فتحت واقعة تسريب التسجيلات الصوتية للرئيس الأسبق حسني مبارك من قبل الطبيب الخاص به ملفا بات مغلقا طيلة سنوات وهو أسرار المرضي لدي الأطباء والتي تعد سلاحا ذا حدين فإما أن يطوعها الطبيب لخدمة عمله المتمثل في تقديم الرعاية الصحية والنفسية الملائمة للمريض حتي يتم شفاؤه, وإما أن يتسلل الشيطان إلي نفسه ليفشي تلك الأسرار مقابل قدر من المال أو الشهرة الزائفة غير عابيء بميثاق شرف المهنة وسمعتها التي قد يتسبب بفعلته الطائشة في ضياعها.. لم تكن واقعة التسجيلات الصوتية هي الأولي من نوعها فبين الحين والآخر نسمع في وسائل الإعلام عن تسريب بعض الأسرار الشخصية للمرضي خاصة فيما يتعلق بالمشاهير من رجال الفن والسياسة من قبل الطبيب الخاص بهم مما يعني وجود خلل ما في منظومة العقاب. وفي السطور التالية نستعرض آراء فقهاء القانون وخبراء في الحقل الطبي لتفادي ارتكاب مثل هذه الأفعال, وكيفية مواجهتها. في البداية يعرف الدكتور أحمد شوشة فقيه قانوني السر الطبي حسب رأي بعض الفقهاء بأنه كل ما يعرفه الطبيب عن المريض من معلومات شخصية بحكم مزاولته للمهنة ويؤدي إفشاء هذه المعلومات إلي ضرر لشخص المريض أو عائلته. ويشدد علي تجريم إفشاء الطبيب لأسرار المرضي, لافتا إلي قسم المهنة الذي يقسم عليه الطبيب منذ بداية حياته المهنية, والذي يتضمن عبارة تنص صراحة علي حتمية كتمان أسرار المرضي وعدم إفشائها لأي سبب كان وهي عبارة وأقسم أن أحفظ للمرضي كرامتهم وأستر عورتهم وأكتم سرهم. ويلفت إلي أن لائحة آداب مهنة الطب الصادرة بقرار وزير الصحة رقم238 لعام2003 تشير المادة30 منها إلي عدم جواز إفشاء أسرار المرضي التي يتطلع عليها الطبيب بحكم مهنته إلا إذا كان ذلك بناء علي قرار قضائي أو في حالة إمكان وقوع ضرر جسيم ومتيقن يضر بالغير أو في الحالات الأخري التي يحددها القانون. ويضيف شوشة أن الحالات المحددة في القانون والتي يجوز فيها إفشاء سر المريض تتمثل فيما إذا كان الإفصاح عن هذا السر غرضه التبليغ عن جريمة ويكون للجهات الرسمية فقط أو إذا صدر له أمر بذلك من جهة قضائية, أو إذا كان إفشاء السر يهدف إلي التبليغ عن مرض معد أو سار, أو في حالة اضطرار الطبيب للدفاع عن نفسه أمام تهمة موجهة إليه من قبل المريض. وعلي الصعيد القانوني: يؤكد الدكتور شوشة أن إفشاء السر الطبي يمثل خرقا واضحا للقانون, إذ تنص المادة310 من قانون العقوبات والخاصة بالأطباء والجراحين وغيرهم ممن يقومون بالكشوفات الطبية للمرضي, علي عقوبة الحبس مدة لا تزيد علي6 شهور أو غرامة لا تتجاوز500 جنيه في حال ارتكاب أي طبيب جريمة إفشاء السر الطبي. ويؤكد ضرورة تغليظ عقوبة إفشاء الطبيب لأسرار المرضي حتي تكون رادعة, لأن هذه الأسرار لابد وأن تحاط بضمانات كثيرة, لأن إفشاءها قد يؤدي لعواقب وخيمة ومدمرة للعائلات والعلاقات الإنسانية, كما أن هذا الفعل المشين من شأنه أن يفقد الثقة في الأطباء ويؤثر علي سمعة مهنة الطب برمتها, منوها إلي ضرورة تغليظ العقوبة لتشمل الشطب من مهنة الطب بدون سابق إنذار, بخلاف العقوبات الجناية التي يحددها القانون. ويتفق معه سيف النصر السيد عضو مجلس نقابة المحامين مؤكدا أن إفشاء السر الطبي يقع تحت بند التشهير في قانون العقوبات, كما أنه يعد خيانة للأمانة التي ائتمنها المريض علي الطبيب, لافتا إلي أن هذا الفعل هو أكثر ما يمكن أن يؤثر علي سمعة الطبيب ومستقبله المهني. ويوضح أن الحفاظ علي أسرار المرضي هو جزء لا يتجزأ من أمانة الطبيب, لأنه يقوم بعمل خدمي يحمل في طياته جميع معاني الإنسانية والقيم النبيلة, فبجانب قيامه بعلاج المرضي والحد مما يعانونه من آلام, عليه أن يكون حريصا علي كتمان ما يفصح عنه المريض من معلومات بداية من اللقاء الأول بينهما وتحديد نوع المرض مرورا بفترة العلاج ثم الشفاء التام من المرض. ويشير سيف النصر إلي أن المريض الذي يتعرض لخيانة الأمانة من قبل الطبيب الخاص به, عليه الإسراع في التقدم ببلاغ للنيابة العامة, والتي تقوم بالتحقيق مع الطبيب المشار إليه وتقييم الواقعة من الناحية القانونية لإصدار الأحكام المناسبة بشأنها بعد سماع شهادة الشهود. ويضيف أن النيابة إذا ما رأت واقعة البلاغ تشكل جريمة فإنها تحيلها مباشرة إلي محكمة الجنح للفصل فيها, أما إذا رأت أن الواقعة ستشكل إخلالا بمهنية الطبيب فحسب فتقوم بإحالة القضية برمتها إلي نقابة الأطباء لتوقع الأخيرة الجزاء الملائم علي الطبيب ومحاسبته مهنيا بجريمة الإخلال بمبادئ المهنة وأخلاقيتها. ويري الدكتور حمدي السيد أستاذ جراحة القلب بكلية طب عين شمس ونقيب الأطباء السابق ضرورة عدم اللجوء إلي إفشاء أسرار المرضي من قبل الأطباء إلا إذا كان استجابة لأمر قضائي أثناء التحقيق في قضية ما, بحيث يكون لإفشاء هذه الأسرار أهمية في مسار التحقيق للكشف عن جريمة معينة أو رفع الظلم عن إنسان ما, وفي هذه الحالة يحل الطبيب من القسم الذي أقسم عليه ويكون سندا للقضاء بما لديه من معلومات عن المريض. وعن دوافع تلك الظاهرة التي تتكرر بين الحين والآخر, يوضح أنها تحدث نتيجة رغبة بعض الأطباء من ذوي النفوس المريضة والذين يرغبون في تحقيق بعض المكاسب المعنوية والإعلامية المتمثلة في اكتساب شهرة زائفة خاصة في حال إفشاء أسرار بعض المرضي المشهورين في المجتمع ككبار الفنانين والساسة, إلي جانب بعض المكاسب المادية. ويوضح حمدي السيد أنه في حالة اقتراف أي طبيب لهذه الجريمة, فإنه تتم إحالته فورا لمحكمة قضائية ومهنية, والمختصة بالتحقيق معه وتحديد الضرر الواقع علي المريض من جراء هذا الفعل, ثم الحكم بعقوبة مناسبة بحسب مدي الضرر والتي تتراوح بين الغرامة والفصل المؤقت والفصل الدائم من نقابة الأطباء. فيما يوضح الدكتور خيري عبد الدايم نقيب الأطباء ورئيس اتحاد المهن الطبية أن هذه الممارسات اللا أخلاقية تتكرر علي فترات زمنية متباعدة, فهي غير منتشرة في الحقل الطبي, لذلك فهي لا تمثل خطرا كبيرا علي سمعة المهنة بشكل عام, مؤكدا أنه لم يتعرض لمثل هذا النوع من الجرائم طوال مدة عامين متتاليين, وهي الفترة التي مرت علي توليه منصب نقيب الأطباء. ويوضح وجود جميع اللوائح والقوانين التي تضمن محاسبة أي طبيب تسول له نفسه تسريب معلومات خاصة بالمرضي, من خلال إحالته لمحكمة تأديبية تضم مستشارا من مجلس الدولة وآخر من القضاء, إلي جانب وكيل وعضو مجلس النقابة لتقدير الواقعة والحكم علي الطبيب إما بمنحه إنذارا أو إصدار أمر بغلق عيادته أو شطبه من جدول النقابة. /// مواطنون: الطبيب النفسي.. المتهم الأول! بحكم مهنتهم والتي تعتمد بالأساس علي فضفضة المريض وبوحه بكل أسراره للطبيب حتي يتمكن الأخير من تحديد مكمن المرض ومن ثم البدء في علاجه.. فالأطباء النفسيون هم أكثر الأطباء الذين تطالهم الشكوك وتلاحقهم الاتهامات بإمكانية تسريب أسرار المرضي, ويوضح عدد من المواطنين الذين يعانون من مشكلات اجتماعية ومادية ونفسية كبيرة أنهم يفضلون البوح بما في نفوسهم للأصدقاء المقربين أصحاب الثقة بدلا من اللجوء لطبيب نفسي غير مضمون علي حد قولهم.. فيما يؤكد عدد من الأطباء النفسيين أن مجال الطب النفسي كغيره من المجالات والتخصصات الأخري التي تضم الخبيث والطيب ويمكن التمييز بين الأطباء من خلال السمعة وحسن السيرة. فيلم كدا رضا علمني كتير.. بهذه الكلمات بدأ عصام مجدي, موظف, حديثه, لافتا إلي عدم ثقته في الأطباء النفسيين, منوها إلي أحداث الفيلم العربي كدا رضا بطولة الفنان أحمد حلمي والذي أوضح مدي خطورة أن يؤتمن الطبيب علي أسرار المريض, أو أن يتعرف الطبيب علي نقاط القوة والضعف الخاصة بالمريض, ويوضح أنه في حال مروره بحالة نفسية سيئة فإنه قد يلجأ لطبيب نفسي ذي ثقة, إلا أنه لن يعطي له كامل الأمان, بل سيكتفي برواية بعض التفاصيل المصغرة الخاصة بالمشكلة التي يعاني منها فقط. يظل خيار الذهاب لطبيب نفسي الخيار الأصعب علي الإطلاق مهما تفاقمت مشكلاتي الاجتماعية والنفسية, بهذه الكلمات أكدت سارة عادل محامية علي استبعادها اللجوء لطبيب نفسي مهما كانت تعاني من مشكلات نفسية, نظرا لأنها تخشي إفشاء أسرارها من قبل هذا الطبيب في يوم من الأيام, مؤكدة أنها تميل للبوح بأسرارها إلي صديقتها المقربة والتي تستمع لها وتحاول تقديم حلول لحل مشكلاتها. فيما يقول محمود سامي, موظف, يإحدي الشركات الحكومية, إن المجتمع المصري غالبا ما ينظر إلي الطبيب النفسي نظرة سيئة تؤدي إلي عزوف المواطنين عن اللجوء إليه إلا في الحالات المرضية القصوي والتي يصعب التعايش معها, ويشدد محسن جاد, بائع تحف وأنتيكات, علي ضرورة تغليظ العقوبات وعدم التهاون في التعامل مع مثل هذه الجرائم المخلة بمبادئ مهنة الطب, مؤكدا ضرورة الشطب نهائيا من نقابة الأطباء, من جانبه يقول الدكتور خالد السياجي طبيب نفسي إن الطبيب السيئ يوجد في كل التخصصات, مؤكدا أن الطبيب النفسي يحصل علي معلومات وتفاصيل إضافية عن حياة المرضي بخلاف الأطباء في مختلف التخصصات الأخري, مما قد يجعله دائما محل شك ونقد. ويوضح أهمية دور الطبيب في كسر حاجز الخوف لدي المريض وكسب ثقته منذ الجلسة الأولي, من خلال معاملته معه ومنحه كامل الحرية في اختيار ما يريد أن يفصح عنه ويشير السياجي إلي أن مريض الإدمان شكاك بطبعه ولا يثق في أي شخص, وبالتالي فهو يحتاج إلي مجهود مضاعف من قبل الطبيب لطمأنته ومنحه الشعور بالأمان, وهي العقبة الكبري الذي إذا اجتازها الطبيب تسهل عليه معالجة المريض. وفي السياق ذاته, تعتبر ندي عادل طبيبة نفسية أن الطبيب غير القادر علي الاحتفاظ بأسرار المرضي يعد مريضا ويحتاج للعلاج لأن أمانة الطبيب تعتبر من أساسيات المهنة, مؤكدة أن الأطباء الذين يلجأون لمثل هذه الجرائم يفقدون كل شيء بداية من ضمائرهم وحتي ثقة المواطنين فيهم ومستقبلهم المهني. ويشير مصطفي فهمي أمين صندوق الرعاية المصرية للطب النفسي إلي ضرورة توخي الحذر من قبل المرضي وإجراء التحريات اللازمة عن الطبيب قبل الذهاب إليه والتأكد من مدي مصداقيته وأمانته, مشددا علي ضرورة تغليظ العقوبة الخاصة بالأطباء النفسيين في حالة خرقهم لقوانين المهنة. /// علماء الدين: إفشاء السر.. حرام شرعا أجمع عدد من علماء الدين علي حرمة إفشاء الأسرار بصفة عامة والأسرار الطبية بصفة خاصة, لما يترتب علي ذلك من أضرار معنوية جسيمة لا يعلم مداها إلا الله, مؤكدين أن حفظ السر يندرج تحت مفهوم الأمانة التي نص القرآن الكريم وأشارت السنة النبوية إلي الحفاظ عليها.. يفرق الدكتور مبروك عطية الاستاذ بجامعة الأزهر بين السر المختص بالمرض والذي يجوز للطبيب الإفصاح عنه لذوي المريض إذا كان المرض خطيرا ويستدعي إخطار الأهل لأخذ التدابير اللازمة والسعي في طريق العلاج, بينما لا يجوز للطبيب مطلقا أن يفشي أسرارومعلومات المرضي الشخصية والتي اطلع عليها الطبيب بحكم مهنته. ويوضح أن إفشاء السر لا يقل عن خطورة ضياع المال الذي اؤتمن عليه شخص ما, لأن المال يمكن تعويضه أما الإفصاح عن السر قد يحدث ضررا ممتدا. ويوضح الدكتور عبد الغفار حامد هلال عميد كلية اللغة العربية الأسبق بجامعة الأزهر أن أمانة الطبيب تتضمن الإخلاص في العمل بجانب الحفاظ علي أسرار المرضي ويضيف أن الإفصاح بهذه المعلومات الخاصة قد تضر بسمعة المريض, أو استهانة الناس به, أو التعجب من شأنه, أو الطعن في أخلاقياته إذا ما تداولت الشائعات بشأن تلك المعلومات, مشيرا إلي أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحرص كل الحرص علي تعليم الخلق قيمة الأمانة وحفظ الأسرار في معاملاتهم اليومية.