أسعار الخضروات اليوم الخميس 15-5-2025 في قنا    طقس اليوم الخميس| ممتع "مؤقتا".. وهجوم صيفي بعد ساعات    تعرف علي الحالة المرورية بالقاهرة والجيزة    مشاجرة بالأسلحة النارية والبيضاء في شوارع المرج.. وقرار قضائي ضد طرفيها    15 صورة.. وصول أول قطار مكيف ضمن الصفقة الجديدة للعمل بالخط الأول لمترو الأنفاق    محافظ الدقهلية يتفقد شوارع المنصورة لمتابعة أعمال النظافة العامة (صور)    تعديلات متوقعة في مشروع قانون الإيجار القديم، تعرف عليها    الوفد الروسي يصل إسطنبول قبل بدء مباحثات السلام مع أوكرانيا    قوات الاحتلال تشن حملة اعتقالات واسعة على محافظة الخليل    ترامب من داخل قاعدة العديد بقطر: سنحمي الشرق الأوسط ونقترب من إبرام اتفاق مع إيران    الناتو: الكرة في الملعب الروسي بشأن مفاوضات وقف النار بأوكرانيا    نهاية موسم مهاجم برشلونة بسبب الزائدة الدودية    برشلونة ضد إسبانيول.. الموعد والقناة الناقلة لمباراة حسم الدوري الإسباني    محسن صالح: كولر لم يكن الخيار الأول.. وحسام غالي تصادم معه بسبب موديست    تشكيل برشلونة المتوقع.. ليفاندوفسكي يقود الهجوم أمام إسبانيول    كما كشف في الجول - ريفيرو: غادرت رفقة المعد البدني فقط.. ورحلت مبكرا بسبب فرصة رائعة    رئيس جامعة بنها يشارك في المؤتمر العالمي للتعليم الرقمي بالصين    رئيس جامعة جنوب الوادي يكرم الفائزين بالمركز الثاني في مسابقة أوائل الطلاب بقصر العيني    تداول 33 ألف طن بضائع وسفر 1645 راكبًا عبر موانئ البحر الأحمر    مصرع شخص وإصابة 5 آخرين في حادث على محور أبوتشت بقنا    إصابة 4 أشخاص في حادث تصادم بأسيوط    السيطرة على حريق شب في ثلاثة منازل بسوهاج    طرح أغنية "ترقصي" لراغب علامة اليوم    رئيس جامعة جنوب الوادي يشدد على ضرورة الإسراع في خطوات تطوير العيادات    ترامب: بايدن أسوأ رئيس للولايات المتحدة.. ولدينا أقوى جيش في العالم    مشتريات العرب تصعد بالبورصة في مستهل نهاية جلسات الأسبوع    تعرف على مدة إجازة رعاية الطفل وفقا للقانون    الصحة تنظم مؤتمرا طبيا وتوعويا لأهمية الاكتشاف المبكر لمرض الثلاسميا    5 دقائق تصفيق لفيلم توم كروز Mission Impossible 8 بمهرجان كان (فيديو)    اتحاد عمال الجيزة يكرم كوكبة من المتميزين في حفله السنوي    وزير الخارجية يشارك في اجتماع آلية التعاون الثلاثي مع وزيري خارجية الأردن والعراق    أمين عام الناتو: لدينا تفاؤل حذر بشأن تحقيق تقدم فى مفاوضات السلام بأوكرانيا    مصرع طفل صدمته سيارة نقل مقطورة فى أوسيم    هانئ مباشر يكتب: بعد عسر يسر    كيف تتخلص من ارتفاع ضغط الدم؟ 3 طرق فعالة دون أدوية    هبوط كبير في أسعار الذهب الفورية اليوم الخميس.. أدنى مستوى منذ 30 يومًا    نماذج امتحانات الصف الخامس الابتدائي pdf الترم الثاني جميع المواد التعليمية (صور)    أيمن بدرة يكتب: الحرب على المراهنات    مصر تتصدر منافسات ثالث أيام بطولة إفريقيا للمضمار.. برصيد 30 ميداليات    لطلبة الشهادة الاعدادية 2025.. موعد امتحانات النقل والشهادة بمحافظة الوادى الجديد    الكشف عن نظام المشاركة في بطولة دوري أبطال أوروبا 2025-2026    رسميا.. رابطة الأندية تدعو الفرق لاجتماع من أجل مناقشة شكل الدوري الجديد قبل موعد اتحاد الكرة بيومين    من بينهما برج مليار% كتوم وغامض وحويط.. اعرف نسبة الكتمان في برجك (فيديو)    ريهام عبد الحكيم تُحيي تراث كوكب الشرق على المسرح الكبير بدار الأوبرا    جدول امتحانات الصف الثالث الابتدائي الترم الثاني 2025 في جميع المحافظات    تراجع أسعار الذهب اليوم في السودان وعيار 21 الآن ببداية تعاملات الخميس 15 مايو 2025    «5 استراحة».. اعثر على القلب في 5 ثوانٍ    موعد إجازة وقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2025 فلكيًا    سالي عبد السلام ترد على منتقديها: «خلينا نشد بعض على الطاعة والناس غاوية جلد الذات»    تحركات برلمانية لفك حصار الأزمات عن أسوان ومستشفيات الجامعة    "أول واحدة آمنت بيا".. محمد رمضان يكشف أهم مكالمة هاتفية في حياته    حكم الأذان والإقامة للمنفرد.. الإفتاء توضح هل هو واجب أم مستحب شرعًا    وفاة الفنان السوري أديب قدورة بطل فيلم "الفهد"    رئيس الوزراء القطري: إسرائيل غير مهتمة بالتفاوض على وقف إطلاق النار في غزة    الخارجية الأمريكية: ترامب يسعى لإنهاء حرب غزة بدعم وساطة مصر وقطر    الكويت: سرطان القولون يحتل المركز الأول بين الرجال والثاني بين الإناث    الرئيس يتابع تنفيذ المشروع القومي لبناء الإنسان    ب«3 دعامات».. إنقاذ مريض مصاب بجلطة متكاملة بالشريان التاجى في مستشفى شرق المدينة بالإسكندرية (صور)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة قصيرة
خربشات صغيرة

‏(1)‏ وتحشر نفسك كل صباح في سيارة نصف نقل قديمة‏,‏ مع الفلاحات العائدات من المدينة‏,‏ بعد أن يبعن الجبن والسمن واللبن‏,‏ والباذنجان‏,‏ والبامية‏,‏ والبازلاء‏,‏ والدجاج والبط والبيض والحمام‏.
ويعدن محملات بالخبز البلدي الطازج الخارج لتوه من الفرن‏,‏ تتصاعد منه الأبخرة الساخنة‏,‏ وأقراص الطعمية المعبأة في قراطيس ورقية تنشع ببقع الزيت‏.‏ تزكم أنفك رائحة روث البهائم المتبقية في أرضية السيارة‏,‏ وبقايا أعواد برسيم جافة‏,‏ وأعواد قش متناثرة‏.‏
يضايقك الكبود الذي صنعه السائق من شكائر البلاستيك القديمة‏,‏ وأوراق الكارتون المقوي‏.‏
تعز عليك نفسك‏,‏ تغالب دموعك‏,‏ تقسم ألا تركب‏,‏ تنتظر سيارة أخري عسي أن تكون أفضل‏!!‏ يخيب ظنك في الأخري‏,‏ والثالثة‏,‏ والرابعة‏,...‏ تصل متأخرا إلي مدرستك‏,‏ لتجد مديرك شاهرا قلمه الأحمر‏.‏ يقابلك بابتسامة باردة‏,‏ وعبارة صارت أكليشيها محفوظا‏:‏
سبق السيف العزل‏!‏
كرهت هذه العبارة‏,‏ كما كرهت وجه مديرك البارد‏,‏ تكرارها كثيرا علي مدار الشهر يجهز علي راتبك‏,‏ وراتبك هزيل هزيل لا يفي بأبسط احتياجاتك‏.‏
تصعد إلي السيارة من الخلف‏,‏ تتحسس بحذر مكان جلوسك علي الدكة الخشبية‏,‏ تخشي شكة مسمار يمزق بنطالك‏.‏ تمسح بمنديل ورقي مساحة من الدكة‏,‏ تكفي لك ولجار لم يأت بعد‏,‏ تمني نفسك بأن يكون طيبا وليس ثرثارا‏,‏ ولا بدينا‏.‏
تجلس في مواجهة الفلاحات البائعات‏,‏ تصغي إلي ثرثرتهن‏,‏ ألفت أذنك لهجتهن الريفية‏,‏ وألفت عيناك وجوههن‏.‏ وجلابيبهن الفضفاضة‏,‏ وألف أنفك رائحتهن‏,‏ للمرأة الفلاحة رائحة مميزة تعبق أنفك‏,‏ وتملأ خياشيمك لا تستطيع أن تترجمها إلي كلمات‏.‏
لم يعدن يتحفظن في الحديث في وجودك كما كن يفعلن قبل أن تصبح زبونا دائما‏,‏ يجرنك إلي مشاركتهن الحديث‏,‏ ليس لديهن أسرار ولا خصوصيات‏,‏ كلامهن مكشوف‏,‏ وكل شيء مباح‏.‏
الوقت يمرق‏,‏ يستعجلن السائق‏,‏ يقسم أنه لم ينم في داره‏,‏ بل أكمل نومه في السيارة‏,‏ وغادر الزوجة والأولاد من نص الليل ليحجز الدور الأول‏.‏
يطلق كم يمين طلاق بأنه لن يتحرك قبل أن تتم السيارة‏,‏ فالسيارة عليها أقساط‏,‏ والناس لا ترحم ولا تخلي‏...,‏ واللي مش عاجبه ينزل‏,‏ يترجل أو ياخد مخصوص‏.‏
الكابينة دائما محجوزة ومغلقة في وجهك‏,‏ أحيانا يمتلأ الصندوق ويظل المكان بالكابينة خاليا‏,‏ فالسائق سنكر الباب ولا ينفتح إلا للحسناوات ذوات اللحم الطري‏.‏
يبتسم لك الحظ أخيرا‏,‏ وتنفتح لك الكابينة‏,‏ فالحسناوات لم يأتين بعد‏.‏
تناول السائق سيجارة وتترك له بعض الفكة‏,‏ ورويدا رويدا تنفتح لك الكابينة وتصبح محجوزة لك وحدك‏,‏ ولم تكن تدري وأنت الذي جاوزت الأربعين بأن جنيها مصريا لا قيمة له بين العملات الأخري وسيجارة مصرية رديئة الصنع يردان لك أدميتك التي انتهكت في الصندوق علي مدار ثلاثة أشهر كاملة‏,‏ بل يمنحانك علي ألسنة السائقين لقب الباشا وكل منهم يتسابق ليحجز الكابينة لك وحدك بجواره‏.‏
تتناول خطاب التوزيع‏,‏ تطويه وأنت شارد اللب‏,‏ موزع الذهن‏,‏ زائغ البصر‏,‏ تضعه في جيبك علي مهل‏.‏
قبل أن تحشر نفسك في صندوق السيارة نصف النقل‏,‏ تسأل السائق عن المدرسة‏,‏ يخبرك بأنها في مدخل القرية وعلي الرصيف مباشرة‏,‏ تطمئن نسبيا‏,‏ فكنت تخشي أن تكون المدرسة في أطراف القرية في الغيطان أو في وسط القرية في بيت طيني علي شارع ضيق‏,‏ فيضايقك في الصيف‏:‏ الحر والذباب والناموس وحشرات الصيف الكثيرة‏,‏ وفي الشتاء تغوص في الوحل والطين والمطر‏.‏
يتوقف السائق فجأة‏,‏ تفيق علي صوته‏,‏ أنت المنزوي وحيدا في الصندوق‏,‏ بعد انفراط عقد الركاب واحدا تلو الآخر‏.‏
الأستاذ اللي نازل المدرسة؟‏!‏
تنقده الأجرة‏,‏ ترجع بضع خطوات للخلف‏,‏ تصدمك اليافطة المكتوبة علي بوابة المدرسة الحديدية‏,‏ فأنزلك السائق أمام المدرسة الابتدائية‏,‏ تلعن السائق الذي تواري بسيارته خلف البيوت والأشجار‏.‏
تسأل عن المدرسة الاعدادية‏,‏ يضايقك أنها في صرة البلد‏,‏ وأنك ستمر بشارع ترابي طويل‏,‏ ملتوي كأفعي‏,‏ وأخيرا تصل إلي المدرسة بعد لأي‏.‏
‏(2)‏
حمار هزيل مربوط ببوابة المدرسة‏,‏ يعوق دخولك‏,‏ تخشي رفسة من إحدي خلفيتيه‏,‏ تهش عليه من بعيد بيدك‏,‏ يهز لك رأسه ويتحرك قليلا‏,‏ تاركا لك فرجة صغيرة‏,‏ تنسل منها بمهارة وتلج من باب المدرسة‏,‏ وتصبح عادة يومية ما أن يراك الحمار أو يشعر بقدومك حتي يهز لك رأسه‏,‏ ويتحرك قليلا مفسحا لك طريقا بالكاد يسعك‏,‏ لتدخل أو تخرج‏.‏
وتعرف أنه حمار أكمل العامل المعوق‏,‏ وقد أشفقت عليه أي علي العامل‏,‏ وعلي الحمار أيضا‏!!‏
تتعاطف معه وأنت تراه يحاول صعود السلم علي أربع‏,‏ قدماه المعوجتان لا يقدران علي حمل جسده الثقيل فيستعين بيديه‏.‏ وإذا سار في مكان مستو تكاد مؤخرته تلامس الأرض‏.‏
لم تره يوما دون زوجته وأولاده‏,‏ تأتي معه لتقوم عنه بمهمة كنس وتنظيف حصته من الفصول أو لتقضي عنه المشاوير التي يكلفه بها المدير‏.‏
أحيانا تأتي هي دونه ويبقي هو في البيت‏,‏ فقبل أن يعين في المدرسة كان قد تعلم حرفة الحياكة‏,‏ تخصص في الجلباب البلدي والعباءة والصديري والسروال‏.‏
تفضي بك البوابة إلي فناء صغير عن يمينك‏.‏ تزكم أنفك رائحة نتنة‏,‏ تخمن أنها تنبعث من حمامات التلاميذ‏,‏ وطلمبة رابضة أمام الحمامات لا نشع ماء حولها مما يشي بأنها معطلة‏.‏ أشجار قزمة من الفيكس لا تجد من يعني بها ويتعهدها بالسقي والري‏.‏
في الطرقة‏:‏ يفترش بعض المدرسين الحصر ويجلسون بجلابيبهم‏,‏ فهم في إجازة الصيف‏,‏ بعضهم يلعب النرد والبعض الآخر يلعب الدومينه‏,‏ والبعض الثالث يتحلق حول الشطرنج‏.‏ تتداخل الأصوات‏,‏ شيش بيش‏,‏ جهار يك‏,‏ كش ملك‏,‏ تعلو الضحكات‏,‏ وما أن تلوح لهم تماما‏,‏ وتلقي بالسلام عليهم‏,‏ حتي يصمتوا لثوان وتتجه كل العيون إليك‏,‏ يتركون ما في أيديهم‏,‏ ينهضون جميعا‏,‏ ينتعلون شباشبهم البلاستيكية‏,‏ والجلدية المتشققة الكالحة‏.‏
تمتد أياديهم بالسلام‏,‏ خشنة أياديهم‏,‏ تشعر من معانقة أياديهم وبصات عيونهم بالحذر المشوب بالقلق‏.‏ يقودونك إلي غرفة المدير وألسنتهم لا تكف عن الترحيب بك‏.‏ يصرون أن تجلس علي مقعد المدير‏,‏ مبالغة منهم في الاحتفاء بك‏.‏ كرسي خيزران خلف مكتب متواضع‏,‏ يظنونك مفتشا أو متابعا من الإدارة‏.‏
ترفض أن تحتل موقع المدير‏,‏ تجلس علي كنبة بلدي بجوار المكتب‏,‏ تبدد حيرتهم‏,‏ وتعرفهم بنفسك‏.‏
يحاصرونك بأسئلتهم‏:‏ مؤهلك الدراسي؟‏,‏ تخصصك الدقيق؟‏,‏ محل إقامتك؟‏,‏ عازب أم متزوج؟‏...‏؟‏...‏؟ عشرات الأسئلة تنهال علي أم رأسك من كل فم‏,‏ لا تجب عن كل الأسئلة‏,‏ تضيق عادة بالفضوليين‏,‏ تحاول دائما ألا تشبع نهم الفضولي حتي لو ظل يلاحقك بأسئلته طول العمر‏,‏ تجب بقدر ضئيل ضئيل‏,‏ إجابتك لا تروي ظمأه‏,‏ تمسك بزمام المبادرة‏,‏ تسأل عن المدير‏.‏
ومن أول جلسة‏,‏ تعرف كل شيء عنه‏,‏ أصله وفصله‏,‏ زوجته وأولاده‏,‏ أحواله المالية‏,‏ صحته‏,‏ مواقفه‏,‏ ردود أفعاله‏.‏
تكظم غيظك‏,‏ وتغمض عينيك‏,‏ وتدعو الله في قلبك أن يلهمك الصبر‏,‏ ويمنحك القدرة علي الاحتمال‏.‏
‏(3)‏
راتب أكمل الهزيل لا يسد أفواه ثلاثة أولاد وأمهم‏,‏ وبيت طيني من غرفتين مؤجرا‏,‏ ضاق والده به بعد أسبوع من الزواج‏,‏ وطرده هو وزوجته في نص الليل‏,‏ بعد أن رفض أكمل أن يسلمه راتبه الذي يتقاضاه من الحكومة‏,‏ وما ينقده له زبائنه الذين يحيك لهم ملابسهم‏,‏ وذلك نظير إقامته ومأكله ومشربه هو وزوجته‏.‏
يقسم لك أكمل أنه خرج هو وزوجته‏,‏ حفاة‏,‏ أشباه عراة‏,‏ يتكففون الطريق في البرد والمطر‏,‏ لا يعرفان إلي أين يذهبان؟ وبينما يتحسس سيالة جلبابه‏,‏ اصطدمت أصابعه بسلسلة مفاتيح المدرسة‏.‏ منذ أن عين عاملا بالمدرسة‏,‏ وعهد إليه بعهدة المدرسة‏,‏ وسلسلة المفاتيح لا تفارقه‏,‏ ربما يختال بها‏,‏ ويعتبرها ميزة‏,‏ قد تعطيه قدرا من الوجاهة والأهمية‏.‏ لا إراديا‏,‏ يجد أصابعه تعبث بمفتاح تلو مفتاح وهو جالس بين زبائنه‏,‏ وكأن سلسلة المفاتيح مسبحة يفر حباتها‏.‏
يجاهر لزبائنه بفخر‏,‏ بأنها مفاتيح المدرسة‏,‏ ويعلن بثقة وخيلاء‏:‏ أنه الأمين عليها‏,‏ ويعدد‏:‏ مفتاح البوابة الرئيسية‏,‏ مفتاح البوابة الفرعية‏,‏ مفتاح غرفة المدير‏,‏ مفتاح المكتبة‏,‏ مفتاح معمل العلوم‏,‏ مفتاح‏..,‏ مفتاح‏..,‏ مفاتيح كثيرة مختلفة الأشكال والأحجام‏,‏ تتفاوت وتتباين تفاوت وتباين المدرسين والمدرسات والتلاميذ والتلميذات‏,‏ فكما أن للغرف مفاتيح‏,‏ للبشر أيضا مفاتيح هكذا يقول أكمل وكأنه قرأ العقاد في تحليله للشخصيات في عبقرياته‏,‏ ويشبه أكمل النفس الإنسانية بالغرفة المغلقة‏,‏ فكما لكل غرفة مفتاح لكل شخصية مفتاح‏,‏ ومن يملك المفتاح يلج بسهولة إلي النفس‏,‏ إلي الشخصية كما يلج إلي الغرفة المغلقة من يملك مفتاحها‏,‏ من يملك المفاتيح يعرف الأسرار‏.‏
ويقسم أكمل أنه يملك المفاتيح ويعرف الأسرار‏,‏ أسرار الغرف‏,‏ أسرار المدرسين والمدرسات والتلاميذ والتلميذات‏.‏
في الصباح‏:‏ عرف الجميع حكايته‏,‏ الناظر‏,‏ الوكيل‏,‏ المدرسون‏,‏ المدرسات‏,‏ التلاميذ‏,‏ أهالي القرية‏.‏
المدرسات يتفرسن العروس الجديدة‏,‏ من تحاول أن تستعيد أيام الزواج الأولي‏,‏ فتبتسم في داخلها‏,‏ ومن لم يدركها قطار الزواج بعد‏,‏ فتمني نفسها‏,‏ وتدعو الله في قلبها أن يدهسها قطار الزواج قريبا‏!‏
أخذت المدرسة في هذا اليوم شكلا جديدا‏,‏ وذهبت الأحاديث إلي مسارب أخري‏,‏ الكلمات أصبحت مكشوفة‏,‏ وطغت لغة الجسد علي ألسنة الجميع‏.‏
وأحدث أكمل وعروسه علي اليوم الدراسي حالة لها شكل ولون ومذاق مختلف‏.‏
المدرسون الأقدم منه في الزواج‏,‏ يتطوعون بنقل خبراتهم له‏,‏ والمدرسات الثيبات ينفردن بالعروس الجديدة‏,‏ والأبكارا يتسمعن عن بعد ويمنين أنفسهن‏.‏
مجدي محمود جعفر


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.