الدورات الرمضانية تُزين الملاعب الترابية والنجيل الصناعي بقرى بني سويف.. تقنية الفار والفيديوهات الترويجية تقليد جديد | صور    نجمة استثنائية .. إشادة كبيرة بأداء منة شلبي في "صحاب الأرض"    مؤسسة Euromoney العالمية: البنك الأهلى يحصل على جائزة أفضل صفقة مصرفية مستدامة فى مصر لعام 2025    مصر تدين تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل وتؤكد ثوابت موقفها من القضية الفلسطينية    مائدة رمضانية ووجبات ساخنة من الهلال الأحمر المصري للأسر المعيلة بشمال سيناء    نائبة تتقدم بطلب إحاطة ضد تصريحات السفير الأمريكي بشأن إسرائيل    عاجل- السيسي يوجه باستمرار خفض التضخم وتعزيز دور القطاع الخاص لدعم النمو المستدام    يوفنتوس يستعد للتحرك من أجل ضم لاعب ريال مدريد    بونو يكشف تفاصيل فشل انتقاله لبايرن ميونخ قبل الانضمام للهلال    جنايات المنيا تحيل أوراق متهم بقتل سيدة في نزلة الفلاحين إلى المفتي تمهيدا للحكم    ضبط شخصين عرضوا بيع طائرات درون بدون ترخيص على مواقع التواصل الاجتماعي    هيئة التنمية السياحية تعيد طرح 18 فرصة باستثمارات تتجاوز 2.4 مليار دولار بالبحر الأحمر    تطورات صادمة في الحلقتين الثانية والثالثة من «إفراج»    يسرا اللوزي تحاول استعادة نفسها بعد الطلاق في مسلسل كان ياما كان    مجلس الإعلاميين العرب بأوكرانيا: تباين أوروبي يعطل الحزمة ال20 ضد روسيا    وزيرا الخارجية والتخطيط يبحثان الجهود الحكومية لتحقيق مستهدفات مصر التنموية    تفاصيل جريمة مأساوية بالمنيب... قاصر يقتل طفلة    منافس الأهلي - الترجي يستعيد صدارة الدوري بالفوز على الملعب التونسي    أمين عمر يخوض اختبارات الترشح لكأس العالم 2026    وزير الشباب والرياضة يناقش برامج إعداد أولمبياد لوس أنجلوس 2028    آدم ماجد المصري يقدم أغنية ضمن أحداث مسلسل أولاد الراعي    تعرف على ضحية ثالث أيام رمضان في "رامز ليفل الوحش"    بعد أزمة الطبيب ضياء العوضي، أستاذ يجامعة هارفارد يكشف خرافات نظام "الطيبات"    مقتل ثلاثة أشخاص في غارة أمريكية على زورق شرق المحيط الهادئ    الصحة: بدء تكليف خريجي العلاج الطبيعي دفعة 2023 من مارس 2026    في ثالث أيام رمضان.. مواقيت الصلاة في الاسكندرية    تأجيل محاكمة عصام صاصا و15 آخرين في واقعة مشاجرة الملهى الليلي بالمعادي ل14 مارس    المحافظ ورئيس جامعة الإسكندرية يبحثان توفير أماكن استراحة لمرافقي مرضى مستشفى الشاطبي    الصحة: مبادرة دواؤك لحد باب بيتك بدون أي رسوم    وزير النقل يتفقد محطة الملك الصالح بالخط الرابع للمترو    الدراما المصرية فى مواجهة حرب الإبادة والإرهاب    السعودية تحتفل بيوم التأسيس غدا.. 299 عامًا على انطلاق الدولة السعودية الأولى    السفير اليوناني بالقاهرة: الثقافة والفن جسور دائمة تربط مصر باليونان    الرئيس السيسي يوجه بمواصلة تعزيز السياسات الداعمة للاستقرار المالي والحد من التضخم    كم رمضان صامه النبي صلى الله عليه وسلم؟.. إجماع العلماء يحسم الأمر    انتهاء تنفيذ 2520 وحدة ضمن مشروع «سكن مصر» بمدينة الشروق    محاضرات « قطار الخير» لنشر رسائل رمضان الإيمانية بالبحيرة    النائب العام يوفد 90 من أعضاء النيابة لأمريكا وعدد من الدول العربية والأوروبية    «الصحة»: فحص 16 مليون مواطن ضمن مبادرة الكشف المبكر وعلاج الأورام السرطانية    «الصحة» تعزز التعاون المصري الإسباني في طب العيون بتوقيع مذكرة مع مركز باراكير العالمي    كلاسيكو السعودية - ثيو هيرنانديز جاهز لقيادة الهلال أمام الاتحاد    يوفنتوس وكومو في مواجهة مثيرة بالدوري الإيطالي    إصابة 11 شخصا في قصف أوكراني لجمهورية أودمورتيا الروسية    حبس سائق ميكروباص بتهمة التحرش بطالبة في أكتوبر    محافظ أسيوط يستقبل وفد الكنيسة الكاثوليكية للتهنئة بتوليه مهام منصبه الجديد    وزارة «العمل» تعلن توفير 5456 وظيفة جديدة في 14 محافظة    رمضان 29 ولا 30 يوم.. الحسابات الفلكية ترد وتكشف موعد عيد الفطر 2026    التزموا بالملابس الشتوية.. الأرصاد تحذر المواطنين بسبب طقس الأيام المقبلة    المرور يضبط 96 ألف مخالفة و33 سائقا مسطولا في 24 ساعة    رابط الاستعلام عن الأسماء الجدد في تكافل وكرامة 2026 بالرقم القومي وخطوات معرفة النتيجة    كلية الهندسة بجامعة المنصورة تحقق إنجازًا دوليًا بمشروع مبتكر لتحلية المياه بالطاقة المتجددة    ترامب يواجه عقبات متتالية قبل أيام من إلقائه خطاب حال الاتحاد    قرار ضد عاطل قتل عاملا في مشاجرة بالمرج    تحريات لكشف ملابسات مصرع 3 أشخاص سقطوا من أعلى كوبري الساحل بالجيزة    سمية درويش: أغنية «قلب وراح» فتحت قلوب الناس لي    تحالف مفاجئ وزواج بالإجبار.. مفاجآت في الحلقه 3 من مسلسل «الكينج»    المفتي: إخراج الزكاة نقدا أو حبوبا كلاهما صواب وصحيح    صيام "الجوارح الرقمية".. تحديات الخصوصية الروحية للمرأة المعاصرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



" القصة الشاعرة ".. رهان المستقبل
نشر في شموس يوم 03 - 05 - 2014

حينما يزحف ليل الاهمال على نهار الابداع والمبدعين، والابتكاروالمبتكرين, يتراجع كل شئ، أو يتجمد فى أحسن الأحوال، وتجلد الشيخوخة الأمم ، بعد أن تحولت الأفكار والابداعات والابتكارات والاجتهادات إلى عجوز منهكة ، تسير على عكازين أو فوق مقاعد متحركة ، هكذا دائما هى حال المجتمعات التى تهدر قدرات أبنائها ، وتعتمد مؤسساتها على الإدارة بنظام المكافآت لا الكفاءات ، فيصبح أبناؤها منذورين للأسى ، وعالقين فى مواسم لاتنتهى من التراجع ..عندها لابد أن تعيد المجتمعات تقييم ذاتها ، وأن تتحمل العقول النابهة ،والضمائر اليقظة المسئولية القاسية ، سواء كانوا علماء ومبدعين قادرين على إطلاق طائر إبداعهم المضيء ، ليبدد محنة التراجع ،أم مسئولين منفذين وأصحاب قرار يدركون بوعيهم المجتمعى،أهمية مساندة هؤلاء المبدعين النابهين فى شتى المجالات .
وإذا كنا كأمة عربية علينا أن نعترف بأننا لسنا متقدمين فى المجالات الاقتصادية بأبعادها التقليدية بعدما فقدنا ريادتنا الزراعية ، وفاتنا قطار النهضة الصناعية ، وتخلفنا كثيرا عن الانطلاقة التكنولوجية الهائلة ، ولم نكن مؤثرين فى مجال الصناعات الخدمية ..وعجزنا حتى الآن ، ومع كل الاحترام لبعض النجاحات الصغيرة هنا أو هناك ، عن تقديم قيمة مضافة حقيقية للمشهد العالمى .. رغم اعترافنا بهذا كله ،لكن علينا ألا ننسى واحدة من أهم حقائقنا ،وميزة من أبرز مزايانا ، وهى أننا أمة عظمى حضاريا .. واننا نمتلك جينات إبداعية متوارثة عبر مزيج حضارى راسخ الجذور، متماسك المقومات ، شديد التنوع والثراء، يندر توافره فى أمة أخرى، وأننا نمتلك الكثير من الإسهامات الحقيقية والفاعلة والمؤثرة التى يمكن أن نقدمها لبلداننا وشعوبنا والإنسانية كلها من خلال الإبداع ، هذا المجال الذى نتمتع فيه بمزايا مطلقة أو نسبية تضمن لنا ،إذا ما صدقت النيات وصحت التوجهات مكانة لائقة تحت شمس هذا العالم الذى غبنا عنه ، سواء بإرادتنا المتخاذلة وبفعل فاعلين كثر ، منذ أن تخلينا عن تفوقنا الحضارى وإسهامنا العلمى والفكرى والإبداعى والحضارى المؤثر مع أواخر القرن الحادى عشر الميلادى.. وكان من نتاج ذلك الوضع البائس أن أفرزت العقود الأخيرة - ضمن ما أفرزت - على صعيد الكتابة الإبداعية والنقدية والفكرية اتجاها يكاد يكون عاما هو البحث عن المعلومات والنظريات السهلة الميسرة، بل المعلبة، سابقة التجهيز أحيانا، لتصلح للاستهلاك السريع، دون إجهاد أو اجتهاد فى البحث عن الإطار الذى ينتظم هذه المعلومات أو المنهج الذى تم على أساسه اختيارها، مما أسفر عن شيوع دراسة "الحالة" وغياب " النسق" وحضور" المرجع " واختفاء "المرجعية" .
لقد دفع المصريون و العرب عامة ثمن ذلك كله غالياً من حضارتهم ومدنيتهم وتقدمهم ، بل سُحق شعورهم بالانتماء إلى الأرض والحضارة، وأخذت جموع الأمة تغرق فى البحث عن قوتها اليومي على حساب العلم ،و الإبداع والابتكار، حيث غابت الأفكار المبدعة واختفت العقلية المستشرفة ، وسادت إدارة أصحاب المكافآت على حساب الكفاءات ، وهو الوضع الذى استمر بتداعياته السلبية فى كثير من أقطارنا العربية حتى لحظتنا الراهنة مع الأسف الشديد، وعلينا أن نعترف بأن من ضمن الحقائق الكثيرة التى تم اغتيالها فى حرب تجريف هوية الأمة ودهس مقدراتها ..تراجع دور الإبداع وتأثيره فى مجتمعاتنا العربية ، وقد ترافق مع هذا تأثير أكثر خطورة انعكس على جموع الأمة ، أعنى شيوع حالة من الإحباط واليأس والانكسار الداخلى أفضت إلى نوع مدمر من الهزيمة أمام الذات ، قبل الآخر ، وهى تللك الحالة التى صنعها يقين باطل بأن من يملك القوة من حقه أن يشكل العالم منفردا ،وهو يقين شديد الخبث ، يحمل رسالة مفزعة قذفها فى وجه المبدعين والمفكرين بأنه لم يعد للثقافة والمثقفين دور فى صياغة هذا العالم ، وليس أمامهم سوى أن ينكفئوا على ذواتهم ، وينشغلوا بأشيائهم الصغيرة داخل جلودهم المرتجفة ، وعوالمهم الإبداعية الضيقة ، أو يتحملوا الثمن الفادح لأية خيارات أخرى !
هذه الثقافة الرديئة التى لاتزال تسود عالمنا العربى على حساب ثقافة الإبداع والعمل ودفع الكفاءات نحو النجاح وتحقيق القيمة المضافة التى تغير مصائر الأفراد والأمم، وترسم ملامح و صورة مستقبل التطور الحضارى لأية أمة، والتى تتحدد مكانتها بين الأمم حسب موقع قيمتي المعرفة والإبداع والعمل بهما ، من منظومة القيم الأساسية لها، وهى الحقيقة التى أدركها أعظم قائد عسكرى فى التاريخ الأسكندر الأكبر عندما قال "لا أزال أفضّل أن تكون لي قوة العلم لا قوة السلاح". وألقاها صريحة ،جارحة في وجه الأمة العربية المفكر الفلسطيني الراحل إدوارد سعيد حينما قال:"الزمان معركتنا والمعرفة سلاحنا" .
إذن والحال هكذا وفى ظل خيارات عربية محدودة للغاية يصبح الاجتهاد الإبداعى، مع خيارات قليلة أخرى ، ،يصبح خياريا مصيريا لايجوز تأخيره بعد الآن ولايمكن إحالته إلى لافتة المستقبل (كعادتنا مع كل قضايانا الحاسمة ) لأن الأمر ببساطة أنه لامستقبل لنا ولن نجد حتى موطء قدم فى عالم المستقبل القريب ،والقريب جدا، دون أن نقدم لهذا لعالم شيئا، وهو مايستدعى البدء فورا فى وضع ثروتنا البشرية فى المكانة اللائقة بها ، باعتبارها أهم الثروات بل قائدة الثروات الأخرى ، والتعامل معها من منطلق أن الإنسان العربى المبدع هو صانع التنمية ، وبالتالى من العدل كل العدل أن يكون هدفها.
لقد جاء القرن الحادي والعشرون حاملا علامات جديدة للنظام الدولي، منها التغيير الجذري في مكونات ومفهوم قوة الدولة، وتصاعد دور القوة الناعمة ممثلة فى الثقافة والإبداع ،لتكون لها الأسبقية علي القوة المادية بما فيها القوة العسكرية، وإن عصر المعلومات بكل مكوناته ووسائله، وفي مقدمتها الصورة، ووسائل الاتصال، والثقافة والفنون بمختلف فروعها، سوف يحكمه مبدأ المنافسة التى ستكون قوة إطلاق الهوية والكرامة الوطنية وعنوان الانتماء للوطن.
أي أن الابداع سوف يقف عند الخط الأمامي للشئون الدولية في السنوات المقبلة، وذلك نتيجة لعصر العولمة وتراجع الفواصل بين الدول والمجتمعات في عصر ثورة المعلومات،حيث صار العالم أشبه بميدان عام عالمي، تتنافس فيه الأفكار،والصور، في معركة لكسب العقول والقلوب، وهو ميدان حيوي ومفتوح متاح لكل دولة ، وكل أمة أن تدخله، لكن ذلك يلزمه إعادة النظر في سياستها الثقافية، بنظرة عامة وشاملة لكل وسائل الإبداع التى من المهم أن يعكس إنتاجها حقائق مجتمعاتها وظروفها وأحلامها وأمانيها، وأن يكون لها دور في بعث هويتها وحسها القومي، وربما يلخص هذه المعاني ما سبق أن قاله المفكر الفرنسي المعاصر جاك أثالي، من أن دور المفكرين والفنانين في تأكيد مكانة أمتهم، تفوق أهميته دور الثروة والقوة العسكرية..وهو ما يتطلب العمل على إطلاق المهارات الإبداعية ، وتوفير الأجواء المناسبة للإبداع ونشر ثقافة التجريب وتطوير الأفكار للوصول إلى مناخ إبداعي ،يكون المبدعون فيه هم قاطرة التنمية في عالمنا العربى ، وأن يقوم كل منتجى الثقافة والمشتغلين بها على اختلاف مشاربهم بإعادة النظر فى الخطاب الثقافى المقدم ، بل لابد تتعامل الدولة مع الثقافة باعتبارها مسألة أمن قومى، إيمانا بأن أية عمليات إصلاحية تتم بمعزل عن الثقافة هى إجراءات منقوصة، لن تصل إلى أهدافها.
لقد قدمت مصر لأمتها العربية والإنسانية كلها منذ عصور قريبة منظرين على صعيدى الإبداع والنقد والبلاغة ، كانت إسهاماتهم بمثابة خطوات فارقة فى التطورالبلاغى والنقدى والإبداعى العربى المعاصر ، أذكر من بينهم الإمام الشهاب المصرى الذى حقق قفزات مهمة فى التأصيل للأشكال الابداعية الجديدة ،والإمام السيوطى الأشهر فى عصره فى مجال التعاطى مع التراث المعرفى "الابستمولوجى "، والإمام الزركشى مؤسس الدرس اللغوى البلاغى .. وغيرهم ..
إذن ليس مستغربا أن يولد جنس أدبى جديد من رحم هذا الوطن المعطاء "مصر" هو "القصة الشاعرة " التى تمثل نقلة أدبية ثورية ابتكرها أديب مبدع من هؤلاء الذين صنعوا الفارق لنقول للمشهد الإبداعى الإنسانى مجددا : "لدينا ما يعبر عنا "، وهى فى تقديرى تغيير أدبى ثورى ، بما تضمه من خصائص التغيير الثورى الثقافى ، ومنها أن يحتوى على قيمة مضافة مع توافر خصائص الاستشراف وتأكيد النسبية كمعيارإبداعى نقدى والتأكيد على مسئولية المبدع الأدبية عن مقاومة سلبيات الواقع ، والمشاركة الإيجابية لجموع المتلقين.. وفى هذا السياق كان الإبداع تاريخيا بكل صوره ووسائطه عامة ،والأدبى على وجه الخصوص حائط الصد الأخير ضد إحساس المواطن العربى بالهزيمة،ومقاومة انتشار قيم البراجماتية والانتهازية فى سلوكيات الفعل الاجتماعى ،وزيادة الإحساس بالفردية واهتزاز القيم والمفاهيم وتفاقم حدةالتناقضات الاجتماعية وسيادة الطبقة الطفيلية وافتقاد الأسس الضرورية للتعايش الآمن " وهو مانراه يسود بقسوة وفجاجة- مع الأسف - فى وقتنا الراهن ".من هنا يجب أن يتحمل المبدعون مسئوليتهم الكاملة ويطلقون طائر الإبداع ليبدد محنة هؤلاء الملايين من الأمة المنذورين ، للأسى ،ليأخذالإبداع بيدهم ، ويساعدهم على تجاوز ظلام يأسهم إلى نور أملهم .. وتصبح الإضافة الثقافية والاجتهاد الإبداعى من أجل التعيير الإيجابى مهمة لايمكن التقاعس عن آدائها أو التغاضى المجتمعى عن ضرورتها،
إنه المستقبل الذى يجب أن يرجوه المبدع لأمته حتى لو اضطره ذلك أن ينحاز إلى ضوء الحقيقة وحده مهما كان الثمن ، غير مبال سوى بوجه الإبداع وواجبه.
إن مجتمعاتنا العربية تدفع كلها الآن ثمن استبعاد ونفى الإبداع والمبدعين من حياتها لا لشىء إلا عقابا لهذا المبدع على رؤيته الأنبل والأشمل والجمال والأعدل للحياة،وتهذيب حركتها ومنطلقاتها بل استشراف مستقبلها باعتبارالمبدع ضمير هذا المجتمع ، أو هكذا يجب أن يكون، الذى كما يكشف ويستشرف ‘فإنه يجلد أحيانا إذا لزم الأمر ‘ وهو ما ترفضه حياة خلت أو تخلت عن النبل والعدل وحتى الجمال ، ويقاومه مجتمع أصبح فى معظمه لايريد سوى البريق المادى الاستهلاكى مهما كان زائفا أو بلا قيمة دون منغصات من هذا الضمير.
لقد قام الأديب محمد الشحات محمد رائد فن القصة الشاعرة ، مثل بستانى أصيل يضع فأسه من أول رأس الحديقة ، بتدشين هذا الجنس الإبداعى الجديد الذى يجمع ما بين بعض تقنيات الشعر والقصة معا في عام 2007 ، ثم دشّن لمؤتمره العربي فى عام 2010، ولست أدرى هل هى مصادفة أن يكون عام انطلاق فن "القصة الشاعرة" هو عام إرهاصة ثورة يناير، أم أنها إشارة وبشارة قدرية أخرى بأن حرية الأوطان هى صنوان حرية التجريب والإبداع ، وفى هذا يحسب لمحمد الشحات محمد أنه لم يكتف بالوقوف على أبواب الغابة.. غابة التجريب , بل اجتاز دروبها الوعرة بشجاعة ودأب وإصرار مستحضرا وزملاءه الذين شاركوه تأسيس هذا الجنس الإبداعى الجديد جينات الإبداع المتوارثة منذ أكثر من عشرة آلاف عام ، لذا لم تكن القصة الشاعرة قفزا من فوق قمة جبل الأجناس الأدبية ، أو تحليقا عشوائيا فى المجهول ، بل كانت خطوة جديدة فى الصعود من سفح هذا الابداع لتتقاطع مع ما يحدث فى العالم كله من تمرد على القوالب الإبداعية القديمة ، وتطور لأجناسها المعلبة سابقة التجهيز ، لكن المهم الذى قدمه محمد الشحات محمد ورفاقه هنا هو أن هذا الفن " القصة الشاعرة " هو إسهام مصرى – عربى خالص ، بعيدا عن استنساخ أفكار ونطريات وتجارب الغرب الإبداعية التى ظللنا نقتات عليها طوال العقود العشر الماضية ،لنقول للغرب والإنسانية كلها لدينا ما يمكن أن نضيفه ، هذا على صعيد القيمة الإبداعية المضافة ، أما على صعيد الأجناس الأدبية العربية ، فقد قدم لنا "الشحات" ورفاقه من الأدباء المؤسسين لهذا الجنس الأدبى الجديد نصا إبداعيا يعتمد على التكنيك القصصى لكن بإيقاع يلتزم التزاما صارما الإيقاع التفعيلى الدائرى الذى لابداية له ولانهاية، ومن ثم فالقصة الشاعرة بهذا المفهوم تختلف عن الشعر بجميع مدارسه بما فيه الشعر القصصى كما عرفناه عند شوقى ومطران وغيرهما ، كما تختلف عن القصة القصيرة والأقصوصة والقصة الومضة التى لاتلتزم بأى ايقاع ، كذلك تختلف عن المسرح الشعرى بسماته الأدبية المعروفة ، ولعل أهم مافى فن " القصة الشاعرة" بعيدا عن الاختلاف البنائى ، هو إتاحته على صعيد الرؤية والمضمون قدرا هائلا من حرية التعاطى والتفاعل للمتلقى ، الذى يشكل الضلع الثالث من العملية الإبداعية إلى جانب كل من المبدع والنص الإبداعى ، لكنه أى" المتلقى " هو الضلع المنسى – غالبا – حيث دائما ما نتحدث عن حرية الإبداع ،وحرية المبدع ، وننسى أو نتجاهل حرية المتلقى ، لتأتى " القصة الشاعرة" وتعالج جانبا من هذا القصور ، عبر اعتمادها تقنية التدوير ، الذى لايتيح للمتلقى استقبال معطيات ودلالات النص فقط ، لكن أيضا ، وهذا هو الأهم ، التواصل معه إيجابيا ، بل المشاركة أيضا فى إنتاجه وتطويره ، وهو ما يجعل نص " القصة الشاعرة " من أكثر النصوص مواكبة وملائمة مع عصر ما بعد الحداثة ، حيث السيادة لنص الكمبيوتر بتقنياته فائقة وهائلة التطور ، وهو أيضا النص الأكثر استجابة لمتطلبات الترجمة وكسر حواجز اللغة ، مما يجعله نصا إنسانيا بامتياز ، فضلا عن قدرته على التقاطع مع الوسائط الفنية والإبداعية الأخرى دون حواجز ، وهو ما تجلى فى معرض الفنون التشكيلية وفن الخط العربى المازى لهذا المؤتمر عبر أعمال تشكيلية وخطية تترجم فى تناغم فنى رائع بعض النصوص الإبداعية لفن " القصة الشاعرة" .
إن تجربة " القصة الشاعرة " وهى تمضى بثبات فى حفر نهرها الإبداعى الخاص تستحق منا - على الأقل من منطلق التجريب وحده – تستحق الاحتفاء بها وبرائدها الأديب محمد الشحات محمد ورفاقه من الأدباء المؤسسين ، وقد أحسنت وزارة الثقافة ممثلة فى الهيئة العامة لقصور الثقافة ورئيسها الشاعر سعد عبد الرحمن ،وكتيبة العمل معه وفى مقدمتهم الشاعر محمد ابو المجد ، أحسنوا برعاية هذا المؤتمر وهذا الفن الأدبى الجديد " القصة الشاعرة " الذى إذا حقق ثمة إضافة للمشهد الإبداعى المصرى والعربى الآن ، كما أعتقد فيه ، فهذا أمر لاشك يستحق الفرح ، وإذا تحققت هذه الإضافة مستقبلا ، كما أرجوله ، للمشهد الإبداعى الإنسانى كله فهذا لاشك أمر يستحق فرحا أكبر. . لكنه سيبقى فى كل الحالات خطوة مهمة حركت بحيرة الإبداع العربى بعد عقود من الركون والركود .
إن اللحظة التى تعيشها مصر وأمتنا العربية الآن على المستوى السياسى والاقتصادى والاجتماعى والثقافى فضلا عن كونها لحظية مصيرية فارقة فى مسيرة أمتنا ،فهى لحظة إبداعية بكل المقاييس ، لأنها لحظة توتر جماعى ، وأيضا أمل جماعى فى الآن ذاته ، وإذا كان التوتر نتاجا لمعارك توزيع الأدوار والصراعات على المواقع، والضجيج السياسى و الإعلامى بأخطائه وخطاياه ، فإن الأمل يبقى رهنا بالإبداع ، فلربما تجعلنا قصة شاعرة لمحمد الشحات محمد أو قصيدة شعرية لسعدى يوسف أو لوحة تشكيلية لمكرم حنين أو قطعة نسيج لطلبة عبد الغنى أو معزوفة موسيقية لعمر خيرت أو نص مسرحى لمحمد صبحى... ربما تجعل هذا المجتمع يغادر مقاعده المتحركة.. ونحن نشعل الشمعة الخامسة لهذا المؤتمر الذى يكتسب وفن القصة الشاعرة أرضا جديدة عاما بعد عام ، وتجرى فى نهره مياه كثيرة ، لكن هذا لن يحقق ثماره المرجوة دون تواصل إيجابى من جانب المجتمع ومؤسساته الرسمية والأهلية مع المنجز الإبداعى والنقدى، وفى القلب منها الرؤى التبشيرية والاستشرافية والإرهاصية ، للوطن وأبنائه المبدعين ، وهو أمر إذا ما تحقق فسوف يصب فى كل الأحوال لصالح الأمة كلها عامة ومنجزها الحضارى بصفة خاصة ،وعندها يصبح الإبداع واحدا من أهم محاور التطوير والارتقاء بمجتمعه ،فلا يمكن لأديب أن يمارس دوره ويؤدى رسالته فى مجتمع يستهين به ولاينصت إليه.. لكن أيضا من ناحية أخرى فإنه لابملك أحد أن يغفر للأديب والمبدع تراجعه أو تقاعسه أو تنازله عن أداء رسالته وتحمل مسئولياته ، فالأديب ليس مجرد إنسان موهوب يسعى لتجميل وجه الحياة فقط لكنه ،وهذا هو الأهم، مسئول عن التفاعل مع هذه الحياة عبر رؤيته للأشياء فى عموميتها ، وأيضا فى جوهرها الأعمق ، والإسهام فى إعادة تشكيلها بشروط أفضل ، وبعيدا عن تلك الرؤية وهذا الدور تتحول الحياة -كما نرى حولنا الآن- إلى سلع وآلات متناثرة فى محيط مهشم ، لارابط بينها ولاسمات لها ، ولاأنساق تجمعها ،بل تصبح حياة مغلفة بما يشبه السطح البللورى المعتم ، الذى قد يعكس الأضواء، لكنه يحجب الرؤية ، ولايمكن النفاذ عبر هذه العتمة بعاديتها وتكراريتها، ولهاثها المادى القاتل الابقوة الرؤية الفنية والجمالية والأخلاقية والقيمية التى تميز الأديب والمبدع عن غيره، وتشكل أسس علاقته الناقدة الخلاقة المستشرفة بالحياة .
إننا فى هذه اللحظة الجارحة من عمر أمتنا نريد إبداعا لايبحث عن جائزته الفورية ، لكن يستمد قيمته من قدرته على التأثير والتغيير الإيجابى ، نريد "قصة شاعرة "تتجاور قيمها الجمالية مع قضايا مجتمعها المصيرية ، وتدعو إنسان أمتها إلى اكتشاف ذاته الثقافية والحضارية من جديد ، وتساعده على ذلك ، نريد " قصة شاعرة"لاتبحث عن صفقات ولا تتصارع على مهرجانات ، أو تنزلق إلى التراشق بالكلمات هنا أو هناك ، بل قصة شاعرة تنشغل بالإبداع وبالوطن .
فيا أيها المبدعون الحقيقيون .. إن الحياة تستغيث بكم فى هذه اللحظة الإبداعية الفارقة ، فاصغوا إلى صوتها بالانحياز لقيم الحق والعدل والخير والجمال ، وبترسيخ أصالة الإبداع ، وإرادة التغيير، وحركية المشاركة الإيجابية . .
أيها المبدعون لاتنكفئوا على ذواتكم ولاتنسحبوا إلى داخل جلودكم كما يراد لكم ، ولاتسمحوا للقوة أيا كان مصدرها ..مالا أو سلطة أو نفوذا..بأن تشكل وجه الحياة منفردة ،، ابحثوا عن رؤى جديدة، ابتكروا لغة جديدة ، فلسفة مجتمعية جديدة تواكب الراهن وتخاطب الغد ،لكنكم لاتتخلوا أبدا عن رهان أمتكم عليكم ، أو رهانكم على أمتكم ، لأنه رهان الحياة .
د. السيد رشاد
رئيس المؤتمر العربي الخامس للقصة الشاعرة


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.