وسط الصخب الذي أحدثته تسريبات بنما يدور جدل حول المؤامرة الامريكية لملاحقة الملاذات الضريبية في العالم، ويبدو انه في اطار تلك الحرب غير الرسمية تسعي سلطات العم سام لتضييق الخناق علي الشركات الامريكية التي تغير جنسيتها الي هوية الشركة التي تستحوذ عليها من اجل الافلات من شبكة الضرائب الامريكية. وتعد اوراق بنما آخر فصل -وليس الاخير- في فصول الحرب الدائرة علي جانبي الاطلنطي لجباية الضرائب من الشركات متعددة الجنسيات. وكما يراها البعض "حرب الكل ضد الجميع" تدخل مرحلة جديدة خطرة. في مطلع الشهر الحالي اعلنت وزارة الخزانة الامريكية الحرب علي الشركات الامريكية المتهربة من الضرائب بتغيير جنسيتها وبالفعل بعدها بيومين الغت شركة فايزر للصناعات الدوائية صفقة شراء "اليرجان" بقيمة 160 مليار دولار ثالث اكبر صفقة استحواذ في التاريخ التي كانت ستحول فايزر الي شركة ايرلندية وتنقل ملفها الضريبي الي مدينة دبلن. التداعيات لم تقتصر علي موجة الغضب التي اجتاحت مستثمري "اليرجان" بسبب خسارتهم نحو 13 مليار دولار في 48 ساعة فقط! علي اثر هبوط اسهم الشركة، لكن سادت ايضا الشركات الاوروبية حالة من الذعر مع احتمال ان تصبح ضحية للحرب الامريكية لجباية الضرائب. وتكشف تلك الواقعة في رأي تقرير لمجلة الايكونومست قصورا في النظام الضريبي الامريكي الذي يبلغ من العمر ثلاثين عاما وذلك بانتهاء صلاحيته في عصر العولمة. والواقع ان ضريبة الشركات في امريكا مرتفعة للغاية اذ تصل الي 39٪، وكما كانت عليه تقريبا منذ أواخر الثمانينات. هذا في حين انه منذ ذلك الحين خفضت دول غنية اخري ضرائبها الي 25٪ في المتوسط. في الوقت نفسه، اصبحت الشركات الامريكية اكثر عالمية. كما زادت تعقيدات اسواق المال وكذلك القوانين الضريبية بما يصل الي 4 ملايين كلمة. وقد استغلت الشركات الامريكية الفرصة الذهبية للتخلص من الفاتورة الباهظة للضرائب من خلال ثغرة تغيير الجنسية، وفي حين كان معدل الضريبة الفعلي المفروض علي جميع الشركات في العام المالي نحو 33٪ من الارباح المحلية قبل خصم الضرائب، فإن اكبر خمسين شركة مسجلة في امريكا دفعت ضريبة عالمية بما يساوي 24٪ فقط من ارباحها العام الماضي، اما آبل فدفعت 18٪ وفايزر 27٪. على الرغم من ارتفاع معدلات الضرائب وصرامة قوانينها في الولاياتالمتحدة فإن الشركات الامريكية تكبدت ضرائب اقل بكثير من نظيرتها الاوروبية، فدفعت اكبر 50 شركة اوروبية 35٪ من ارباحها العالمية ضرائب. هذا على الرغم من انه من حق السلطات الامريكية اسقتطاع جزء من الارباح التي تحققها الشركات الامريكية في الخارج علي عكس معظم الدول الاوروبية التي تستهدف جباية الضرائب علي الارباح المحققة محليا من الشركات العالمية. وعن طريق تسجيل ارباحها في فروعها المنتشرة في دول منخفضة الضرائب وتسجيل الديون وفوائدها في ميزانية الشركة الأم - بما يخفض ارباحها محليا ويزيدها خارجيا- تدفع الشركات الامريكية متعددة الجنسيات ضرائب اقل. الجدير بالذكر ان ضخامة حجم الارباح الخارجية غير الخاضعة للضرائب تثير استياء واسع النطاق، وفي حين قدّرتها وكالة موديز للتصنيف الائتماني بنحو 1.1 تريليون دولار فإنها بلغت تريليوني دولار في أواخر 2015 - بحسب ما توافر من بيانات. واكبر الشركات المتهربة من الضرائب آبل وفايزر ومايكروسوفت وجوجل وسيسكو وأوراكل. وعلي سبيل المثال اخفت آبل في الخارج 92 مليار دولار، وفايزر 80 مليار!. وبلغ متوسط معدل الضريبة الذي دفعته شركات آبل ومايكروسوفت ونايكي وامريكان اكسبريس وبنك اوف امريكا وويلز فارجو 10٪ او اقل. ويمكن للشركات التهرب من دفع الضرائب الامريكية بسهولة عن طريق شراء شركة اجنبية في بلد يفرض ضرائب منخفضة وتسجيل ارباحها العالمية في ذلك البلد. وهو ما يكون من اليسير اذا كانت الشركة تتميز بملكية فكرية لا وجود ماديا لها مثل الشركات التكنولوجية والدوائية. ولأن الشركة المدمجة لم تعد امريكية فبإمكانها ضخ الارباح العالقة كتوزيعات أرباح علي الاسهم واعادة شراء الاسهم دون الخضوع للضرائب الامريكية. يذكر انه منذ 2012 كان هناك ما يزيد على عشرين صفقة كبيرة لشراء شركات اجنبية للتهرب من الضرائب. اليرجان ذاتها كانت محل صفقتين سابقتين. ووفقا لتقرير نشرته "يواس ايه توداي" فإن 27 شركة امريكية كبري لم تدفع ضرائب علي الاطلاق في 2015 على الرغم من تحقيقها أرباحا، ومن بينها جنرال موتورز التي حققت أرباحا قبل خصم الضرائب بنحو7.7 مليار دولار، واتش بي وحققت 1.5 مليار وكذلك زيروكس وبلغت أرباحها 547 مليون دولار. وبحسب ما اعلنته شركات امريكية بنهاية 2015 فإن جنرال اليكتريك لديها 104 مليار دولار أرباحا خارجية مجمعة. ولدي الشركة فروع في جزر البهاما وبرمودا وايرلندا وسنغافورة. أما فايزر -ولديها فروع في جزر كايمان وايرلندا ولوكسمبرج وسنغافورة - فلديها 194 مليار دولار خارج موطن الشركة الاصلي في الولاياتالمتحدة. وكذلك كوكاكولا ولديها 3 أفرع في جزر كايمان لكنها لم تبرر أبدا كيف تحقق أرباحا بقيمة 31.9 مليار دولار هناك!. لكن من المؤكد ان تلك الشركات لديها لوبي قوي للحصول علي تخفيضات وامتيازات ضريبية علي أرباحها الاوف شور، بل تطالب الحكومة الامريكية بإعفاء الارباح التي تعيدها الي البلاد من الضرائب . وفي ظل ضخامة حجم الارباح العالمية للشركات الامريكية تظل مسألة استعادتها قضية انتخابية في السباق الرئاسي؛ فالمرشح الجمهوري دونالد ترامب وغيره يعدون بفرض ضريبة لمرة واحدة علي الارباح المحققة بالخارج بمعدل يتراوح بين 6 و10٪ (باراك اوباما اقترح 14٪). وتعد تسريبات أوراق بنما آخر -وليس الاخير- فصول الحرب الدائرة علي جانبي الاطلنطي لجباية الضرائب من الشركات متعددة الجنسيات. وكما يراها البعض "حرب الكل ضد الجميع" تدخل مرحلة جديدة خطرة. فخلال الفترة الاخيرة خضعت الاجراءات الضريبية الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات الي مزيد من التدقيق والمراقبة واتهمت السلطات الاوروبية عدة شركات امريكية بالتهرب الضريبي. وعلي الصعيد الاوروبي تتبع المفوضية الاوروبية نهجا ثوريا لمحاصرة التهرب الضريبي اذ تقدر خسائر دول الاتحاد بنحو 80 مليار دولار سنويا بسبب تحايل الشركات متعددة الجنسيات وذلك وفقا لإحصاءات الفاينانشال تايمز، لكن الخسائر الاجمالية لتهرب الشركات متعددت الجنسيات قدرتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بما يتراوح بين 100 و240 مليار دولار سنويا. ومن ثم يري 77٪ من البريطانيين ان علي رئيس الوزراء ديفيد كاميرون مسئولية اخلاقية لإرساء الشفافية حول الارباح العالمية للشركات البريطانية أوف شور. وكانت تسريبات "لوكس ليكس" قد كشفت من قبل عن صفقات سرية بين حكومة لوكسمبرج وشركات متعددة الجنسيات. وقد عقدت جوجل علي سبيل المثال صفقة مع الحكومة البريطانية لسداد 130 مليون جنيه أسترليني ( 187 مليون دولار) ضرائب متأخرة وهي الصفقة التي نالتها انتقادات مجلس العموم البريطاني بأن التسوية لا تتناسب مع حجم نشاط الشركة الكبير في المملكة -كانت جوجل قد تهربت من دفع 248 مليون في ايطاليا بين 2009 و2013. كما طالبت السلطات الفرنسية جوجل بدفع ما يزيد على مليار دولار ضرائب، ودفعت آبل غرامة 318 دولارًا في إيطاليا بسبب التهرب الضريبي كذلك.