في تحد لآلام المرض ومع إصراره علي الحديث عن صديقه ورفيق دربه ليس فقط في محطة فارقة من حياته, بل في مرحلة مهمة من تاريخ وطن, حيث أثمرت تلك العلاقة عن أعمال ألهبت الوجدان فكانت بمثابة سهام خارقة أيقظت ضمير شعب علي صوت( البندقية)..(ابنك يقول لك يابطل)..باحلف بسماها وبترابها..وعدي النهار وغيرها من الأغاني التي استطاع الأبنودي والعندليب أن يقدماها لنا في أروع( صورة) عن ملحمة الفن والوطن. وفي حوار خاص ل'الأهرام المسائي' مع الخال الشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودي الذي لم تمنعه آلام المرض من الوفاء بوعده معنا ليفتح قلبه مغردا في سماء ذكرياته الخاصة مع العندليب في ذكراه الثامنة والثلاثين كأنه علي حد قوله بهذا الحديث يستحضر الروح الشبابية المليئة بحماس الوطنية فتمنحه الذكريات جرعة منشطة تتدفق في شريان قلب شاعرنا النابض بحب الوطن حتي النخاع. بدأ الأبنودي حديثه واصفا صديقه حليم بالمواطن الصالح بكل ما تحمله هذه الجملة, أدي دوره علي أكمل وجه عرفنا معه معاني سامية للمشاعر الوطنية فهو أصدق من يعبر عن المشاعر الحقيقية, حتي اغنياته العاطفية كانت نابعة من هذه المنطقة بعواطفه التي كان يري بها مصر علي اتساعها. ويضيف الخال يقولون ان الناس اجتذبت لعواطف حليم وارتبطت ارتباطا حقيقيا بمشاعر عبد الحليم حافظ ولكن حقيقة الامر ان الناس ارتبطت بتلك الكوكبة التي اختارها حليم من حوله سواء ملحنين او شعراء او كتابا وأخذ اخلص واجمل ما في دمائهم ليضخ شريانا أكبر ملحمة لصورة الفن والوطن واسمي معاني الحب فاكتملت الصورة وعاشت هذه الاغنيات وعاش صوتها الصادق بالاحساس والمعني بصورة راسخة في وجداننا لن تمحي وان مات حليم. ويسترسل شاعرنا الكبير عبد الرحمن الابنودي بعد ان يلتقط انفاسا مليئة بتاريخ نفخر به ويعود بنا الي زمن رموز وقامات فنية عاشت للفن وجعلت منه قضية الرابح فيها هو الوطن. قال بصفتي شاطرته تجربته في فترة من حياته التي اعترف انه( تقريبا) المطرب الوحيد الذي لم أناوره أو أخدعه لكي ينجح لانه باختصار كان يعرف بنفسه طريق النجاح, فكثيرا من المطربين نكتب لهم كلاما ليتغنوا به فقط, وفي احيان اخري قد لا تفهم الناس معاني بعض الكلمات او الهدف الأبعد من ورائها, ولكن حليم كان يدرك تماما وفي الحال لماذا كتبت ذلك, والأروع من ذلك انه في احيان كثيرة يضيف الكثير الي اغنياته. ومن اشهرها اغنية عدي النهار حينما بدأت الاغنية من وحي اللحظة في حضور حليم وبدأت بعبارة عدي النهار حتي وصلت الي عبارة ابو النجوم الدبلانين وتوقفت فإذا بحليم يفاجئني بعبارة أبو الغناوي المجروحين واستكملت بعدها الاغنية حتي آخرها. والأهم من ذلك انه احيانا يكتب اغنياته وشاركه في التأليف صديقه الملحن بليغ حمدي وهذا لم يعرفه سوي المقربين جدا من كوكبته. وعن جانب آخر في شخصية حليم من وجهة نظر الخال وفي حديث من القلب ليس لاستدعاء الشخصية لانه وعلي حد قول الابنودي ان حليم لم يتركنا لانه جزء منا وبداخلنا وحليم كان دائما المنقذ لمن حوله فهو شيخ هذه المجموعة واكثر منهم علما بالموسيقي رغم عدم قدرته علي عزف معظم الآلات وامام هذه الموهبة المتكاملة والصوت الصادق وكلمات من القلب وموسيقي تحتوي كل ذلك مجسدة صورة خلدت في وجداننا, مما دفع محمد الموجي الي ان يضحي بصوته واعطاه هدية لصوت العندليب واكتفي الموجي بالتلحين وابدع مع حليم. واضاف كان حليم صاحب تجربة عميقة في اكتشاف الموسيقي المصرية مع بليغ وان كانت الكلمات قد خانتهما ولم تكن علي مستواهما الفني. وحليم هو من أرخ ثورة يوليو52 ويعتبر مطربها الأول وقدمت معه حوالي18 أغنية وطنية ومن بينها عدي النهار والمسيح التي غناها عقب67 في قاعة' البرت هول' في لندن امام8 آلاف من الحضور وشكلنا ثنائيا في حب الوطن الاصيل القوي بشعبه مهما كانت المحن معبرة عن المواطن المصري واصالته وانتمائه لكل ذرة من تراب بلده وقدرته علي التحدي والتضحية لذلك فقد سجلنا ملحمة عن تاريخ شعب لايموت ولاينكسر, يسلم الراية من جيل لجيل. وخلال ثورتي25 يناير و30 يونيو استحضرنا الأغاني من جديد منها صورة واحلف بسماها وترابها, ابنك يقولك يابطل, وغيرها حين اجبرت الضرورة علي ذلك, كل هذا التاريخ والابداع جعلت حليم عايش معنا وسيعيش مع اجيالنا القادمة لأنه جزء من لحن تاريخنا.