نشأت الديهي يوجه التحية إلى النائب العام بسبب النفقة    في ختام ملتقى التوظيف والتدريب، رسائل رئيس جامعة القاهرة للطلاب والخريجين    الأكاديمية العسكرية تنظم حفلا لطلبة «الشرطة»    طفرة غير مسبوقة بالمطارات المصرية.. تراخيص كاملة وأيزو دولي يعززان القطاع عالميا    محافظ الفيوم يفتتح تطوير منتجع بانوراما شكشوك ب78 مليون جنيه    وكيل زراعة الغربية يتفقد زراعات القمح بمركز زفتى استعداداً لموسم الحصاد    المونوريل غرب النيل يقترب من التشغيل الكامل | صور    مدبولى: الالتزام بعدم المساس بالخدمات المقدمة للمواطنين    مصر تعزز موقعها في برمجيات السيارات.. افتتاح مركز ذكاء اصطناعي لشركة Valeo بالقرية الذكية    الأصول الآمنة في ظل حالة عدم اليقين العالمي    رئيس الوزراء يُتابع مستجدات مشروع إنشاء مركز عالمي لتخزين وتوريد وتجارة الحبوب والزيوت في مصر    أمريكا تقاتل إيران.. والصين تحصد غنائم التحول الأخضر    بعد لقائه مع الرئيس السيسي، مستشار ترامب يشيد بدور مصر في تحقيق الاستقرار الإقليمي    تقديرات أممية وأوروبية: 71 مليار دولار لإعمار قطاع غزة    الطاقة الذرية: أي اتفاق بين إيران وأمريكا دون إشراك الوكالة الأممية سيكون "وهما"    حسام حسن في مجلس النواب غدا لبحث استعدادات كأس العالم    الزمالك يستعيد جهود عمر جابر قبل المواجهة المرتقبة أمام بيراميدز بقمة الدوري    بعثة «رجال طائرة الأهلي» تغادر مطار القاهرة للمشاركة في بطولة إفريقيا برواندا    تيليجراف: مانشستر يونايتد يستهدف ضم تشواميني لتعويض رحيل كاسيميرو    وزير الرياضة يشهد افتتاح بطولة كأس العالم للرماية    يايسله: كنا نستطيع تسجيل المزيد في فيسيل كوبي    محافظ المنوفية: الدفع ب 10 سيارات إطفاء للسيطرة على حريق مخزن الأدوية بمعهد الكبد    المتهمة بالتخلص من رضيعها بقنا: «مش عايزة حاجة تربطني بزوجي»    ضبط نصف طن دقيق مدعم قبل بيعها بالإسماعيلية    الأرصاد: غدا طفس مائل للحرارة نهارا مائل للبرودة ليلا.. والعظمى بالقاهرة 26    إحالة أوراق 4 متهمين بقتل شخص في سوهاج إلى فضيلة مفتى الجمهورية    أنشطة ثقافية وترفيهية لمكتبة مصر العامة بالإسماعيلية    «الموسيقيين» ترد على شائعة وفاة هاني شاكر | خاص    بهاء حلال ل "كلمة أخيرة": إسرائيل تستنسخ نموذج الخط الأصفر في جنوب لبنان    بعد تشييع الجثمان.. موعد ومكان عزاء والد الفنانة منة شلبي    115 مليار جنيه ل «التأمين الشامل» ب5 محافظات    "زفة" تنتهي في القسم.. ضبط سائق متهور استعرض بسيارته فوق كوبري    السيد البدوي يصدر قرارًا بتأسيس "اتحاد رجال الأعمال الوفديين"    للاستعداد للامتحانات.. تفاصيل اجتماع رئيس «التعليم العام» مع المديريات والموجهين    الخارجية تكشف آخر تطورات وفاة الدكتور ضياء العوضي في الإمارت (فيديو)    انشقاق قائد بارز في قوات الدعم السريع وانضمامه للجيش السوداني    مصر تدين المخطط الإرهابي الذي استهدف أمن واستقرار دولة الإمارات    "أسوأ من تعاملت معهم في حياتي".. عبد الرحمن شيكا يهاجم إدارة مودرن سبورت    الاحتلال الإسرائيلي يعتدي على رئيس مجلس "بيت دجن" شرق نابلس    مامارداشفيلي يبعث برسالة طمأنة لجماهير ليفربول بعد إصابته في الديربي    عميد طب أسيوط يترأس اجتماعا لمجلس الكلية    رمضان عبد المعز: المال الحرام لا يقبله الله والدعاء مرتبط بطهارة مصدر الرزق    نقل النواب توصي بصيانة وتطوير الطرق في بورسعيد ودمياط والإسماعيلية    السياحة تطلق نسخة مطورة من منصة الحجز الإلكتروني لزيارة المتحف الكبير    لأول مرة بمستشفى بدر الجامعي.. إنهاء معاناة نزيف مزمن لثلاث سنوات بتقنية القسطرة التداخلية كبديل آمن لاستئصال الرحم    جريمة بشعة في قنا.. أم تتخلص من رضيعها بالسكين لرفضها العودة لزوجها    درسٌ قاسٍ من ليبيا وإيران لكوريا الشمالية.. الأسلحة النووية الخيار العقلاني لأكثر الأنظمة جنوناً في العالم    جامعة العريش تطلق ميثاق التنمية المستدامة في شمال سيناء    المسلماني: ماسبيرو يعود للدراما التاريخية بمسلسل الإمام السيوطي.. وعرضه في رمضان 2027    بعد إعلان رحيله رسميًا.. هل قتل الطبيب ضياء العوضي على يد عيال زايد؟    قد تولد المنحة من رحم المحنة    الأوقاف تحذر عبر «صحح مفاهيمك»: الدنيا دار ابتلاء بس إياك تفكر في الانتحار    نائب وزير الصحة تبحث مع الجامعات تعزيز التعاون لتنفيذ الاستراتيجية الوطنية للسكان والتنمية    غدا.. توزيع جوائز مسابقات توفيق الحكيم للتأليف المسرحي    «الصحة»: انطلاق البرنامج التأهيلي لمبادرة «سفراء سلامة المرضى»    تعرف علي حكم حج الحامل والمرضع.. جائز بشروط الاستطاعة وعدم الضرر    فتاوى الحج.. ما حكم استعمال المٌحرم للكريمات أثناء الإحرام؟    يارا السكري: دوري في «علي كلاي» كان من أصعب الأدوار.. وفقدت صوتي في مشهد وفاة الأخ    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإخوان‏..‏ والصعود إلي الهاوية‏6‏

ونستمر في سرد رؤية الإخوان ومرشدهم الأول حول قضية الديمقراطية والتعددية السياسية والحزبية‏,‏ ولكن هذه المرة ننتقل من رؤية البنا النظرية الي الرؤية العملية‏.
‏ ففي محاولة للانتقال من النظري إلي العملييؤكد البنا أن‏:‏ الإخوان‏,‏يجعلون فكرة الخلافة والعمل لإعادتها في رأس مناهجهم‏.(‏ مجموعة رسائل الإمام حسن البنا دار التوزيع والنشر الإسلامية الطبعة الأولي‏1992,‏ ص‏144).‏ الخلافة التي يريدها لاتتسع بطبيعة الحال للأحزاب والحق في الاختلاف معه دون التورط في خلاف مع الدين‏!.‏الإخوان بدورهم لايقرون الاختلاف معهم‏,‏ فبرنامجهم هو الإسلام‏,‏ ومعارضتهم بالتبعية ليست إلا معارضة للدين‏.‏ يقول البنا‏:‏ وهذا الإسلام الذي يؤمن الإخوان به يجعل الحكومة ركنا من أركانه‏,‏ ويعتمد علي التنفيذ كما يعتمد
علي الإرشاد‏.(‏ المرجع السابق‏,‏ص‏136).‏
سياسة الإخوان هي الإسلام‏,‏ والاختلاف المسموح به لاينبغي له أن يتجاوز التفاصيل الصغيرة‏,‏ أما الإطار العام فلا يحتمل الجدل‏.‏
الدولة الدينية هي الهدف الأسمي‏,‏ ومن المنطقي والبديهي أن يقود الإخوان هذه الدولة لأنهم حماة الدين دون غيرهم‏,‏ ومن الحتمي أن تدفن الظاهرة الحزبية لأنها أداة تنافر وشقاق‏:‏
إن مصر لايصلحها ولاينقذها إلا أن تنحل هذه الأحزاب كلها‏,‏ وتتألف هيئة وطنية عاملة تقود الأمة إلي الفوز وفق تعاليم القرآن الكريم‏.‏
‏(‏المرجع السابق‏,‏ ص‏147).‏
الحزبية نتاج الحضارة الغربية‏,‏ والمسلمون في غني عن تقليد الظاهرة الوافدة والتشبث بها‏,‏ففي تراثهم مايغنيهم‏,‏ وفي دستورهم الإلهي الشامل مايكفي لسعادتهم في ظل الخلافة‏:‏
وإن أكبر مايخشاه الإخوان أن تندفع الشعوب الشرقية الإسلامية في تيار التقليد‏,‏ فترقع نهضتها بتلك النظم البالية التي انقضت علي نفسها وأثبتت التجربة فسادها وعدم صلاحيتها‏.‏
إن لكل أمة من أمم الإسلام دستورا عاما فيجب أن نستمد مواد دستورنا العام من أحكام القرآن الكريم‏(‏ المرجع السابق‏,‏ ص‏48).‏
الضرورة السياسية قد تدفع الشيخ حسن البنا إلي إخفاء أوراقه الحقيقية وكتمان أفكاره أو محاولة تجميلها‏,‏ وعندما تتغير الظروف الموضوعية‏,‏ وتلوح فرصة التصريح‏,‏ يسارع البنا بالكشف عن نواياه‏:‏
أعتقد أيها السادة أن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف أو في بعض البلدان‏,‏ فهي لاتجوز في كلها‏,‏ وهي لاتجوز في مصر أبدا‏,‏ وبخاصة في هذا الوقت الذي نستفتح فيه عهدا جديدا‏,‏ ونريد أن تبني أمتنا بناء قويا يستلزم تعاون الجهد وتوافر القوي والانتفاع بكل المواهب‏,‏ والاستقرار الكامل والتفرغ التام لنواحي الإصلاح‏.‏
‏(‏المرجع السابق‏,‏ ص‏166).‏
ويقول أيضا‏:‏
وإذا جاز لبعض الأمم التي استكملت استقلالها وفرغت من تكوين نفسها أن تختلف وتتحزب في فرعيات الأمور‏,‏ فإن ذلك لايجوز في الأمم الناشئة أبدا‏(‏ المرجع السابق‏,‏ ص‏167).‏
ويصل إلي غايته بقوله‏:‏
أيها الإخوان لقد آن الأوان لأن ترتفع الأصوات بالقضاء علي نظام الحزبية في مصر‏,‏ وأن يستبدل به نظام تجتمع به الكلمة وتتوحد به جهود الأمة حول منهاج إسلامي صالح‏.‏
‏(‏المرجع السابق‏,‏ ص‏168)‏
الحزبية لاتجوز في مصر أبدا‏,‏ ولاتجوز في الأمم الناشئة بشكل عام‏,‏ ولابديل عن‏:‏
القضاء علي نظام الحزبية في مصر‏,‏ والنظام البديل هو الحكم الشمولي تحت مظلة الدين‏,‏ والإخوان وحدهم هم القادرون علي قيادة مثل هذا النظام‏,‏ فهم حماة الدين وحراسه والمؤمنون الحقيقيون به‏!.‏
الحزبية عند حسن البنا تهمة شائنة ورذيلة ينبغي التبرؤ منها‏,‏ وهي أداة للتناحر والتقسيم والكيد والانتصار للمناهج الوضعية وخدمة الأهواء وتحقيق مصالح الأعداء‏!‏
وإن كانوا يريدون بالوطنية تقسيم الأمة إلي طوائف تتناحر وتتضاغن وتتراشق بالسباب وتترامي بالتهم ويكيد بعضها لبعض‏,‏ وتتشيع لمناهج وضعية أملتها الأهواء وشكلتها الغايات والأغراض وفسرتها الأفهام وفق المصالح الشخصية‏,‏ والعدو يستغل كل ذلك لمصلحته ويزيد وقود هذه النار اشتعالا يفرقهم في الحق ويجمعهم علي الباطل‏,‏ ويحرم عليهم اتصال بعضهم ببعض وتعاون بعضهم مع بعض ويحل لهم هذه الصلة به والالتفاف حوله‏,‏ فلا يقصدون
الإدارة‏,‏ ولا يجتمعون إلا زواره‏,‏ فتلك وطنية زائفة لاخير فيها لا لدعاتها ولا للناس‏(‏ المرجع السابق‏,‏ ص‏21).‏
لا خير في الحزبية ولا جدوي منها‏,‏ ويأبي الشيخ إلا أن يجعل من مقولته هذه طلبا شعبيا عاما‏,‏ ولنتأمل في قوله‏:‏
لقد انعقد الإجماع علي أن الأحزاب المصرية هي سيئة هذ الوطن الكبري‏,‏ وهي أساس الفساد الاجتماعي الذي نصطلي بناره الآن‏.(‏ المرجع السابق‏,‏ ص‏326).‏
السيئة الكبري لا تكمن في الاحتلال الإنجليزي‏,‏ ولا تتمثل في إفساد السراي للحياة السياسية‏,‏ ولا علاقة لها بالخلل الاجتماعي والتفاوت الطبقي الرهيب‏,‏ لكنها في النظام الحزبي‏!‏
إي اجماع هذا الذي انعقد؟ وكيف توجد الأحزاب المصرية وتستمر في ظل الاجماع الوهمي الذي يشير اليه الشيخ؟‏!‏ علي الحزبيين ان يتخلوا عن احزابهم‏,‏ والإخوان قادرون علي استيعاب الجميع‏:‏
ونحن الآن وقد اشتد ساعد الدعوة وصلب عودها واصبحت تستطيع ان توجه ولا توجه وان تؤثر ولا تتأثر نهيب بالكبراء والأعيان والهيئات والأحزاب ان ينضموا إلينا‏,‏ وان يسلكوا سبيلنا وان يعملوا معنا وأن يتركوا هذه المظاهر الفارغة التي لا غناء فيها‏(‏ المرجع السابق‏,‏ ص‏125).‏
حزب واحد يقود‏,‏ وزعيم واحد بلا منافس‏,‏ وإصلاح داخلي له‏,‏ الأولوية دون تحديد‏,‏ والمستقبل بعد ذلك كفيل بالبحث عن نظام سياسي لا يتخلي عن الوحدة التي يفرضها الإسلام‏,‏ الإسلام كما يفهمه البنا‏.‏
تحت عنوان حل الأحزاب المصرية يقول البنا‏:‏ وإذا كان الأمر كذلك فلا ندري ما الذي يفرض علي هذا الشعب الطيب المجاهد المناضل الكريم هذه الشيع والطوائف من الناس التي تسمي نفسها الأحزاب السياسية؟ ان الأمر جد خطير‏,‏ ولقد حاول المصلحون ان يصلواإلي وحدة ولو مؤقتة لمواجهة هذه الظروف العصيبة التي تجتازها البلاد‏,‏ فيئسوا واخفقوا ولم يعد الأمر يحتمل انصاف الحلول‏,‏ ولا مناص بعد الآن من ان تحل هذه الأحزاب جميعا‏,‏ وتجمع قوي الأمة في حزب واحد يعمل لاستكمال استقلالها وحريتها‏,‏ ويضع اصول الإصلاح الداخلي العام‏,‏ ثم ترسم الحوادث بعد ذلك للناس طرائق في التنظيم في ظل الوحدة التي يفرضها الإسلام‏.(‏المرجع السابق‏,‏ ص‏327).‏
هذه رؤية المؤسس والمرشد الأول لمفاهيم الحزبية وللعمل الحزبي وهي رؤية تصل في تحليلها الأخير لرفض فكرة التعددية السياسية والحزبية‏,‏ وتمثل نوعا من الاستعلاء الذي تصبغه الجماعة علي نشاطها ورؤيتها وحركتها وعلاقتها بالأحزاب والقوي السياسية الأخري‏.‏
الإخوان والواقع السياسي المصري‏:‏
تعامل الإخوان مع الواقع السياسي المصري الذي كانت تشكله قوي عديدة أهمها القصر والوفد‏(‏ حزب الأغلبية‏)‏ والإنجليز‏,‏ لكن لا بأس من التعامل مع قوي أخري مثل مصر الفتاة‏,‏ وأحزاب ومنظمات اليسار المصري‏,‏ وكذا أحزاب الأقلية‏,‏ خاصة عندما تكون في الحكم‏.‏
كل هذه التفاعلات نرصدها في هذا الجزء من الدراسة ونبدأ بالقصر ثم نختم بالوفد‏,‏ وبين القطبين الكبيرين‏,‏ تأتي مصر الفتاة واليسار وأحزاب الأقلية‏.‏
أولا‏:‏ الإخوان والقصر
كان القصر الملكي احد اضلاع المثلث الذي يمثل القوة الفاعلة في إدارة شئون الحياة السياسية المصرية قبل ثورة‏23‏ يوليو‏1952,‏ ويتمثل الضلعان الآخران للمثلث في حزب الوفد‏,‏ وهو الحزب الأكثر شعبية ونفوذا في الشارع المصري وفي الإنجليز‏,‏ قوة الاحتلال والدولة ذات الخصوصية والقدرة علي التأثير بسفارتها وجيشها معا‏.‏
كان الملك أحمد فؤاد حريصا علي احكام قبضته علي المؤسسات الدينية‏,‏ لا عن صلاح وتقوي‏,‏ وإنما لرغبته الملحة في استثمار الرصيد الشعبي الكبير لهذه المؤسسات في صراعاته السياسية‏,‏ من أجل الاستحواذ علي كل مؤسسات الدولة‏,(‏ السيد يوسف‏:‏ الإخوان المسلمون‏,‏ ج‏6,‏ ص‏21).‏
لقد تهدد نفوذ الملك بصدور دستور‏1923,‏ الذي جاء باصلاحات سياسية متعددة‏,‏ أعادت للأزهر روحه الوطنية فصدر القانون رقم‏15‏ لسنة‏1927‏ الذي نظم الدراسة بالأزهر وأدخل أقساما علمية جديدة وكذلك حد من تدخل الملك في شئون الأزهر‏,‏ وأصبح تعيين شيخ الأزهر مشتركا بين الحكومة والملك وانتهي عهد استخدام احفاد محمد علي شيوخ الأزهر لتبرير سياستهم والتي وصلت إلي ذروتها بتشجيع الخديو توفيق للشيخ الشربيني الذي كان مناوئا للاصلاح في الأزهر‏,‏ ولكن الشربيني استقال عندما فطن لذلك‏,‏ بل إن الشيخ الجيزاوي والذي صدر قانون‏1927‏ في عهده عارض رغبة الملك فؤاد في تعيين نفسه خليفة للمسلمين بعد إلغاء اتاتورك للخلافة ولم يكن للجيزاوي رغم ذلك موقف ديني وسياسي من إلغاء الخلافة وهذا يبرره وقوع مصر في ذلك الوقت تحت الاحتلال الانجليزي وانعدام الدور السياسي الخارجي للأزهر‏,‏ وبتولي المراغي أحد المطبقين لسياسة محمد عبده الإصلاحية‏,‏ أصبح للأزهر دوره السياسي وإن كان محدودا فقد دعا المراغي إلي التوفيق بين المسلمين علي اختلاف مذاهبهم سنة وشيعة وانشأ مراقبة للبعوث والثقافة الإسلامية تتولي نشر تعاليم الإسلام في الخارج من خلال استقدام الوافدين او ارسال المبعوثين‏,‏ وكان تولي الظواهري بمثابة تقنين لإصلاحات محمد عبده عن طريق انشاء هياكل تنظيمية للأزهر‏,‏ فأنشئت كليات متخصصة بناء علي القانون‏1949‏ لسنة‏1930‏ الذي كان الشيخ وراء صدوره‏,‏ وكذلك تكون المجلس الأعلي للأزهر‏.‏
وقد بدأ حسن البنا دعوته وعينه علي القصر الملكي‏,‏ وحاول أن يرتبط به‏,‏ علي اعتبار أنه من مصلحة العرش ان تكون جماعة الإخوان ركيزة له‏,(‏ السيد يوسف مصدر سابق ص‏19).‏
كان الإخوان حريصين علي اسداء المديح للملك فؤاد والثناء الدائم علي سلوكه الإسلامي‏,‏ وتوالت مراثيهم له بعد موته‏,‏ وأشاروا فيها إلي أنه حامي الإسلام ورافع رايته‏,‏ وقد رثته صحيفة الإخوان بما يجذب عطف ولي عهده عل بأسلوب الجماعة كمانشرت عدة
مقالات تهدف إلي دعوة ولي العهد للتمسك بالتقاليد الإسلامية التي كان يتحلي بها والده‏!‏ وتصف الفاروق بسمو النفس وعلو الهمة وأداء فرائض الله واتباع أوامره واجتناب نواهيه‏.(‏نفسه‏,‏ ص‏20)‏
كما تكتب نفس الصحيفة في عدد آخر فتشيد بالفاروق وتصفه بالمربي والاستاذ والمثل الأعلي‏.‏
وكتب حسن البنا في مجلة الإخوان المسلمون سنة‏1356‏ ه‏(1937/2/9)‏ بعنوان حامي المصحف يقول‏:‏ إن‏300‏ مليون مسلم في العالم تهفو أرواحهم إلي الملك الفاضل الذي يبايعهم علي أن يكون حاميا للمصحف فيبايعونه علي أن يموتوا بين يديه جنودا للمصحف‏,‏ وأكبر الظن أن الله قد اختار لهذه الهداية العامة الفاروق فعلي بركة الله يا جلالة الملك ومن ورائك أخلص جنودك‏.(‏ مجلة الإخوان المسلمون‏,‏ العددان‏6‏ و‏10‏ 1936).‏
وعند توليه فاروق ملكا‏,‏ ظهرت أصوات تطالب بأن يتم التتويج في حفلة دينية‏,‏ تقام في القلعة‏,‏ ويقلده فيها الشيخ المراغي شيخ الجامع الأزهر آنذاك وأحد معلمي فاروق سيف جده محمد علي‏,‏ أو أن تقام الحفلة لأداء اليمين الدستورية‏,‏ فيؤم الملك الناس إثر التتويج باعتبار أنه الإمام الذي تصدر باسمه أحكام الشريعة‏.‏
قاوم النحاس باشا زعيم الوفد ورئيس الحكومة ذلك‏,‏ ورأي فيه إقحاما للدين فيما ليس من شئونه وإيجاد سلطة دينية خاصة بجانب السلطة المدنية‏,‏ واعتبر أن إقامة الحفلة الدينية إلي جانب أداء اليمين أمام البرلمان إنما يكون معناه أن الملك يتلقي بعض سلطته من غير البرلمان‏.‏ ووصف النحاس باشا الحركة التي تنادي بتطبيق الشريعة أنها وليدة مؤامرة يراد بها تعويق مسيرة مؤتمر إلغاء الامتيازات الأجنبية‏.‏
ورد عليه البنا أن هذه الحركة وليدة واجب حتمي مفروض‏,‏ إن لم يقم به الناس فقد أثموا إثما عظيما‏,‏ ويفسر ذلك أن استعراض الإخوان لجوالتهم يوم تنصيب فاروق ملكا‏,‏ كان في إحدي وظائفه تعويضا عن تلك الحفلة الدينية التي استعيدت فيها أجواء معركة‏1924‏ حول الخلافة وترشيح الملك فؤاد لها‏.(‏ عبد الرحيم علي‏:‏ أزمة تيار التجديد‏,‏ ص‏27‏ و‏28).‏
وعندما اختلف النحاس مع القصر‏,‏ خرجت جماهير الوفد تهتف الشعب مع النحاس‏,‏ فسير الشيخ حسن البنا مظاهرات مضادة تهتف الله مع الملك‏,‏ وأطلق المتظاهرون الإخوان علي الفاروق لقب أمير المؤمنين‏!.‏
ويذهب ريتشارد ميتشل إلي اتهام فرقة جوالة الإخوان بأنهم قاموا بدور شرطي القصر‏,‏ كما انه يتهم الإخوان بتلقي مساعدات من أحزاب الأقلية وبعض زعمائها‏,‏ دعما للملك نكاية في الوفد‏.(‏ ريتشارد ميتشل‏,‏ ج‏1,‏ ص‏78).‏
وفي مواجهة هذه الانتقادات الحادة‏,‏ يري عمر التلمساني هذا الكلام مسموم ومغرض‏,‏ ثم يصف مزايا جوالة الإخوان قائلا‏:‏ كانت الجوالة لها مظهرها المحترم الرهيب‏,‏ وأراد الأستاذ البنا أن يشعر الملك فاروق بقوة هذه الجماعة‏,‏ كما أراد أن يفهمه من طريق خفي أن عليه أن ينصرف عن المنكرات التي يرتكبها والاستهتارات التي يقوم بها‏,‏ وأن في مصر شبابا مستعدا لحماية هذا الدين حماية فعليه‏,‏ ففي أعقاب عودته‏(‏ فاروق‏)‏ من الخارج عام‏1937‏ استقبلته جوالة الإخوان استقبالا رائعا أدهشه هو نفسه‏,‏ وما كان الاستقبال احتراما للملك أو ترحيبا به‏,‏ وإنما كانت الفكرة من وراء هذا الاستقبال أن يشعر الملك وعن رؤية واقعية بمدي قوة هذه الجماعة‏,‏ وانها تستطيع أن تفعل الكثير‏.(‏ ابراهيم قاعود‏:‏ عمر التلمساني شاهدا علي العصر‏,‏ ص‏48).‏
ويعلق السيد يوسف علي التبرير الذي يقدمه التلمساني‏,‏ بقوله‏:‏ ولا أدري إن كان هذا الدفاع تبرئة للإخوان أم إدانة لهم‏,‏ فهو أقرب إلي الإدانة منه إلي الدفاع‏,‏ لأنه يعترف بارتكاب الملك للمنكرات في نفس الوقت الذي تحتفل به الجوالة ويناديه الإخوان بأمير المؤمنين ويؤيدون طموحه لاعتلاء منصب الخلافة‏,‏ ثم هو يعترف أيضا بأن تأييدهم للملك كان وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية وانه لم يكن تأييدا مخلصا بل كان نفاقا وخداعا وفي أحسن الأحوال تهديدا وإرهابا وابتزازا سياسيا‏.(‏ السيد يوسف مصدر سابق‏,‏ ص‏29).‏
ويري بعض المؤرخين أن علاقة الإخوان بالقصر ورجاله‏,‏ علي ماهر باشا تحديدا‏,‏ كانت من أسباب الانشقاق الذي شهدته صفوف الجماعة سنة‏1939,‏ وأسفر عن تكوين جماعة شباب محمد‏,‏ فقد رفض المنشقون ان يصبح الإخوان أداة في يد علي ماهر‏,‏ لمحاربة الوفد وتدعيم نفوذ القصر الملكي‏.‏ ريتشارد ميتشل مصدر سابق‏,‏ ص‏49).‏
وبلغ من حرص القصر علي العلاقة بالاخوان ان الملك سعي لتحسين صورتهم أمام الانجليز‏..‏ فقد أخذ حسين سري باشا رئيس الوزراء في السعي لتحسين صورة الإخوان لدي السلطات البريطانية‏,‏ التي اكتشفت أن رئيس الوزراء يفعل ذلك بناء علي تعليمات الملك‏.(‏ السيد يوسف مصدر سابق‏,‏ ص‏36).‏
وعندما يعتقل حسن البنا‏,‏ بناء علي تقارير من المخابرات البريطانية حول قيام الإخوان بدعاية مضادة لانجلترا واستعدادهم لعمليات تخريبية ضد منشآت بريطانية‏,‏ يسعي مجلس النواب ومساندة ضغط القصر للإفراج عن حسن البنا‏,‏ وهو ما تم بعد أقل من شهر من اعتقاله‏.‏
وعقب خروجه من المعتقل عاد البنا أكثر حرية وأكثر نشاطا يجوب البلاد للدعوة لجماعته ويتمتع وحده دون بقية الأحزاب والهيئات بحرية الحركة والخطابة والاجتماع‏.‏
وعن مساعدة الملك للإخوان قال السفير البريطاني في القاهرة ان القصر الملكي بدأ يجد في الإخوان أداة مفيدة‏,‏ وإن الملك أصدر بنفسه أوامر لمديري الأقاليم‏(‏ المحافظين‏)‏ بعدم التدخل في أنشطة الإخوان‏..(‏ نفسه ص‏39).‏ وإلي لقاء‏.‏


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.