قال كتاب ان الشيخ الراحل محمد عبده من أوائل من رسخوا لمفهوم الوطنية بمعناه الحديث, اذ تبني الشيخ في كتاباته دعاوي المواطنة وسعي ترسيخها في الخطاب الاسلامي المعاصر. وعرض الباحث الدكتور مصطفي لبيب عبد الغني استاذ الفلسفة بجامعة القاهرة في كتابه نظرات في فكر محمد عبده الذي صدر مؤخرا عن هيئة الكتاب لجوانب اربعة من فكر الامام الخصب وهي: ريادته للبعث الفلسفي في مصر الحديثة,وعبقرية التفسير للنص القرآني, واجتهاداته في الفتوي تأسيسا لفقه الضرورة ومراعاة لأحوال المسلمين المتجددة, واخيرا ترسيخه لمفهوم الوطنية وسعيه لازالة التناقض الموهوم بين المواطنة والاسلام. وتضمن الكتاب ايضا تفسيرات لبعض الآيات القرآنية وبعض فتاوي الامام محمد عبده مثل( فتوي تعدد الزوجات, وفتوي اباحة الاشتغال بالفنون) وغيرها من الفتاوي التي استجابت لحاجات العصر فجاءت تلك الفتاوي رحمة للمستضعفين ودلالة للحائرين وتنبيها للغافلين. ويذكر المؤلف سؤال الامام الجوهري وهو كيف نقهر اغتراب الوعي الديني فنستعيد للانسان ذاته بعد أن تصدع وجوده واستكان لعبادة آلهة موهومة مالها عليه من سلطة؟ فالامام حمل علي عاتقه مهمة إعادة بناء التفكير الديني واقترنت هذه المهمة عنده بمنهج تأويل النص وكان التأويل عنده سبيلا لفض حجب الدلالة وتفتح الوجود استنادا من التسليم بأن اللغة الانسانية هي مسكن الموجود ومن خلالها يتم تجاوز الاغتراب وذلك ليس عن طريق لغة سقيمة تصدع بنيانها. ويستكمل الكاتب بانطلاق الامام في فهمه للنص من الايمان بصوابه المطلق ومن أن الدعوة الاسلامية بلاغ للعالمين ويكشف عن حسه النقدي وتمثله الصحيح للدين ووظيفته في حياة البشر فرأي الامام ان حكم الآية يعمل بها بصرف النظر عن سبب نزولها فقد خاطب الله بالقرآن الكريم من كان في زمن التنزيل لا لخصوصية اشخاصهم بل لأنهم من افراد النوع الانساني الذي أنزل القرآن لهدايتهم وحاول الامام في مسيرته الفكرية التي عاش فيها مع القرآن الكريم بقلبه وعقله ان يتجاوز حالة اغتراب الذات بالعودة الي الأصول والانصات والي نداء الوجودالحقاي كلمة الله فيعتقد البعض ان محمد عبده ممثل للفكر الاعتزالي في العصر الحديث وبالرغم من ميل الامام لبعض شيوخ هذا المذهب الا انه لم يكن تابعا لهذا المذهب. ومن الجدير بالذكر ان الامام الراحل محمد عبده حصل في يوليو عام1899 علي لقب مفتي العصر وكان يستشيره العامة وأعلام الشيوخ المسلمين من مصر وخارجها علي اختلاف مذاهبهم الفقهية فعرف عنه التقريب بين المذاهب فكان مفتيا لأقباط مصر ولمختلف الجاليات المسيحية الاوروبية ومن المعروف ان آخر ومضات بصيرة الامام قبل رحيله عن عالمنا عام1905 كانت تفسيره للآية السادسة والعشرين بعد المائة من سورة النساء.