ليس كل الذكور رجالا ولا كل أصحاب العضلات أو الشوارب المبرومة أو اللحي المسدولة أو النياشين البراقة أو الألقاب الرنانة رجالا والمتأمل في كتاب الله يكشف أن الرجولة وصف لم يمنحه الحق تعالي إلي كل الذكور ولم يخص به إلا نوعا معينا من المؤمنين فلقد منحه الله لمن صدق العهد معه فلم يغير ولم يهادن ولم ينافق, والباحث في حال الأمة الآن يكتشف أيضا غياب صفات الرجولة التي إن وجدت كان الخير كله وإن غابت كان الدمار والهلاك والضياع, ورغم أن صفات الرجولة إنما هي صفات مكتسبة فليس صعبا استعادتها وغرسها في الشباب المسلم حتي تنهض الأمة وتخرج من أزمتها, وحول أسباب اختفاء هذه الصفات الجليلة وكيفية استعادتها مرة أخري وما يمكن أن يترتب عليها كان هذا التحقيق. في البداية يؤكد الشيخ فكري حسن إسماعيل عضو مجمع البحوث الإسلامية ان القرآن الكريم عندما ذكر صفات الرجال أثني عليهم لما لهم من أثر في المجتمع ولم يتحدث عنهم بأسلوب عام لما توافر فيهم من صفات عليا وقيم نبيلة أهمها تقديم مصلحة الأمة علي مصالحهم الشخصية فليست لهم مآرب خاصة ولا أجندات مختلفة كما أنهم لا يتسابقون إلي الامارة أو الزعامة قال تعالي رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وقوله أيضا من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمثل هؤلاء أصبحوا عملة نادرة تحتاج الأمة إليهم لكونهم رجالا أشداء وأقوياء في عقيدتهم وفي نضجهم وخبرتهم لا يبغون من وراء ذلك مصالح شخصية ذاتية أو إعلامية. وأشار الشيخ فكري إلي أن أحد أسرار انتصار المسلمين الأوائل في حروبهم كان بسبب التربية التي تربي عليها الصحابة والتابعين. وجعلتهم يؤثرون الاخرة علي الدنيا ويحبون أوطانهم حبا أساسيا, ويقول الشيخ رضا حشاد من علماء الأزهر ان الأمة في أشد الحاجة إلي رجال يتصفون بالصدق والأمانة فالرسول صلي الله عليه وسلم رغم خلافه مع أعدائه وقتالهم له إلا أنهم وصفوه بالصادق الأمين كما كان يلقبونه بينهم وهاتان الصفتان هما سبب البناء والازدهار والنصر, وإذا كانت الخيانة والكذب في الانسان فقد الرجولة وكانت سببا في الهدم والضياع والهلاك وهاتان الصفتان تأتيان من معرفة الانسان بسبب وجوده والمطلوب منه في هذه الدنيا, فالله تبارك وتعالي عندما خلق العباد طلب منهم عمارة الأرض ووضع دستورا لتنفيذه هذه العمارة التي أرادها فإذا ما ساروا عليه نجحوا وانتصروا واذا ابتعدوا عنه خابوا وخسروا, قال تعالي يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين وقوله تعالي إنا عرضنا الأمانة علي السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا فالصدق سبب النجاح والبناء وهما العمارة التي أرادها الخالق من عباده في الأرض علاوة علي أن الصدق من صفات الرجولة وهو منجي من المهالك فما بني الكذب مجتمعا ولا كانت الخيانة سببا في عمارة بينما تقول الدكتورة آمنة نصير أستاذة العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر نحن في محنة وتساءلت كيف تحفظ أمانة المجتمع والوطن وأمانة الميثاق والمسئولية فللأسف هذه الأمانات تاهت وضاعت في انطلاق اللسان في السفسطة دون حكمة مؤكدة أن غياب صفات الرجال التي تحدث عنهم القرآن كانت يوم أن تحققت علي الأرض أفرزت حضارة إسلامية ومجتمعا رائعا ونموذجا في المدينةالمنورة وأقيمت الصحيفة وكتبت بها جميع الحقوق لكل سكان المدينة علي اختلاف دياناتهم ومعتقداتهم لما وجد من العزم والقوة في مواجهة السلبيات هناك وهو ما افتقدناه الآن, فمجتمع المدينة شمل اليهود والنصاري والمشركين ووجدت كل فئة منهم في المدينة وصحيفتها أن لهم نفس الحقوق وعليهم نفس الواجبات. وتضيف د. آمنة نصير يوم أن غابت قيم الرجولة وصفاتها ظهر هذا الترهل والتماهي وأصبحنا أمة لا تدرك قيمة المستقبل ولا تعرف وزن نفسها بين الدول وكأن مصر مسحت تاريخها من الذاكرة ونسيت مستقبلها الذي لا يتحقق إلا بالاعتصام بكتاب الله وقوة الجماعة وعدالة الحاكم ورعاية الحق للجميع بدون تفرقة. ويتفق معها في الرأي الدكتور سلامة عبد القوي المتحدث الرسمي بوزارة الأوقاف في أن الأمة لن تقوم لها قائمة إلا بتحقيق صفات الرجال, والتي يمكن اكتسابها فليس من الصفات الفطرية التي يستحيل اكتسابها, فبعض النساء لهن مواقف بمائة ألف رجل كعائشة وأمهات المؤمنين وكثير من الصحابيات, فليست الرجولة مقصورة علي الذكور فقط. ويضيف أن هذه الصفات تكتسب بالتعلم والتريض وهي مسئولية الأسرة والمؤسسات التعليمية الإعلامية والدينية التي يجب أن تضع في أولوياتها كيفية إعداد جيل من الرجال وهو أمر سهل إذا تضافرت الجهود من جانب هذه المؤسسات وقدمت النماذج من سير الرجال من الصحابة والتابعين والأبطال الأفذاذ. ويوضح د. سلامة عبد القوي ان الرجولة فقدت أو قلت بسبب حب الدنيا وكراهية الموت ويوم أن لهث الانسان وراء المنصب والشهرة وأصبح بلا هدف يسعي لتحقيقه ضاعت الرجولة وتاهت صفاتها فالرسول صلي الله عليه وسلم عندما بعثه الله لم يهتم بتأليف كتب تفسير أو فقه أو غيرهما من الكتب وهذا يدعونا للتساءل لماذا لم يؤلف فالعالم يعرف بقدر انجازه العلمي غير أن الرسول اهتم فقط بإعداد الرجال أكثر من تأليف الكتب, لأن الأمة إذا تركت فيها الكتب ولم يكن بها رجال فلا قيمة للكتب حينئذ, فكان همه صلي الله عليه وسلم هو إعداد الرجال وتربيتهم. وهذا عمر بن الخطاب عندما سأل أمرا عن أمنياتهم فقال أحدهم أتمني ملء هذه الدار ذهبا لأتصدق به وقال الاخر أتمني ملء هذه الدار سلاحا لأحارب به وعندما سألوا عمر بن الخطاب عن أمنيته قال لهم أتمني ملء هذه الدار رجالا كأبي عبيدة بن الجراح فيوم أن كانت الرجولة كانت القوة والسيادة وكانت للأمة كلمتها القوية. رابط دائم :