والآن يأتي السؤال الثاني والأهم : هل لدينا بالفعل رجال يمتلكون العقول والارواح التي تثمر المهارات والملكات والقدرات التي تؤهلهم لإنتاج المطلوب من رؤي ونظريات تنير لنا طريق الخروج بل والصعود بهذا الوطن؟..وبلا تردد أو إمعان في تفكير مرهق فالإجابة بإقتضاب شديد: "نعم لدينا"؛ فهناك الآلاف الذين تتوافر فيهم القدرات والمهارات الكافية؛ منهم اناس يعيشون بيننا ويتوارون خلف عقولهم وخيالهم الخصب علي استحياء؛ ومنهم طيور قد هاجرت إلي بلاد أخري ولم تبخل عليها - بقناعة - وقد أفادت في كل المجالات وسجلت بأفكارها غير العادية وبنظرياتها الجديدة كأناس أثروا البشرية؛ وقدروا ونالوا أعلي الأوسمة والجوائز.. والسؤال الأخير في هذه المقدمة العامة والهامة: هل هناك إمكانية الآن لإستدعاء أصحاب هذا الخيال وهذه العقول النيرة والقادرة علي إفراز رؤي ونظريات غير تقليدية تفيد بحلول غير تقليدية ومبتكرة لكل أزماتنا وتعطي إستشرافا أفضل للمستقبل تمكننا من الإسهام في صناعة ملامحه؟.. والإجابة : "نعم" إن توافرت الإرادة السياسية - وهي متاحة - وتعاملت بوعي وبخيال غير متعود مع هؤلاء؛ ووجدت البيئة المؤهلة والرجال الفاعلين الأكفاء الذين تقع علي عاتقهم أمانة التلقي والنقل للمنتظر من أولئك المبدعين؛ فمصر في حاجة ماسة لعشرات الآلاف من أبنائها المميزين القادرين علي منحها قبلة الحياة ولوازم الإفاقة من نوبة غيبوبة طويلة أقعدتها لعدة عقود حتي أصاب أطرافها الترهل أو الضمور وإن بقيت عيناها لتنظر وتزرف الدمع وضمير موجع ومليء بالآلام؛ وكما أسلفنا فهم موجودون ومستعدون للعطاء إن توافرت لدينا الإرادة بالقرار الملائم؛ وآليات تنفيذ تشجع وتحفظ الكرامة للمنتج الإبداعي ولصاحبه وتضمن لهما الاستمرارية.. ومما لا شك فيه فإن المساحة الأهم في خريطة الوطن والجديرة بالتوقف عندها والتي نعتبرها الأولي بالرعاية منا جميعا؛ علي الأقل لأنها تتماس في حدها الأدني مع كل المساحات والحدود؛ إنها ملف الأمن؛ والذي نبادر - تأسيسا علي كل ما ذكرناه - بالسؤال التالي: هل الأمن في مصر يحتاج إلي رؤي ونظريات حديثة تجدد فكره وتطور عقيدته ومصادر ثقافته بما يلائم المستجدات المعقدة والمتشابكة شأنه في ذلك شأن كل جوانب حياتنا وملامحها الأساسية التي تعاني الأزمات؟!!.. مع العلم بأن المقصود هنا بالأمن قد لا يتوقف فقط عند المؤسسة الشرطية فحسب؛ فقد يمتد القصد وبالتالي الحديث إلي "الأمن الإنساني" بمفهومه الواسع والشامل؛ مثل الأمن الفكري والأمن الإجتماعي والأمن الاقتصادي... بمعني آخر فإنني أتكلم في أمر "الأمن النوعي" وليس "المؤسسي" أي الفضاء الأرحب لجغرافيا الأمن؛ فالرؤية أو النظرية لا ترتبط عند ولادتها أو نشأتها وتقديمها بحجر ولا ببشر؛ وإن كانت بدهيا في النهاية قد خلقت من أجل تنظيم الأول وإسعاد الآخر؛ لكنها تقدم كوة ضوء كافية - إن أحسنا استثمارها وإدارتها - لصناعة خارطة طريق للأمل والنجاح؛ ومع كل ذلك فإنني سوف اقصر سطوري اليوم علي ضرورة إيجاد رؤية أو نظرية جديدة للأمن يتمكن من خلالها قادته من تطوير ثقافته التنظيمية وعقيدته الأمنية واستراتيجيات الأداء بما يناسب المستجدات علي الساحة المحلية والاقليمية والدولية حيث لم تعد المؤثرات - كما الماضي - دائما محلية ؛ فالعالم قد تحول إلي قرية كونية واحدة وكل دولة بمثابة نهاية طرفية فيه وله؛ والتجربة في الماضي القريب أثبتت أن هذه النهايات ليست دائما واحدة؛ لا في قوتها ولا مهمتها ؛ فكل واحدة لها محددات تختلف عن الأخري وبالتأكيد تلعب عوامل القوة الشاملة بما فيها القوة الإبداعية وتطبيقاتها دورا مهما وبارزا في بلورة مساحة وقوة تأثير كل نهاية طرفية - أي الدولة - في المكون العام الذي سلبت او تجاذبت عجلة قيادته دولة أو عدة دول تعتبر نفسها القطب والمركز وهي بكل أسف تستحق بحق مافرضته بنفسها لنفسها ولكل النهايات الطرفية من مدارات أو مجرات بنظام أجبرت الجميع علي السير فيه ومازالت؛ ومن المدهش أن دولة المركز هذه وتوابعها قد ركزت - مستهدفة السيطرة والقيادة - علي تفكيك مفهوم الأمن الإنساني العام ورفضت في ذات الوقت تقديم أو السماح بتحديد مفهوم الإرهاب علي الوجه المعاكس؛ بل دأبت علي إذابة مكونات الاول في دول الأطراف قناعة منها وربما صلفا وتكبرا بأن في ذلك السبيل المضمون للوصول للهدف الإستراتيجي من وراء كل ذلك وهو في تقديري إدارة واستثمار الإرهاب بكل صنوفه ومستوياته؛ ولم تدخر وسعا في تسخير واستخدام كل المتاح من أدوات وأذرع وهي كثيرة ومتنوعة بما فيها مقدرات معظم الدول الوظيفية المستسلمة أو الطامعة أو الطامحة والتي أراها بأدوارها كما الحشرات الطفيلية متشبثة بجسدها وتدور في فلكها وقد ركزت أولا علي إخماد جذوة أي فكر أو إبداع يبدو في الأفق بالإقتحام أو النقل أو الاستقطاب لضمان قتل أو حرق أي نبتة فيها الأمل أو يحتمل أن تصنع مساحة ظل في اوطانها واستبدال ذلك بزرع كل ماهو شيطاني ويؤدي إلي تفكيك وإذابة الأوطان؛ من صناعة ونشر للإرهاب الدموي وإثارة الفتن الدينية الطائفية والعرقية والإثنية والتشكيك في سجلات التاريخ بل وتزويرها حتي تتمكن من ضمان النزاعات البشرية بغرض إعادة هندسة جغرافيا مناطق محددة ودول أو نهايات طرفية محددة ومقصودة؛ ولم تتوقف عند هذا الحد بل قامت باستعمال كل وسائل الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي والاعلامي والتكنولوجي لتوجيه كل شيء وتسخيره لخدمة الهدف الكبير؛ وبكل أسف بقيت المقاومة ضعيفة وعند حد غير كاف ولا مرض؛ بل ومتشرذمة وتفتقد للتنظيم والحشد اللازمين للصد والدفاع؛ وزادت أعداد الذين تحولوا إلي خونة لطابور خامس وقد سكنوا كل المفاصل وتولوا أدوار المسهلين واعلنوا تصريحا وتلميحا بأنهم باعوا وعلي استعداد لأداء الدور وقبض الثمن؛ وفي نفس الوقت غاب أصحاب الخيال الوطني - علي ندرتهم في تلك اللحظة الفارقة - وتواروا بأفكارهم وقدراتهم المطلوبة بإلحاح عن الإصطفاف الوطني المخلص لمجابهة الأوضاع المستجدة الشائعة؛ واستمرت هذه الأوضاع لردح من الزمان؛ ومازالت؛ وإن كنت أري أن فجر الأمل قد بدأ يطل من جديد وخلفه قوة عسكرية وطنية قادرة علي التغيير ليس في محيطها المحلي فقط بل علي مستوي أوسع بكثير؛ وهي بالتأكيد في حاجة إلي كتائب المبدعين من أصحاب الرؤي الذين يمتلكون مهارة صناعة النظريات والقدرة علي صياغتها بحروف مضيئة وواضحة يمكن بثها ويسهل إلتقاطها وقراءتها من جانب قادة التغيير الذين تتوافر لديهم الإرادة وعناصر القوة الشاملة. ..وعودة لبيت القصيد؛ حيث الأمن الإنساني الذي يحتل مرتبة متقدمة في سلم الأولويات؛ ومصادر تنقيته وتطهيره مما علق به من شوائب خلال العقود الأخيرة نتيجة عدة عوامل معظمها تتعلق بالداخل وتقع مسئولية تأثيمها علينا نحن؛ فقد تحللت منظومة الاسرة وترهلت منظومة التعليم الأساسي وأسأنا استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل وحقق الإعلام إخفاقا شديدا وقد وجد أصحاب الفكر الجامد أصحاب الجلباب القصير كما عقولهم طريقا للصعود وقد تشبثوا بها بلا هوادة؛ وعشرات من مسببات تلويث مصادر ثقافة الاجيال بشكل تراكمي فج ومركز حتي أفرز جيلا يعاني ضعفا مركبا؛ روحيا وعقليا وجسديا؛ غابت عنه كل مقومات الوعي والإدراك بخطورة اللحظة وزاد من إتساع الخرق علي الراقع؛ عملية كبيرة لإزاحة قادة الرأي الحقيقيين لحساب المزيفين؛ في ساحة معركة تفتقد للنزاهة والشرف؛ الأمر الذي خلف معه ما نحن عليه الآن. الخلاصة.. ان هناك خللا كبيرا وواضحا يجب أن نعترف به في منظومة الأمن بكل معطياتها ومكوناتها ؛ نشأ عنه مجموعة أزمات أصابت كبد الوطن بعدة أمراض مستعصية تحتاج لمن يجيد تشخيصها بعمق ويطرح لها علاجات إبداعية غير مسبوقة؛ وهذا هو دور صنف خاص من الرجال أصحاب الخيال الخصب والوطني المنضبط يتم حشدهم علي قمة مؤسساتنا جميعها بلا إستثناء لكي نتمكن من إعادة تقديم أنفسنا للعالم بشكل مختلف ومغاير ونحقق الخروج المستحق عن مدارات من ارادونا نهاية طرفية لهم؛ ونفشل كل المخططات التي تم حبك شباكها الملعونة بليل حالك.. إن لدينا فرصة عظيمة واستثنائية بمنة الله وفضله علينا؛ وقد أهدانا زعيما مؤهلا لقيادة الأمة كلها إلي طريق الأمل المنشود والمنتظر منذ عقود طويلة؛ فلديه رؤية ويمتلك إرادة وقدرة علي قيادة التغيير.