متحدث الري: نبدأ حملات شاملة لإزالة التعديات على مجرى نهر النيل    الاتحاد الأفريقي يطالب إسرائيل بإلغاء اعترافها بأرض الصومال    إيفان يواس: عرض روسيا السيطرة على فنزويلا لترامب مجرد شائعات    موعد مباراة مصر وكوت ديفوار في ربع نهائي أمم أفريقيا 2025    لمقاومة السلطات وقتل طفل.. الإعدام شنقاً ل 8 أشخاص بحجيرات في قنا    رئيس الوزراء: اجتماع الأسبوع المقبل لمتابعة صعوبات تسجيل الوحدات البديلة للإيجار القديم    صلاة وترانيم، احتفالات عيد الميلاد المجيد بكاتدرائية العاصمة الإدارية (فيديو وصور)    رئيس الوزراء: مصر تتجاوز 19 مليون سائح في 2025 وتستهدف 30 مليونًا قريبًا    موعد مباراة الجزائر ضد نيجيريا فى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا 2025    خبير مصرفي: تحول تاريخي في صافي الأصول الأجنبية وتوقعات بتراجع الفائدة ل 11%    السوبر الإسباني - مؤتمر فالفيردي: كل شيء ممكن أمام برشلونة    أخبار كفر الشيخ اليوم.. طلاب التربية العسكرية يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    الأرصاد: غدا طقس دافيء نهارا شديد البرودة ليلا.. والصغرى بالقاهرة 12    «مشهد التفاهم بين الزوجين نادرًا».. نانسي عجرم تكشف حقيقة طلاقها من زوجها    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    محافظ الأقصر يزور الكنائس ويهنئ الإخوة المسيحيين بعيد الميلاد    الخطوط اليمنية تطلق رحلات جوية مباشرة من سقطرى إلى جدة لإجلاء السياح العالقين    تحصين الكلاب ب«عين شمس»    جهود مكثفة لكشف غموض مقتل عجوز بسوهاج    سكاي: تحديد موعد الكشف الطبي ل سيمينيو مع مانشستر سيتي    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    مطار العريش يستقبل طائرة المساعدات السعودية ال 78 لإغاثة قطاع غزة    الداخلية تضبط صانع محتوى لنشره مقاطع خادشة للحياء    نوال تلفت الأنظار بالقفطان المغربي في أغنيتها الجديدة «مسكرة»| فيديو    المخرج رامي إمام ضيف برنامج فضفضت أوي الليلة    شركة "بي بي" تؤكد التزامها بتعزيز استثماراتها في مصر وتسريع خطط الحفر والإنتاج    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    خاص: حكاية " الليثي" قاتل والده بقنا.. الإدمان رفض ان ينتهي بجولات "الدعوة" والتردد على" العباسية "    الأهلي يضع اللمسات الأخيرة على انتقال حمزة عبد الكريم إلى برشلونة    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وفاة المخرج المجري بيلا تار عن عمر 70 عامًا    محمد أنور وكارولين عزمي ورحمة أحمد على قنوات "المتحدة" في رمضان    موجة صقيع تجتاح أوروبا.. 5 وفيات وإلغاء مئات الرحلات الجوية    علي ماهر يعلن تشكيل سيراميكا لمواجهة إنبي بكأس عاصمة مصر    برلمانية: ملفات الصناعة والتجارة على رأس الأولويات لتحقيق التنمية    تحت رعاية مصطفى مدبولي.. «أخبار اليوم» تنظم معرض الجامعات المصرية في السعودية    العجواني: حل تحديات المصانع المتعثرة أولوية وطنية لدعم الصناعة والاقتصاد    استعدادات أمنية مكثفة لتأمين احتفالات عيد الميلاد المجيد    وزارة التعليم تعلن جداول امتحانات الطلبة المصريين فى الخارج للتيرم الأول    زكي عبد الحميد: قمة Creator Universe تخدم المستقبل الرقمي للإعلام العربي    عرفانًا بتضحياتهم، تنبيه مهم من القوات المسلحة لأسر الشهداء والمصابين فى الحروب السابقة    السطوحي: مسابقة الهوية البصرية بمهرجان المسرح فرصة لتوسيع نشاط الفن وجذب المصممين    مساعد ترامب: جرينلاند تنتمى بشكل شرعى لأمريكا    هل تتجنب إسرائيل التصعيد مع إيران؟ رسالة نتنياهو عبر بوتين تكشف التفاصيل    حكاية أزمة أحمد مكى مع مديرة أعماله من كشف الحساب لقسم شرطة العجوزة.. إنفوجراف    4 أطعمة تحتوي على أحماض أوميجا 3 الدهنية    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    عمرو زكي ينتقد أداء الفراعنة: بنين كان الأفضل تكتيكيًا أمام مصر    أحمد شوبير: أفشة يمتلك 3 عروض ويرغب فى الرحيل عن الأهلى    الرئيس اللبناني: الجيش نفذ إجراءات الحكومة لبسط سلطتها على جنوب الليطاني    الهندسة المدنية تشعل سباق نقيب المهندسين بالإسماعيلية    عبدالملك: تاريخ الزمالك يجعله قادرا على تخطي الأزمات    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



دراسة .. الصناعة المصرية تنقذ الاقتصاد العالمي

غالبا ما تحدث التحولات التاريخية عندما تكون غير متوقعة علي الإطلاق. وهي تحدث في أعقاب الثورات أو أزمات كبري. ولم تسنح لمصر طوال تاريخها الحديث فرصة كبيرة مثل هذه الفرصة في اللحظة التاريخية الفارقة نحو الانطلاق علي درب النمو الآسيوية, الذين استغلوا اللحظات الفارقة في التاريخ أحسن استغلال, فهل يمكن أن تتكرر نماذج القوي الاقتصادية مع دولة مثل مصر. لقد تم حصول تغيير متكرر في نماذج القوي الاقتصادية عبر التاريخ طبقا لصعود وسقوط البلدان التي تعتبر الأفضل من حيث الجاهزية لتحريك النمو الاقتصادي وتحفيز الاقتصاد العالمي. إن تعدد الاقطاب, أي وجود أكثر من قطبي نمو مهيمنين, كان في وقت من الأوقات خاصية مهمة من خصائص الاقتصاد العالمي. لكن لم يحصل أبدا في التاريخ الحديث أن دولا نامية كانت في طليعة نظام اقتصادي متعدد الأقطاب. وكثير من المفكرين والاقتصاديين في الخارج يعلقون آمالا كبيرة علي مصر في أن تكون النموذج القادم في ظل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية. ومن الواضح أن صناع السياسات الاقتصادية الذين يسعون إلي محاكاة النماذج الناجحة يتمتعون بوفرة من الخيارات هذه الأيام. فبقيادة الصين, سجلت عشرات البلدان الناشئة والنامية معدلات نمو مرتفعة إلي مستويات غير مسبوقة علي مدي العقود الأخيرة, وأسست لسوابق تقتدي بها بلدان أخري. ولعل أهم ما يميز النموذج الصيني هو أداء البنك المركزي هناك فبنك الصين الشعبي, أكبر بنك مركزي في العالم, حسب بعض المقاييس. ففي نهاية عام2012, قدر بنك ستاندرد تشارتر البريطاني الميزانية العمومية لبنك الصين بمبلغ5,4 تريليون دولار, أي أعلي من الميزانية العمومية للبنك المركزي الأوروبي(5,3 تريليون دولار), والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي(3 تريليونات دولار). ومقارنة بهذين البنكين وغيرهما من البنوك المركزية الكبري, مثل بنك انجلترا وبنك اليابان, يتميز بنك الصين المركزي من وجوه كثيرة. فبحكم أنه لم يتأسس إلا في عام1948, يكون حديث السن نسبيا, إلا أنه ترأس أسرع تحول هيكلي لاقتصاد كبير في تاريخ العالم. والأهم من ذلك, أنه تغير في اقتصاد قام بتنفيذ إصلاحات اقتصادية علي أساس السوق مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بنظام سياسي سلطوي. وتحاول العديد من البلدان محاكاة نموذج النمو هذا, إلا أنها نادرا ما تنجح, وذلك لأن الشروط اللازمة في الداخل لا تتحقق في أغلب الأحوال. إذ إن التحول نحو الأسواق العالمية بدون سياسات إيجابية تضمن الكفاءة والجدارة في بعض قطاعات التصنيع أو الخدمات الحديثة, سوف يؤدي في أغلب الظن إلي أن تظل مصدرا فقيرا للموارد الطبيعية والمنتجات التي تتطلب عمالة مكثفة. والواقع أن معدل النمو في الصين تعزز علي مدي العقدين الماضيين بفضل ديموجرافية البلاد وما تتمتع به من موارد الأرض, وهو ما مكنها من تعظيم فوائد العولمة. ولا تستطيع العديد من البلدان الأخري النامية ببساطة أن تضاهي هذا النجاح من جميع الجوانب; إذ يتعين عليها أن تعمل علي صياغة خطط محددة لثرواتها الطبيعية, والمؤسسات, وبيئات العمل. بالإضافة إلي أن هناك احساسا واضحا لدي طائفة واسعة من المصريين بضرورة إعادة النظر في مشروع التنمية الذي ساد طوال العقود الستة الماضية, وإخضاعه لنوع من التقييم الجاد, حتي يمكن استخلاص أهم الدروس التي تفسر لنا لماذا كانت مواقع الفشل أكثر من مواقع النجاح في ظل وجود نماذج عدة لمست طريقها إلي النجاح بقوة من خلال الاعتماد علي الذات. ولعل أفضل عنصر بناء يساعد مصر علي إنجاز نموذجها الخاص في التنمية هو الاستعانة بتقرير سبنس الذي عرف فيما بعد ب' توافق واشنطن الجديد' فهو أعظم هدية من الولايات المتحدة الأمريكية لدول العالم النامي في صناعة التنمية. ويعكس تقرير سبنس تحولا فكريا أعرض اتساعا في صناعة التنمية. فلقد هيمن' إجماع واشنطن القديم', ولمدة خمسة وعشرين عاما علي سياسات التنمية الاقتصادية, متضمنا معايير هادفة لتوسيع دور السوق وتقليص دور الدولة.
ونحن بصدد رسم ملامح هذا النموذج الجديد للتنمية في مصر علينا أن نعي عدة نقاط جديرة بالاهتمام:
أولا: أن مصر كانت علي أتم استعداد للثورة, والواقع أن التغيير الجذري كان آتيا لا محالة في أي لحظة من السنوات القليلة المقبلة, حتي في غياب شرارة تونس أو توافر وسائل التواصل الاجتماعي. والأسباب التي أدت إلي قيام الثورة موجودة في كثير من دول العالم سواء المتقدم منها أو النامي, حيث هناك شعور كبير بفقدان الأمان والاضطرابات وباتت مسألة التفاوت الاجتماعي تشكل قضية متزايدة الإلحاح بالإضافة إلي انعدام الشعور بالرضا يعم العالم أجمع. ثانيا: توقيت الثورة جاء متزامنا مع الأحداث العالمية التي جرت في أواخر العقد الماضي من أزمة الغذاء العالمية والأزمة المالية وما أعقبهما من احتجاجات عمت العالم وقراءات مستفيضة لأسباب الأزمات المتكررة من قبل مفكرين غربيين حاصلين علي نوبل التي تشير إلي نهاية النموذج الرأسمالي المتوحش, وبالتالي لابد من وجود بديل صالح جاهز. ثالثا: لا يستطيع أحد في خضم الأزمة أن يستطلع العمق الذي ستصل إليه وإلي أي مدة ستستمر. ولكن الرأسمالية, ومنذ بداياتها, كانت مرتبطة بالأزمات; وفي كل مرة يتعافي الاقتصاد من هذه الأزمات, ولكن تحمل كل أزمة معها دروسها الخاصة. رابعا: أن المظهر الأكثر غرابة في الأزمة المالية الحالية هو أن الضرر الذي لحق بالاقتصادات المتقدمة من جرائها كان أشد وأكثر مباشرة مقارنة بما ألحقته من ضرر بالاقتصادات النامية, التي تعلم كثير منها من الأزمة السابقة, فأعادت تنظيم أوضاعها المالية, وحققت تقدما علي مسار الإصلاحات البنيوية, وحسنت الإشراف والتنظيم. خامسا: أن أهم درس يمكن أن نتعلمه من الأزمة يتمحور حول الاعتراف بخطورة تحرير أسواق رءوس الأموال. المتمثل بانفتاح الأسواق المالية في البلدان النامية الأمر الذي سيترجم إلي أموال ساخنة قصيرة الأمد. وأنه لم يكن مصادفة أن الهند والصين كانتا الدولتين الوحيدتين من الدول النامية الكبري اللتين استطاعتا تجنب الأزمة. إذ قاومت كلا الدولتين تحرير أسواق رءوس الأموال لديهما. سادسا: هناك كتابات كثيرة لاقتصاديين مرموقين يؤكدون علي اعتبار وجود حصة كبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر في إجمالي تدفقات رأس المال, تمثل علامة ضعف وليس علي قوة الدولة المضيفة وإن كان هناك بعض الاستثناءات في هذا الموضوع لا تخص الدول النامية, وقد أظهرت الأزمة أيضا أن الاستثمار الأجنبي المباشر قد يكون أيضا عرضة للتقلب, فقد يؤدي إلي إرجاء الاستثمارات الجديدة أو إلغاء المشاريع خلال مهلة قصيرة, أو زيادة تحويل الأرباح إلي الخارج. وليس هناك ابتداع أو خروج علي المألوف علي نهج الولايات المتحدة حيث فرضت الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر قيودا علي الاستثمارات الأجنبية في العديد من القطاعات, بما في ذلك قطاع التمويل. واليوم, تراقب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عن كثب كل صفقات البيع التجارية الكبري. لهذا لابد من العودة إلي ضرورة غرس الاستثمار العام في إطار إنمائي وطني متسق, يراعي التقدم الاجتماعي والاستحقاق العام, لا مجرد الربحية الاقتصادية, ومن ثم يجب اتخاذ القرار بطريقة ديمقراطية وشاملة من أجل تحقيق رؤية إنمائية وطنية يشارك فيها جميع تيارات المجتمع في إطار إستراتيجية نمو متسقة, تؤدي دورا بالغ الأهمية. سابعا: ان الضعفاء عندما يكونون متأكدين انه ليس باستطاعتهم الفوز فإن بامكانهم ان يقوموا بايذاء الأقوياء وحتي ان يجعلوهم يخسرون. ثامنا: من الملاحظ أن كل دول العالم المتقدمة تقريبا تتبع نظاما ديمقراطيا اشتراكيا, وهي كذلك حقا أنظمة اقتصادية مختلطة تشرف عليها حكومات في غاية الضخامة تؤدي مجموعة عريضة من وظائف الرعاية والضمان الاجتماعي, وتزيل تكتلات الثروة الضخمة وتراكمات السلع من السوق. تاسعا: يجب ألا نركز علي السلبيات التي وقعت فيها الولايات المتحدة, وأماكن أخري من العالم حتي نتجنبها, حيث تعودت الحكومات المنتخبة علي رعاية الشعب في البداية, ولكنها الآن تحولت إلي مجموعات مصالح منفصلة, مثلها كمثل الشركات التي تتواطأ ضد عملائها من أجل إبعاد الوافدين الجدد المفسدين للنظام. فتتبادل الأحزاب السياسية المنافع وتتجاهل هؤلاء الذين انتخبوها. عاشرا: لقد سعي المسئولون في أعقاب الثورة إلي تهدئة الشارع المصري من خلال توفير تركيبة تتألف من إعانات الدعم وفرص العمل المضمونة في مختلف الوزارات والهيئات الحكومية. إن هذا السخاء نم عن سوء فهم جوهري للأسباب التي أدت إلي هذه الثورة. فخلق فرص عمل لا تخلق بقرار حكومي بل تأتي من الوظائف المنتجة التي تخلق السلع والخدمات ذات القيمة لدي الناس. وحينما يبدأ المواطنون في الاعتماد علي الحكومة في التوظيف, تبدأ المعوقات في عرقلة العمل المنتج ويبدأ التفسخ الاقتصادي مع نمو صفوف المواطنين المعتمدين علي الحكومة, في حين تتضاءل أعداد المواطنين المنتجين. الحادي عشر: منذ سنوات كتبت- وكتب غيري- نحذر من السياسة الاقتصادية التي تعتمد علي المصادر الخارجية مثل تحويلات المصريين العاملين في الخارج والنفط والسياحة وقناة السويس وأن الاعتماد علي هذه المصادر يضع اقتصادنا الوطني تحت رحمة ضغوط وتأثيرات خارجة عن إرادتنا وسيطرتنا. ثاني عشر, مصر اليوم في أشد الحاجة إلي المبدعين إلي جانب أهل الخبرة, حيث إن الأهداف يجب أن تكون مرتبطة بالواقع وبمستقبل له طموحه وآماله ونسعي إليه جميعا. ولا يمكن أن تتحقق الأهداف إلا بسياسات غير تقليدية مستمدة من فكر غير تقليدي.
ولعل النقطة الفارقة للنموذج المصري والتي سوف يكون لها تأثير علي صناع القرار في الدول المتقدمة قبل النامية, وهي العودة إلي السياسة الصناعية أي العمل علي إحياء السياسة الصناعية ووضعها علي قمة الأولويات, خاصة أن تلك النقطة افتقدها العالم لفترة طويلة وجعلها من الأسرار الخاصة وغير المباح تداولها, فمن أعظم الأسرار الاقتصادية تكتما, ألا وهو أن أغلب بلدان العالم, سواء عن قصد أو من دون تعمد, تلاحق سياسات صناعية علي نحو أو آخر. ولا يصدق هذا فقط علي الصين وسنغافورة وفرنسا والبرازيل البلدان المرتبطة عادة بمثل هذه السياسات بل يصدق أيضا علي بريطانيا وألمانيا وشيلي والولايات المتحدة, وهي البلدان التي عودتنا علي سياسات صناعية أقل صراحة.
لقد أزالت الثورة المصرية الصدأ الذي غطي السياسة الصناعية لتصبح الموضة السائدة من جديد وقد أكسبتها الأزمة المالية العالمية الشرعية الكاملة في التناول الحي والمباشر. لا شك أن هذه السياسة لم ترحل عنا قط, حتي في البلدان الملتزمة رسميا بمبادئ السوق الحرة. ولكن عالم ما بعد الأزمة وثورات الربيع العربي حيث اكتسب التدخل الحكومي في الاقتصاد قدرا أعظم من الشرعية سوف يشهد المزيد منها. وعلي نحو مماثل, كان نجاح الصين, وإغراءات محاكاة نموذجها الإنمائي, من الأسباب التي أدت إلي تعزيز جاذبية السياسة الصناعية, كما فعلت الأدوات السياسية الأفضل والخبرة الأكبر بما قد ينجح وما قد لا ينجح. والواقع أن المناقشة التي أجريت في مجلة الإيكونوميست في العام الماضي, والتي أدارها جوش ليرنر وداني رودريك من جامعة هارفارد, انتهت إلي إعراب72% من المصوتين عن ثقتهم بفضائل السياسة الصناعية. ويبدو أن صناع السياسات يتبنون نفس الرأي, وليس فقط في البلدان النامية, ولا أدل علي ذلك من إطلاق الاتحاد الأوروبي لمبادرته الرئيسية في هذا السياق في العام الماضي, وسياسة الطاقة الخضراء في الولايات المتحدة.
وقد أكد لاري سامرز وزير الخزانه الأمريكية في مؤتمر عقد مؤخرا في واشنطن العاصمة علي تلك الظاهرة الجديدة, حيث قال إن صانعي السياسة الأميركية لابد أن يركزوا علي الأنشطة الإنتاجية التي تجري في الولايات المتحدة وعلي توظيف العمال الأميركيين, وليس علي الشركات المسجلة قانونا في الولايات المتحدة ولكن إنتاجها يقع في مكان آخر. واستشهد سامرز ببحث أجراه وزير العمل السابق روبرت رايك, الذي حذر قبل أكثر من عشرين عاما من أن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات تحول تشغيل العمالة والإنتاج إلي الخارج, وأن مصالحها كانت متباينة مع المصالح الاقتصادية للبلاد.
لقد سئم العالم المتقدم قبل النامي التركيز المستمر علي السياسات المالية والنقدية وروشتات الصندوق دون تناول يذكر للأجندة الصناعية التي هي أساس الرقي والتقدم. فقد تناول الأمر آدم سميث حين قال أن الأولوية لابد أن تكون للتصنيع في اقتصاد أي بلد. والواقع أن سميث في الجزء الثاني من كتاب ثروة الأمم أدان عمل المحامين,; واللاعبين, والمهرجين,, إلي آخر ذلك, باعتباره عملا غير منتج. فالهوس بالتصنيع يعود إلي الظهور علي نحو متكرر, وكانت آخر مظاهر هذا الهوس في الولايات المتحدة في أعقاب الأزمة الأخيرة., وكان نيكولاس كالدور, الخبير الاقتصادي العالمي من كمبريدج والمستشار ذو النفوذ لدي حزب العمال, قد حذر من' التراجع عن التصنيع'. وكانت حجته تتلخص في أن التحول الجاري في القيمة المضافة من الصناعة إلي الخدمات أمر بالغ الضرر, لأن الصناعة كانت تقوم علي التقدم التكنولوجي في حين لم تكن هذه حال الخدمات. والواقع أن هذه الفكرة التي تفترض أننا ينبغي لنا أن نختار الأنشطة الاقتصادية استنادا إلي إبداعاتها التكنولوجية ذهبت إلي ما هو أبعد من ذلك في دعم الحجة القائلة بأننا ينبغي لنا أن نفضل رقائق أشباه الموصلات علي رقائق البطاطس. ولعل المناقشة التي دارت حول' خفض التصنيع' في بريطانيا في الستينيات, توضح لنا كيف نجعل الصناعة في مقدمة أولوياتنا وألا نلقي بالا كبيرا للخدمات التي استنفذت طاقتنا وجهودنا طوال عقود مضت ومازالت تشغل الكثيرين منا لأغراض قد تكون بعيدة عن مصالح الوطن وبعيدة عن نموذج التنمية الذي نتمناه لمصر. صحيح أن الخدمات مهمة لكن ترتيبها يجب أن يأتي بعد التقدم الصناعي. وهذا ليس بجديد فقد انخرط اثنان من الأكاديميين من بيركلي, وهما ستيفن كوهين وجون زيسمان, في مناقشة مماثلة في الولايات المتحدة في عام1987 في الكتاب الذي اشتركا في تأليفه تحت عنوان' مسائل التصنيع', فزعما استحالة نشوء قطاع خدمات قابل للحياة في غياب التصنيع. وبسبب الأزمة المالية, وثورات الربيع العربي تقبل العديد من الساسة هذه الحجة, في ارتداد ظاهري إلي وجهة نظر آدم سميث في التأكيد علي أن الخدمات المالية غير منتجة بل هدامة ولابد من تقليمها من خلال التدخل الحكومي. ثم استنتجوا من هذا ضرورة التوسع في الصناعات.
ونهج جوردون براون رئيس الوزراء البريطاني هذا النهج بالترويج للسياسة الصناعية باعتبارها وسيلة لخلق الوظائف. وتحدث الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عن استخدامها للإبقاء علي الوظائف الصناعية في فرنسا. ويعرب جستين لين كبير خبراء الاقتصاد في البنك الدولي علنا عن دعمه لها كأداة للتعجيل بالتغيير في الدول النامية. وتسدي مؤسسة ماكنزي المشورة بشأن الكيفية التي يتعين بها علي الحكومات أن تتبناها. ويدلل الجميع بالنموذج الصيني في الصناعة, فالقسم الأعظم من براعتها الفائقة في مجال التصنيع يستند إلي المساعدات التي تقدمها الحكومة للصناعات الجديدة. ولقد عملت المؤسسات المملوكة للدولة كحاضنات للمهارات الفنية والمواهب الإدارية. كما عملت متطلبات المحتوي المحلي علي توليد صناعات التوريد الإنتاجية في مجالات مثل صناعة السيارات والإلكترونيات, ونجحت حوافز التصدير السخية في مساعدة الشركات علي اقتحام الأسواق العالمية التنافسية. وتعد شيلي, التي كثيرا ما تصور بوصفها جنة السوق الحرة, مثالا آخر. فقد لعبت الحكومة هناك دورا حاسما في تنمية وتطوير كل سلعة تصدير جديدة تنتجها البلاد.
ولعل الدروس الأعظم في تبني السياسة الصناعية يأتي من داخل الولايات المتحدة, فإذا أردنا لنموذجنا المصري أن ينجح علينا أن نستوعب ما سارت عليه الولايات المتحد عقب ثورة الاستقلال, حيث وضح تماما أن كل ما تطالب به الولايات المتحدة الدول الأخري في تبني روشتاتها من خلال البنك والصندوق هو عكس ما قامت به علي أرض الواقع في أعقاب ثورة الاستقلال., فلم يكن من قبيل المصادفة أن ثلاثة من الرجال العسكريين كانوا بمثابة المفتاح إلي تحويل الولايات المتحدة إلي' أمة محترمة' من الناحية المالية. ففي, أثناء الفترة1790-1791, تمكن ألكسندر هاملتون( رئيسا لأركان واشنطن) أول وزير خزانة لأميركا, وجيمس ماديسون, الذي أصبح فيما بعد المؤلف الرئيسي لدستور الولايات المتحدة, من حل الأزمة في واحدة من أعظم نجاحات بناء الأمم في التاريخ. فقد نجح هاملتون في تحويل الحطام المالي في أميركا في ثمانينيات القرن الثامن عشر إلي ازدهار وتماسك سياسي في تسعينيات القرن الثامن عشر. وفي العقود التي تلت الحرب مباشرة, لم تكن المنافسة الأجنبية تشكل أي ضغط علي الاقتصاد, وذلك نظرا لانعزال السوق الأميركية القارية عن الدمار الذي خلفته الحرب العالمية الثانية. وفي ذات الوقت, فقد خلقت الحرب طلبا مغلقا هائلا علي السلع التي تنتج علي نطاق واسع مثل السيارات, والغسالات, والثلاجات, وأجهزة التليفزيون, وما إلي ذلك. ولقد بدأت سياسة الحكومة آنذاك ببرنامج عسكري مستديم للإنفاق وبرامج البحوث والتنمية, ثم استمرت هذه السياسة عبر برامج ضخمة للأشغال العامة والتخطيط العمراني الحضري, يدعمها برنامج إنشاء الطرق الفيدرالية السريعة وقروض تملك المنازل المدعمة من هيئة الإسكان الفيدرالية. وفي تلك الفترة وصلت المؤسسات التنظيمية الرقابية والقواعد السلوكية, التي تأصلت من خلال برامج التنشيط الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي التي وضعها روزفلت(NewDeal) وتطورت أثناء الحرب العالمية الثانية, وصلت إلي كامل قوتها: الضمان الاجتماعي, ونظام خاص بعلاقات العمل النقابي, وتنظيمات السوق. فإن تبني أميركا لسياسة صناعية لا يشكل مسألة ذات أهمية تاريخية فحسب. فاليوم أصبحت حكومة الولايات المتحدة الفيدرالية تمثل المؤسسة الرأسمالية الأعظم حجما في العالم علي الإطلاق. وطبقا لصحيفة وال ستريت جورنال, فإن وزارة الطاقة الأميركية وحدها تخطط لإنفاق أكثر من أربعين مليار دولار في هيئة قروض ومنح لتشجيع الشركات الخاصة علي تنمية مشاريع الطاقة الخضراء, مثل السيارات الكهربائية, والبطاريات الجديدة, وتوربينات الرياح, ولوحات الطاقة الشمسية. وأثناء الأرباع الثلاثة الأول من عام2009 استثمرت شركات رأس المال الخاصة مجتمعة أقل من ثلاثة مليارات من الدولارات في هذا القطاع,في حين استثمرت وزارة الطاقة الأميركية ثلاثة عشر مليار دولار.وعلي هذا فإن التحول نحو تبني سياسة صناعية يشكل اعترافا بما أدركه العقلاء من محللي النمو الاقتصادي دوما: ألا وهو أن تنمية الصناعات الجديدة تتطلب غالبا دفعة أولية من الحكومة. وهذه الدفعة قد تأتي في هيئة إعانات, وقروض, وبنية أساسية, وغير ذلك من أشكال الدعم. ولكن إذا استكشفت حقيقة أي صناعة ناجحة جديدة في أي مكان فسوف تجد علي الأرجح أن المساعدات الحكومية كانت تشكل أساسا كامنا لها. وهذا يوضح الاتجاه الخاطيء للسياسة الاقتصادية التي تصر علي إزالة دعم الطاقة عن الصناعات التي استطاعت أن تحقق طفرة في سلم الرقي الصناعي المصري.
إن ما يجب التفكير فيه الآن هو خطة استراتيجية للتنمية القومية الشاملة ثم تأتي' المشروعات' لكي تحققها في مراحل متتالية وليس العكس. كما أن كثيرا من الدول استبعدت فكرة المشروعات القومية الكبري وبدأت تنهج نهج المشاريع الصغيرة لتكون نواة لمشروعات كبري. علينا أن ندير ظهورنا لفكرة المشروعات القومية التي غالبا يكون تنفيذها مرتبطا اما بفرد أو بطبيعة مرحلة ما, ويستمد المشروع بقاءه من بقاء الفرد أو من بقاء المرحلة وينتهي عادة بانتهائه.فكثير من المشروعات المطروحة كانت معدة في الستينات والسبعينات ولا تواكب المرحلة التي نعيشها الآن وكثيرا ما شاهدنا انفراد مسئول ما باتخاذ قرار مصيري هام في التنمية العمرانية دون ان يستند في اتخاذ هذا القرار الي دراسات علمية يقوم بها المتخصصون في مجال العمران, بل يستند الي رؤي شخصية ذاتية تتسم عادة بقصر النظر وتهدف أساسا لتحقيق مصالح شريحة اجتماعية واحدة ومحددة علي حساب شرائح المجتمع الأخري.فالصناعات التحويلية قادرة علي استيعاب أعداد كبيرة من العاملين من ذوي المهارات المعتدلة, وتزويدهم بوظائف ثابتة وفوائد جيدة. لذا فإن الصناعات التحويلية تظل بالنسبة لنا تشكل مصدرا قويا لتشغيل العمالة بأجور مرتفعة. ويرجع هذا إلي حقيقة مفادها أن أغلب الصناعات التحويلية تمثل في الواقع ما نستطيع أن نطلق عليه' أنشطة السلم الميكانيكي' فبمجرد تمكن الاقتصاد من الحصول علي موطئ قدم في صناعة ما, تميل الإنتاجية إلي الارتفاع السريع نحو الحدود التكنولوجية لتلك الصناعة.
ولكن في البلدان النامية,ومنها مصر, لا تزال المخاطر القديمة المرتبطة بالسياسة الصناعية قائمة. فأولا, كثيرا ما يخطئ صناع السياسات في التعامل مع الأمر, سواء عند اختيار الصناعات التي يتعين عليهم دعمها أو فيما يتصل بتنفيذ آليات الدعم. وثانيا, يميل صناع السياسات إلي الوقوع' أسري' لأصحاب المصالح الخاصة, ولا سيمافي البيئات السياسية الضعيفة نسبيا, وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلي المحسوبية وانعدام الكفاءة وإهدار الموارد. وإذا ما علمنا أن السياسات الصناعية تشير علي نطاق واسع إلي أي قرارات حكومية أو تنظيمات أو قوانين تشجع نشاطا مستمرا أو استثمارا في أي صناعة. ذلك أن التنمية الاقتصادية والنمو المستدام يأتيان كنتيجة للتغير الصناعي والتكنولوجي المستمر, وهي عملية تتطلب التعاون بين القطاعين العام والخاص. ثالثا, حين كان المفهوم الأصلي للسياسة الصناعية يشتمل علي حماية الصناعات من المنافسة الدولية, فإن عالم اليوم يتطلب إدماج القدرة الإنتاجية المحلية في سلسلة القيمة العالمية. وهذا يعني ضمنا الحاجة إلي سياسات تقوم علي تعريض الصناعات للمنافسة الدولية. رابعا, أن السياسات الصناعية تتعارض مع التعهدات والالتزامات الدولية. ولا تقتصر هذه التعهدات والالتزامات علي قواعد منظمة التجارة العالمية فحسب, بل إنها تشتمل أيضا علي اتفاقيات تجارية إقليمية وثنائية متكاثرة وكلها ساهمت بقوة في الحد من مجال صياغة السياسة الصناعية من خلال الحد من الخيارات المتاحة لحماية ودعم الصناعات والأعمال التجارية بصورة انتقائية. خامسا, إن السياسات الصناعية لابد وأن تقوم علي موارد البلاد, ولابد أن تنبني علي فرص ملموسة لإدماج الصناعات والشركات في سلسلة القيمة العالمية علي سبيل المثال, من خلال تعميق الروابط القائمة مع شبكات الإنتاج وأسواق التصدير العالمية وفي الوقت نفسه تجنب الإفراط في الاستثمار في المجالات المتأخرة عن النمو الدولي. سادسا, يتعين علي صناع السياسات أن يضعوا في الحسبان أي الصناعات قادرة علي تحقيق أعظم قدر من التنمية عن كل مبلغ ينفق, فالصناعات المولدة للتصدير ليست في كل الأحوال هي الأعظم تأثيرا علي تشغيل العمالة والقيمة المضافة, بالإضافة إلي أن النمو القائم علي التصدير أصبح نظاما عتيقا, وإن كان قد صلح في وقت ما فهو في حاجة إلي التطوير ليتناسب مع التغيرات التي ألمت به, فطيلة العقود الخمسة الماضية كوفئت البلدان النامية التي تمكنت من تنمية صناعات تصديرية قادرة علي التنافس بمعدلات نمو مذهلة: تايوان وكوريا الجنوبية في ستينيات القرن العشرين, وبلدان جنوب شرق آسيا مثل ماليزيا وتايلاند وسنغافورة في السبعينيات, والصين في الثمانينيات, ثم الهند أخيرا في التسعينيات., وكانت الإصلاحات الداخلية سببا أكيدا في توليد النمو من غير اعتبار للتجارة الدولية. فالتكهن بمستقبل الاقتصاد أمر محفوف بالمجازفة دوما, إلا أن العلامات تشير إلي أننا بلغنا نقطة التحول نحو تطبيق نظام جديد حيث لن تكون قواعد اللعبة مرحبة بالاستراتيجيات المعتمدة علي التصدير. فهل نعي كل ذلك ونحن بصدد رسم نموذج للتنمية يضاف إلي نماذج التنمية الناجحة, خاصة أن كل الظروف والعوامل الداخلية تصب في نجاحه. وما علينا إلا استغلال تلك اللحظة الفارقة التي لا يمكن أن تتكرر خلال القرن الحالي. وأن نكون سباقين لإحياء السياسة الصناعية التي اختفت من خريطة الاقتصاد العالمي لعقود عدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.