في رواية حالات ريم للروائي المصري عادل عصمت الصادرة عن الكتب خان 2017 عدد من المقومات الجمالية والطاقات السردية الخاصة بهذا الصوت الروائي وهو ما يؤكد مشروعا سرديا مختلفا وله منطقته الخاصة، الرواية تقارب حالة خاصة من الاضطراب الإنساني والنفسي الشفيف لشاب في وقت افتقاد الزوجة بسبب وقوعها فريسة لحالة من الاضطراب والاكتئاب الغريبين، وهي لهذا تحاول أن تذهب بعيدا مع التحولات النفسية التي يعيشها الزوجان بعد هذه الحال من الاضطراب والتشويش اللذين سببهما زوج الأخت بما وراءه من تيار فكري مختلف أحدث خللا أو اضطرابا وخروجا عن التناغم النفسي أو الكوني الذي كانت تتمتع به الزوجة؛ ريم التي كانت محبة للرقص بما في ذلك من محبة الحياة والإقدام عليها، فالرقص في الأساس دال على قدر من التناغم الحركي من الكون ومع الإنسان والتناغم مع الجسد ومحبته والاستمتاع بطاقاته والخضوع لها. ثم يأتي صوت رجل الدين المزيف بمثابة الوشوشة الغريبة والغامضة التي تقع الزوجة فريسة لها وتفقد طبيعتها السابقة وتدفقها بما يجعلها خاضعة لنوبات متكررة من الاكتئاب والشرود والمزاجية الحادة. تمثل الرواية في مجملها نوعا من التتبع النفسي الجيد لملامح الشخوص وأحوالهم، وتعد من تلك الروايات التي تركز على الداخلي بدرجة أكبر ويصبح الخارج إطارا طبيعيا وحضوره حتمي ولكنه في الأساس لا يكون بالمساحة التي تصنع تشويشا على الهدف الأساسي للسرد من إكمال الملامح النفسية للشخصيات وإبرازها بقدر من التدرج الطبيعي في التحولات وبقدر من التفسير المنطقي أو المبرر في دوافع هذه التحولات وأسبابها. نلمس شخوصا تبدو جميعها مريضة نفسيا بشكل ما، حتى ليبدو الجميع مرضى نفسيين بشكل لا واع وبدرجات متفاوتة، فيبدو عالم الرواية بشكل كامل عالما مرضيا كله ويفتقد غالبية الشخوص هذا التناغم الطبيعي مع الحياة. للمكان في الرواية صورة خاصة وتحتاج إلى وقفة مدققة، إذ إن ملامحه حاضرة بقوة ولكن دون هيمنة تسلب الخطاب تركيزه على الجانب النفسي أو تشوش على الخط السردي الرئيس ويصبح الاستطراد مع ملامح المكان نوعا من الاستهلاك السردي الزائد عن الحد، بل هناك قدر عال جدا من التوازن في رسم ملامح كاملة لإطار مكاني واضح وملائم وفيه قدر من الدفء والاقتراب من الحياة الطبيعية وبخاصة الأماكن الضيقة من الشقق والغرف والصيدلية التي هي أماكن العمل، وفي الوقت نفسه لا يكون هناك الفصل بين المساحات التي يحضر فيها الوصف والمكونات الأخرى، بل تأتي الرواية في حال من الامتزاج والاستدعاء بناء على الارتباط السياقي أو النفسي أو الحضور الفيزيائي للشخصيات في المكان، لنكون أمام سرد من النوع الذي تأتي عناصره ممتزجة ببعضها. وعلى النحو ذاته من حضور المكان بهذه الكيفية تحضر الشخصيات ذات المساحة الأقل مما يحيط بهذين الزوجين من الأقارب والأصدقاء في قدر من التفاوت بحسب أهمية أي منهم بالنسبة للحال التي يعيشانها، فيبدو بعضها باهتا أو متواريا بدرجة كبيرة لتتركز الرؤية على مهاب وريم بما يكتنفهما من القلق والاضطراب. تتعمق مأساة الزوجين بالانفصال، فهما مكتئبان منفصلان، يعمق الانفصال مأساتهما ويذهب بهما في احتمالات واتجاهات عديدة من التجريب والعيش وفق أنماط حياتية غريبة مثل تجريب علاقات ببائعات الهوى أو المخدرات، ودون فقد الأمل في العودة مرة أخرى للاستقرار حسب ما يسعى الزوج الذي تأكد من قدر ارتباطه بزوجته وأنها بمثابة التحقيق الكامل لرجولته وإنسانيته، وكأنها المرآة الجلية التي رأى فيها نفسه لأول مرة وبدأ يعرف معها النجاح والاستقرار والسعادة. تمثل الرواية لوحة اجتماعية ونفسية زاخرة بالدلالات التي يتفاوت القراء في استقبالها، وتبرز بشكل كامل شخصيتا الزوجين بما يجعلهما قريبتين من المتلقي وضاغطتين عليه بحضورهما، فشخصية مهاب الذي تأتي عبره الرؤية لهذا العالم شخصية أقرب لهذا النموذج العصري للإنسان المصري المتأثر بالإطار المحيط به، يبدو واضح الملامح والقسمات الخارجية والداخلية ويطرح محتويات ذاكرته في نوع من الاسترسال في الاستدعاء والتجول في هذه المحتويات والتنقل الزمني بينها بقدر من الأريحية، ليغدو بعد هذا شخصية نابضة ومتحققة تلازم القارئ على نحو ما صنع في شخصية يوسف تادرس في روايته السابقة فيما يشكل منهجا لعادل عصمت يقتنع به من نقل ورسم مثل هذه الشخصيات الضاغطة بحضورها على المتلقي. نعرف القصة الكاملة لارتباطه بريم فيما يشبه حالا من الحب المرضي أو غير الطبيعي، ذاك النوع الذي يرغب المحب في الفرار منه خوفا من سطوته وقوته ويلمس القارئ أو يعاين عبر ما يأتيه من سرد التحولات التي تطرأ على هذا الزواج دون اختلاف كبير في مشاعر الزوج أو الزوجة ودون ما يحدث في العادة من زهد واعتياد، بل التحولات هنا نابعة من الإطار الاجتماعي المضطرب والغريب، فهم في النهاية جزء من النسيج الاجتماعي غير المستقر، فيما يجعل الزواج غير قابل لأن يكون جزيرة منعزلة في مجتمع لم يحقق فيه الإنسان استقلاله أو الابتعاد الكافي عن المؤثرات المحيطة ثقافيا ونفسيا. القصة التي يقدمها خطاب رواية (حالات ريم) إذا اعتمدنا على تفرقة جيرار جينيت في التفرقة بين الحكاية/القصة والخطاب، هي قصة محملة بعديد الأفكار والملامح والأسئلة عن مصير الإنسان في حال الارتباط وغيابه، في حال الزواج وغيابه، في حال الانعزال عن المجتمع والاندماج التام فيه بكافة صور العلاقات فيه بين أقارب وأصدقاء، وتؤكد أن النفس الإنسانية دائما هي موطن الأسرار والحكايات والغرابة وأنها منفتحة دائما على الجديد وغير المتوقع، وعلى النحو ذاته من تقديم الشخصيات تبدو ريم ولكن عبر حضورها في رؤية الزوج، وهذا الأمر فيه قدر كبير من التوفيق لأن الزوج يبدو مرآة لها وهو المشغول بتحولات أو المعني بهذه التحولات والمتأثر الأول فيما تبدو صورته هو الآخر في تحولاتها، بحيث يصبح كل منهما مرآة للآخر، لكن اتخاذ حياة الزوج وصورته دليلا على تحولاتها هو الأنسب لأن صورة الزوج هنا هي النتيجة أو هي الدليل على تحولاتها هي، بما يعني أن الزوج هنا يبدو في صورة رد الفعل والمحطة الأخيرة للفعل، حتى وهو مصاب وفي المستشفى ويأتي فعله للمرة الأولى حين أصيب في حادث وتكون هي رد فعل بأن تأتيه بابنته لتراه ويراهما بعض مدة من الغياب والانفصال وتبدو هي لأول مرة رد فعل فإنها في هذه المرة تأتي بحال جديدة من حالاتها وتقلباتها التي يبدو أنها لن تنتهي أو تتوقف، فتأتيه في نقاب وكأنها دائمة التغير والتطور وأصبحت كائنا ذا خصائص غريبة لن يكف عن تحولاته وهو دائما ما يكون له موقف وتأثر بهذه الحالات بشكل حتمي أو اضطراري بحكم التعلق والحب الذي يكتشف قدره مع الانفصال، حتى يقارب في أوقات معينة حالا من الجنون وافتقاد العقل ويفكر في إيذائها بصور مختلفة فلا يملكها أحد غيره. هناك سمة مهمة من سمات سرد عادل عصمت بشكل عام وفي هذه الرواية تحديدا وهي أنه من ذلك النوع الذي لا يثير ضجيجا أو صخبا دلاليا ويكشف عن معطياته الدلالية من البداية ويلح بها على القارئ، بل يطرح عالما يحاول القارئ أن يستنتج منه هذه الدلالات، فثمة نوع من تجنب المباشرة وإعطاء إجابات واضحة وصريحة وحلولا حاسمة أو رأيا في الأزمات التي تعيشها الشخوص. والراوي هو الراوي العليم لكنه بملامح خاصة ومغايرة، فهي الراوي العليم البشري وليس الصورة الفوقية أو الإلهية المحيطة بعلم كل شيء، بل يمكن وصفه بأنه الراوي المشارك الذي يتحدث عن نفسه ولكنه يميل نفسيا في حال السرد والتدوين إلى الانفصال بدرجة ما عن ذاته ليتمكن من رؤيتها بشكل أفضل، فمهاب الشخصية صاحبة المساحة الأكبر في فضاء الرواية حضر مرة أو مرتين يخاطب نفسه أو يأخذ موقع الراوي المشارك الذي يسرد الحكاية، بينما الصيغة اللغوية المعتمدة من البداية هي الراوي العليم المستخدم لصيغة ضمير الغائب، ولهذا يحضر اسمه ويتكرر، وهكذا الحديث عن كل الشخصيات بالاسم بما يعني أن الراوي ليس حاضرا أو ليس شخصية، ليتراوح بين هذا الحضور والانفصال ويقدم هذا النموذج الخليط الذي وإن غلبت عليه صفة الراوي العليم فهي تبدو صفة طارئة ومختارة بقصد الابتعاد عن الراوي المشارك، عموما هذا النموذج من الراوي العليم غير الفوقي أو البشري هو الأكثر منطقية وهو يمثل تحولا في النموذج الكلاسيكي المعهود من النمط الإلهي الذي يحيط بكل شيء دون مبرر منطقي. فرواية حالات ريم ليس فيها ما يغيب عن الراوي البشري أو يمثل معرفة إلهية لا يصل إليها البشر بل كل مرجعيتها المعرفية متاحة ويمكن للزوج مهاب أن يحيط بها لأنها خاصة بمشاعره ومشاعر زوجته وتحولاته، بل تبقى هناك دائما المساحة المجهولة من السر وراء هذه التحولات لدى الزوجة، ومن هنا يبقى قدر كبير من الغموض في تكوين هذه الشخصية وهو ما يحفز على الاستمرار في القراءة والتقدم في استكشاف هذه الشخصية أو هذا النموذج من المرأة التي تبدو ريشة في مهب الريح غير راسخة في توجهاتها واختياراتها الحياتية وذات بنية معرفية ونفسية هشة قابلة للخلخلة باستمرار وهذا ما يجعلها دائما صاحبة حالات وتحولات لا تنقطع.