كوريا الجنوبية تدرس سبل السماح لسفنها بعبور مضيق هرمز    صندوق أوبك يطلق حزمة ب1.5 مليار دولار لمساعدة الدول على إدارة الضغوط المرتبطة بالطاقة    نص مشروع تعديل قانون التأمينات الاجتماعية والمعاشات بعد الموافقة عليه    "الغرف السياحية": لا حج إلا عبر القنوات الرسمية.. ولأول مرة تطبيق خدمة «حاج بلا حقيبة»    الجيش اللبناني يعلن مقتل عسكري وشقيقه في غارة إسرائيلية جنوبي البلاد    الملك تشارلز لترامب: "لولا بريطانيا لكنتم تتحدثون الفرنسية"    «الوطني الفلسطيني» يحذر من مخطط استيطاني جديد بالضفة الغربية    حسونة: استخدمت مع بطل تونس "الخداع الذهبي".. وتدربت عليها كثيرا وأحلم بميدالية عالمية    فيفا يعتمد "قانون فينيسيوس".. طرد مباشر للاعبين بسبب تغطية الفم أثناء الشجار داخل الملعب    فبركة مدينة نصر.. كشف كذب صاحب فيديو "بلطجة الأجانب" وتخريب السيارات    هيئة سلامة الغذاء تضبط منتجات غذائية منتهية الصلاحية بمركز أرمنت    المعاينة: اختلال عجلة القيادة من سائق النقل وراء حادث أتوبيس كرداسة.. صور    محافظ الإسماعيلية يعتمد جداول امتحانات الفصل الدراسي الثاني للعام الدراسي    السجن المشدد 15 عاما للمتهم بقتل مواطن حاول منعه من التعدي على والده في الشرقية    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    موعد ميلاد هلال ذو الحجة ووقفة عرفات وعيد الأضحى المبارك 2026    "الإحصاء": تراجع معدل البطالة إلى 6.3% عام 2025    تفاصيل لقاء السيسي ورئيس جامعة هيروشيما اليابانية (صور)    وزير الشباب: الصالة المغطاة بالعريش نموذجا لتحويل المنشآت الرياضية لمراكز متكاملة لصناعة الأبطال    أول ظهور للحاكم العسكري في مالي بعد هجمات دامية.. ويؤكد: الوضع تحت السيطرة    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير.. خيري بشارة: كابوريا نقطة تحول بعد أفلام الواقعية    1 مايو.. مصمم الاستعراضات الإسباني إدواردو باييخو يقدم عرضه الشهير «اللغة الأم» على مسرح السامر    عاجل غارات إسرائيلية مكثفة تتجاوز "الخط الأصفر" إلى شمال الليطاني جنوب لبنان    الدوري المصري، الاتحاد السكندري ضيفا على المتصدر دجلة في مجموعة الهبوط    وزير الداخلية: عمال مصر يمثلون أحد أعمدة البناء الأساسية    رئيسة القومي للطفولة تطالب بإعداد برنامج تأهيلي للمقبلين على الزواج    مجلس جامعة بني سويف يوافق على تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات والندوات بكليات ومعاهد الجامعة    كارثة إثيوبية جديدة، شراقي: توربينات سد النهضة توقفت والبحيرة ممتلئة    وزير التعليم العالي يتابع أداء الجامعات المصرية في التصنيفات الدولية    القبض على قاتل زوجته وابنته ب36 طعنة في الجيزة بعد 5 أيام من الهروب    الدولار يسجل 445.39 جنيها للشراء في بنك السودان المركزي    وزير التخطيط: نتطلع لآفاق أوسع من التعاون مع البنك الإسلامي للتنمية    رئيس الرقابة المالية يشهد توقيع بروتوكولات تعاون لتطوير كوادر القطاع المالي غير المصرفي    الدوري المصري، موعد مباراة الجونة وحرس الحدود والقناة الناقلة    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    حملة "صحتنا حياتنا" بجامعة قناة السويس: طلاب علوم الرياضة يقودون مبادرة توعوية لمواجهة أمراض سوء التغذية    خلافات على الأرض.. النيابة تحقق في واقعة سرقة محصول قمح بالشرقية بعد ضبط المتهم الرئيسي    صحة غزة: المستشفيات استقبلت خلال ال24 ساعة الماضية 5 شهداء و7 إصابات    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    الأرصاد تكشف تفاصيل حالة الطقس اليوم.. احذروا الظواهر الجوية    قمة أوروبية مشتعلة الآن.. أرسنال في اختبار صعب أمام أتلتيكو مدريد بنصف نهائي دوري أبطال أوروبا 2026 (بث مباشر + القنوات والتشكيل)    ترامب: الملك تشارلز يتفق مع منع إيران من امتلاك قنبلة نووية    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    قصر العينى يشهد اجتماعا علميا مصريا فرنسيا موسعاً لتعزيز الأبحاث المشتركة    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    وزير الخزانة الأميركي: ضغطنا الاقتصادي تسبب بتضاعف التضخم في إيران وانخفاض عملتها بشكل حاد    شراكة صحة دمياط والصيادلة تعزز القرار الصحي لخدمة الأسرة    ترتيب هدافي دوري أبطال أوروبا بعد مهرجان أهداف مباراة سان جيرمان وبايرن ميونخ    الأهلي وسبورتنج يتأهلان إلى نهائي دوري السوبر لكرة السلة للسيدات    مشروب الزعتر البارد الأقوى لتهدئة الكحة والحساسية    محمد مختار جمعة: قوة الردع هي الضمانة الأكيدة للسلام.. وجيش مصر يحمي ولا يبغي    خبيئة الكرنك.. الدماطي يكشف قصة ال17 ألف تمثال التي غيرت خريطة الآثار المصرية    استشاري يكشف علامات تحسن مستوى السكر وأعراض ارتفاعه والتفرقة بينهما    بالكعبة وملابس الإحرام.. تلاميذ ابتدائي يجسدون مناسك الحج بفناء المدرسة في بني سويف    خالد الجندي يوضح علامات أولياء الله الصالحين    هل تُجزئ النوافل عن فوائت الصلوات المفروضة؟ ومتى يسقط ترتيبها؟.. الأزهر يجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



مياه النيل بين دول المنبع ودول المصب‏21‏ يونيو‏2010‏
بقلم‏:‏ الصادق المهدي

الإمام الصادق المهدي‏:‏ منذ مؤتمر ستوكهولم‏1982‏ م قيل إن الماء سوف يحل مكان الطاقة كقضية سياسية أساسية في العقد القادم‏,‏ ومنطقة الشرق الأوسط هي الأكثر حساسية في هذا الصدد وتبين أنه نتيجة لعوامل كثيرة فإن المنطقة منذ بداية القرن الحادي والعشرين سوف تحتاج في عام‏2025‏ لأربعة أضعاف ماتستهلكه يومئذ‏.‏
لذلك ينبغي أن تتبع في كل الدول خطة أمن مائي تزيد من العرض وترشد الطلب
‏1‏ هناك مصادر مختلفة للمياه غير مياه الأنهار ان ربع سكان المنطقة العربية يعتمدون علي المياه الجوفية أو المياه المحلاة من مياه البحار‏.‏
ولكن أكثر من‏50%‏ من سكان المشرق العربي يعتمدون علي مياه الأنهار‏.‏
‏2‏ مجري نهر السنغال مشترك بين خمس دول هي‏:‏ السنغال مالي وموريتانيا وغينيا وتوجد احواض مشتركة بين تونس والجزائر وبين الجزائر والمغرب ولكن الأحواض الكبيرة ذات الأهمية الإستراتيجية في المنطقة هي ثلاثة أحواض وهي الأكثر عرضة للتأزم وهي‏:‏ حوض النيل حوض دجلة والفرات وحوض الأردن‏(‏ حوض نهر الأردن يشمل الأردن‏,‏ سوريا‏,‏ وإسرائيل‏)‏ وهناك أنهر أخري‏:‏ العاص وهو ينبع في لبنان ويمر بسوريا‏,‏ ولواء الاسكندرون التابع لتركيا‏,‏ والليطاني الذي ينبع ويصب في لبنان ولكنه في جزء من مجراه الأسفل تحت سيطرة إسرائيل أما الرافدان فمنابعهما في تركيا ومجراهما في سوريا والعراق‏.‏
إن لحوض الأردن مشاكل كثيرة مرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي‏.‏
والآن إسرائيل تعتمد في ثلثي المياه التي تستخدمها علي نهر الأردن وتفرض إرادتها بالقوة الأوضاع فيما يتلق بنهر الأردن خاضعة لقرصنة مائية ولا حل يرجي إلا ضمن سلام عادل يحسم النزاع علي الأرض وعلي المياه‏.‏
أما في حوض الرافدين فمصدر التأزم هو أن تركيا تعتبر المياه كسائر الموارد الطبيعية ملكا للبلاد التي تنبع فيها وهي التي تتحكم فيها وفي الأنصبة التي تقررها لدول المجري والمصب‏.‏
الأمر في حوض النيل مختلف فلا توجد تعقيدات المشكلة العربية الإسرائيلية كما في حوض الأردن ولا ادعاء دول المنابع ملكية المورد المائي‏.‏
‏3‏ حوض النيل يجمع عددا من الدول من المنابع حتي المصب كالآتي‏:‏
‏*‏ النيل الأبيض ينبع من بحيرة فكتوريا وهي مشتركة بين أوغندا‏,‏ وكينيا‏,‏ وتنزانيا
‏*‏ أكبر الروافد المغذية لبحيرة فكتوريا نهر كاجيرا وهو ينبع من رواندا وبوروندي‏.‏
‏*‏بعد خروج النيل من بحيرة فكتوريا يدخل بحيرة ألبرت وهي مشتركة بين الكونجو وأوغندا‏.‏
‏*‏نهر السوباط والنيل الأزرق‏,‏ ونهر عطبرة‏,‏ روافد منحدرة من أثيوبيا وأحد روافد نهر عطبرة‏,‏ هو نهر ستيت الذي يمر باريتريا‏.‏
‏*‏ النيل الأبيض بتكوينه المذكور‏,‏ والنيل الأزرق‏,‏ يلتقيان في الخرطوم ومعا يشكلان النيل الذي يصب فيه شمالا نهر عطبرة ومنها جميعا يتكون النيل الذي يجري في السودان الشمالي ويخترق مصر من جنوبها حتي البحر الأبيض المتوسط حيث مصب النيل‏.‏
لأسباب كثيرة طبوغرافية‏,‏ وجغرافية‏,‏ واقتصادية صار النيل شانا مصريا علي طول تاريخه وهذا الواقع قننته الاتفاقيات التي أبرمتها السلطات السياسية التي حكمت مصر ودول المنابع‏.‏ وهي اتفاقيات تلتزم بموجبها دول المنابع ألا تحدث شيئا في النيل يؤثر سلبيا علي تدفق مياهه نحو الشمال‏.‏
مقدار الأمطار التي تهطل علي مناطق أعالي النيل مع اختلاف في التقديرات تبلغ‏2000‏ مليار متر مكعب ولكن الذي ينحدر منها في مجري النيل‏84‏ مليار متر مكعب في المتوسط مكونة من الوافد المختلفة كالآتي‏:59%‏ من النيل الأزرق‏(‏ أثوبيا‏)14%‏ من السوباط‏(‏ أثيوبيا‏)‏
‏12%‏ من نهر عطبرة‏(‏ أثيوبيا وأريتريا‏)15%‏ من بحر الجبل‏(‏ منطقة البحيرات‏)‏ أي جملة الوارد من الهضبة الأثيوبية‏85%‏ و‏15%‏ من منطقة البحيرات
‏4‏ أول تعديل في التعامل مع النيل حصريا لمصر حدث في عام‏1929‏ م عندما أوقعت بريطانيا عقوبات علي مصر بسبب اغتيال السير لي إستاك في القاهرة عام‏1924‏ م اتفاقية مياه النيل لعام‏1929‏ م خصصت‏4‏ مليارات مترمكعب للسودان بموجب اتفاقية مصرية بريطانية‏.‏
السودان هو أوسع بلدان حوض النيل امتلاكا لأراض زراعية لذلك كانت أولي المشاكل بين السودان ومصر بعد استقلال السودان متعلقة بمياه النيل ومطالبة السودان المستقل بمزيد من المياه علي لسان السيد ميرغني حمزة وزير الري السوداني رحمه الله وفي منتصف عام‏1958‏ م سمعت الإمام عبد الرحمن المهدي عليه الرضوان يقول إن الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله قال له لماذا تحرصون علي التعامل مع البنوك البريطانية لا المصرية؟ قال‏,‏ قلت له تعاملنا معها للضرورة نوافق علي أن تحل البنوك المصرية محلها‏.‏ وفي نفس السياق تحدث عن ضرورة الاتفاق مع مصر حول مياه النيل لاسيما ومصر تستعد لإنشاء السد العالي‏.‏
وذكر استعداد مصر أن يخصص للسودان‏17‏ مليار متر مكعب زيادة علي حصته الحالية لتكون‏21‏ مليار متر مكعب وأن يكون تعويض أهالي حلفا مبلغ‏30‏ مليون جنيه هذه المعلومة أيدها السيد عبدالفتاح المغربي رئيس الدورة لمجلس السيادة في نوفمبر‏1958‏ م ودونها في خطاب نشره في صحيفة الأيام العدد‏5013‏ بتاريخ‏1967/4/7‏ م ولكن في‏1958/11/17‏ م وقع الانقلاب العسكري الأول وبعد عام أبرم اتفاقية مياه النيل المصرية السودانية لعام‏1959‏ م كانت مياه النيل شأنا مصريا وبعد هذه الاتفاقية صارت شانا مصريا سودانيا أي ثنائيا‏.‏
‏5‏ بطرق مختلفة أبدت دول المنابع تحفظها علي هذه الاتفاقية‏,‏ وفي الاجتماعات الكثيرة التي عقدت تحت عنوان مؤتمر النيل لعام‏2002‏ م أبدت دول المنابع استعدادها للتعاون في المسائل الفنية والتنموية وطالب بعضها بأساس قانون جديد لمياه النيل‏.‏
زيادة الطلب علي المياه العذبة ظاهرة كونية فقد زاد استهلاكها خلال القرن العشرين عشرة أضعاف ويتوقع أن يزيد بنفس القدر أثناء القرن الواحد والعشرين لسببين‏:‏ زيادة هائلة في عدد السكان وارتفاع مستوي المعيشة‏,‏ ثم أن تطور التكنولوجيا فتح مجالا لنقل المياه لمناطق أخري عن طريق الأنابيب‏,‏ وتوليد الكهرباء عن طريق السدود‏.‏
دول منابع النيل مدركة للاتفاقيات القديمة وبتوارث الاتفاقيات الدولية لكنها تحتج بغياب إرادتها السياسية في الماضي وبمستجدات جعلتها تطالب بحقوق في مياه النيل‏.‏
والنيل واحد من‏300‏ نهر متعد للحدود القطرية مما جعل الأمم المتحدة تبرم اتفاقية لاستخدامات المجاري المائية أي الأنهار في عام‏1997‏ م هذه الاتفاقية ليست كافية لحسم الاختلافات بين دول حوض النيل بل قامت علي مبدأين يمكن لطرفي النزاع الاستشهاد بهما هما‏:‏
الأول‏:‏ الالتزام بالحقوق المتعلقة بالمجري المائي‏(‏ النهر‏)‏ الناشئة من اتفاقيات سابقة‏.‏
الثاني‏:‏ يجوز للأطراف المعنية أن تنظر في تحقيق اتساق هذه الاتفاقيات مع المبادئ الواردة في هذه الاتفاقية‏(‏ وهي مبادئ تتطلع لتحقيق العدالة‏)‏
لذلك اختلفت مواقف دول حوض النيل من هذه الاتفاقية‏:‏ فالسودان وكينيا أيدتا الاتفاقية وبورندي عارضتها ومصر وأثيوبيا ورواندا وتنزانيا امتنعتا عن التصويت وأوغندا واريتريا والكونغو غابوا عن الجلسة هذا يدل علي اختلاف دول حوض النيل حول الأحكام العامة التي قررها القانون الدولي‏.‏
‏6‏ والقضية ليست فنية فالنيل بقيادة مصر من أكثر الأنهر العالمية توثيقا من الناحية الفنية وهو كذلك من أكثرها تعاونا بين دوله من الناحية الفنية وقد استطاع وزراء الري فيه عبر المنابر المشتركة أن يحققوا درجة عالية من تبادل الخبرات‏,‏ والمعلومات‏,‏ والتدريب‏.‏
‏7‏ القضية هي خلاف بين إرادة الإبقاء علي الوضع القانوني في مياه النيل علي ماهو عليه والذين يريدون تغييره لأنه لايعترف لهم بحقوق ويلزمهم بواجبات ومع أن هذا التباين صار واضحا منذ سنوات لم تنشأ خطة ذكية للتعامل معه مع أن التعاون الوفاقي بين دول الحوض ضروري لاستقرار الأوضاع‏,‏ ولحماية بيئة النيل‏,‏ ولمشروعات زيادة تدفق مياه النيل في مجراه‏.‏
‏8‏ وفي عام‏1997‏ م لمست خطورة الموقف لأن رئيس وزراء أثيوبيا قال لي‏:‏
مهما طالبنا مصر بالتفاوض حول استخدامات مياه النيل تمنعت وسوف يأتي يوم نتصرف انفراديا وبعد أسبوع من ذلك اللقاء التقيت الرئيس حسني مبارك ولدي الحديث عن مياه النيل قال لي‏:‏ مياه النيل خط أحمر لانسمح لأحد مسه هذه المواقف مع المناخ المشحون في تعليقات الكتاب والباحثين دفعني للتنقيب في قضية مياه النيل ونشر كتابي مياه النيل‏:‏ الوعد والوعيد
الكتاب بعد بحث الموضوع من جميع جوانبه يخلص لحقيقة أن القضية ليست فنية‏,‏ ولا هي قانونية‏,‏ بل قضية سياسية اقتصادية تتطلب القيام بتشخيص صحيح لجوانبها المختلفة ووضع مشروع اتفاق جديد تبرم بموجبه اتفاقية تحسم مسألة الحقوق والواجبات في حوض النيل‏,‏ وتفتح المجال لتعاون يصون بيئة النيل‏,‏ ويزيد تدفق مياهه‏,‏ ويمكن دول الحوض من تحقيق أمنها المائي والغذائي وتعاونها التنموي‏.‏
‏9-‏ الخلاف حول مياه النيل يقوم علي اختلاف حقيقي بين تطلعات دول منابع النيل ومصالح دولتي المجري والمصب صاحبتي الحقوق في الاتفاقيات الراهنة‏.‏ وعلينا‏:‏
أولا‏:‏ ألا نطعن في وعيهم ووطنيتهم باعتبار مطالباتهم مجرد أصداء لتحريض الأعداء‏.‏ الأعداء علي استعداد دائم لاستغلال أي فرصة للوقيعة والتفرقة المهم ألا نتيح له الثغرات‏.‏
ثانيا‏:‏ ألا نفكر بأسلوب اللجوء للقوة لحسم الاختلافات فالقوة تزيد الأمر تعقيدا وتفتح أوسع المجالات للأعداء الاستراتيجيين وفي النهاية لا حل إلا عبر التراضي‏.‏
‏10-‏ منذ عام‏1999‏ م انطلقت مبادرة حوض النيل وقد ضمت جميع دول حوض النيل بهدف إبرام اتفاقية للتعاون بين دول الحوض‏.‏ الاتفاقية مجرد إطار عام تكون بموجبه مفوضية لبحث التفاصيل‏.‏
أقول‏:‏
أ‏-‏ الأسس المتفق عليها في هذا الاتفاق الإطاري لتحديد العدالة في حصص مياه النيل أسس معقولة‏.‏
ب البنود المتعلقة بالأمن المائي ملزمة ولا يجوز تعديلها إلا بالتراضي‏.‏
ج آليات التحكيم في حالة وقوع اختلاف بين الدول آليات معقولة وعادلة‏.‏
د أما الفقرة‏14‏ المختلف علي بعض ما ورد فيها فنصها كالآتي‏:‏ بالنظر للفقرة‏5,4‏ تدرك دول الحوض أهمية الأمن المائي لكل منها‏.‏ وهي تدرك كذلك أن التعاون‏,‏ والإدارة‏,‏ والتنمية لمياه النيل تحقق الأمن المائي لها ومنافع أخري لذلك اتفقت الدول بروح التعاون علي‏:‏
‏(‏أ‏)‏ العمل معا لتأكيد أن من حق كل دولة تحقيق الأمن المائي‏.‏
‏(‏ب‏)‏ هنالك نصان‏:‏
نص اتفقت عليه دول المنابع وهو‏:‏ الالتزام بعدم المساس المؤثر بأمن أي دولة من دول الحوض المائي‏.‏
النص المقترح من مصر والسودان وهو‏:‏ عدم السماح بأي تأثير سالب علي الأمن المائي لأية دولة‏.‏ وعدم المساس بالاستخدامات الحالية‏.‏ وبالحقوق الحالية‏.‏
وقرر الوزراء المجتمعون في كنشاسا في الكنغو في‏2009/5/22‏ م أن موضوع النص المختلف عليه وهو‏14(‏ ب‏)‏ يلحق بما فيه من اختلاف بالاتفاق الإطاري ويحول للمفوضية لحسمه في ظرف ستة شهور‏.‏
ومنذ أن قررت‏6‏ دول التوقيع علي الاتفاق الإطاري ورفضت دولتان تعكر المناخ السياسي في دول حوض النيل وتبودلت الاتهامات والتهديدات‏.‏
ولكن بصرف النظر عن تلك المساجلات فإن الأمر يتلخص في اتجاهين‏:‏
الأول‏:‏ الذين يريدون تغيير الواقع الحالي مع الالتزام بضمانات إيجابية لمصلحة دولتي المجري والمصب‏.‏
الثاني‏:‏ دولتا المجري والمصب اللتان تريدان الإبقاء علي الواقع كما هو‏.‏
‏11-‏ أقول‏:‏ الإبقاء علي الواقع كما هو مستحيل لأنه يفرض علي دول المنابع واجبات دون أدني حقوق‏.‏ والإبقاء علي الواقع كما هو غير صحيح لأنه يقفل الباب أمام أي مشروعات تنموية كبري وأي خطط تعاونية وهي مجالات يفتح المجال لها الاتفاق ويمنعها عدمه‏.‏ والإبقاء علي الواقع كما هو غير صحيح لأنه يمنع مشروعات زيادة دفق مياه النيل‏.‏ زيادة ممكنة عن طريق تحسين حصاد المياه علي طول النيل في مناطق هطول الأمطار في المنابع وفي المجري‏,‏ ويمنع تنفيذ مشروعات الزيادة في مناطق أعالي النيل المقدرة في جونجلي الأولي والثانية ومستنقعات بحر الغزال‏,‏ والسوباط بجملة‏20‏ مليار متر مكعب‏.‏
‏12‏ هنالك خطآن كبيران ارتكبا في مسألة حوض النيل‏:‏
الأول‏:‏ هو إغفال ملف مياه النيل في بروتوكول الثروة في اتفاقية السلام وهو ما نبهنا له في الماضي‏.‏ وكان ينبغي الالتزام بمشروعات زيادة دفق مياه النيل والاتفاق علي الوضع القانوني في النيل وعلي استخدام مياه النيل داخل السودان بصورة عادلة‏.‏ إن غياب أي اتفاقية حول مياه النيل في بروتوكول تقاسم الثروة جعل بعض المعلقين يقولون ما قاله يوهانس أجادين مدير منظمة العدل الأفريقية‏:‏ استخدام مياه النيل هو موضوع من الأرجح أن يسبب الاحتكاك مع الشمال مباشرة بعد التنموية‏.‏
الثاني‏:‏ هو السماح للاختلاف حول التوقيع علي الاتفاق الإطاري أن يصبح سبب استقطاب حاد بين دول حوض النيل لأن هذا الاستقطاب سوف يجر إلي طرفيه عوامل غير موضوعية تعمق الخلاف وتخلق التمترس المضاد‏.‏
ختاما‏:‏
القضية لن تحسم في إطار فني في إطار هندسة الري لأن دور الإطار الفني يأتي لتنفيذ ما يتفق عليه سياسيا‏.‏ ولن يحسم في إطار قانوني لأن المعطيات القانونية نفسها صارت محل اختلاف بين القبول والرفض‏.‏ الحل يكمن في إطار سياسي وهو وحتي الآن في حوض النيل قريب لسببين‏:‏
الأول‏:‏ هو أن دول المنابع تؤكد احترامها للحقوق المكتسبة وتؤمن بالملكية المشتركة لمياه النيل مخالفة في ذلك المنطق التركي الذي يعتبر مياه النهر ملكا لأهل المنبع‏.‏
الثاني‏:‏ هو أن دولتي المجري والمصب لدي إبرامها لاتفاقية مياه النيل في نوفمبر‏1959‏ والذي بموجبه قسمته المياه المتدفقة في مجري النيل بينهما ذكرتا لأول مرة في تاريخ علاقات النيل حقوقا لدول المنابع إذ جاء في الاتفاقية االثنائية النص الأتي‏:‏ نظرا إلي أن البلاد التي تقع علي النيل غير الجمهوريتين المتعاقدتين تطالب بنصيب في مياه النيل‏.‏ فقد اتفقت الجمهوريتان علي أن يبحثا معا مطالب هذه البلاد ويتفقا علي رأي موحد بشأنها‏.‏ وإذا أسفر البحث عن إمكان قبول أي كمية من إيراد النهر تخصص لبلد منها أو لآخر فإن هذا القدر‏,‏ محسوب عند أسوان يخصم مناصفة بينهما‏.‏
المطلوب من قيادات بلدي المجري والمصب الرسمية والشعبية التحرك بوعي وإحاطة للخروج من الحجر الذي انحشرت فيه قضية مياه النيل لتحقيق إمكان النيل الوفاء بحاجة أهل الحوض المائية والكهرومائية‏,‏ فالنيل في الحقيقة نعمة للبلدان المتشاطئة عليه‏.‏
نعمة يمكن للتصرفات البشرية القاصرة أن تحيلها إلي نقمة كما هو الحال في كثير من النعم‏.‏
السيناريو الحميد هو احتواء الخلاف الحالي وتفعيل الديناميات التي تحقق معادلة كسبية لجميع دول الحوض‏.‏ والعمل علي ترجيح الوحدة العادلة بين شمال السودان وجنوبه أو الجوار الأخوي المحكوم باتفاقية إخاء أو تكامل بين دولتي السودان‏,‏ ويصحبه في حالتي الوحدة والانفصال اتفاق عادل بشأن استخدام مياه الأبيض ويمهد لمشروعات تنمية موارده‏.‏
أماالسيناريو الخبيث فهو تكريس الاستقطاب الحالي بين دول حوض النيل وحدوث انفصال عدائي بين شمال السودان وجنوبه‏.‏
إذا توافرت القيادة السياسية المبصرة ذات الوعي الإستراتيجي والإرادة السياسية الفاعلة ذات التحرك المؤثر فالنجاة ممكنة والمعادلة الكسبية واردة وإلا فالوبال علينا‏.(‏ إن الله لا يغير الله ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم‏),(‏ إنما يستجيب الذين يسمعون‏).‏
والسلام عليكم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.