تأخرت فى الكتابة عن رواية «حافة الكوثر» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية للشاعر على عطا، برغم أننى قرأتها باكرا وساعدنى هذا التأخير على تأمل أغلب ما كتب عنها من مقالات لنقاد ومتابعين من أجيال مختلفة. ولفت نظرى أن أغلب ما قرأت أشار إلى الطابع الفريد للنص الذى تم اختزاله للأسف فى النظر إليه كنص من نصوص السيرة الذاتية التى يسهل تصنيفها ضمن نصوص أدب الاعتراف، وهى عزيزة ونادرة فى أدبنا العربى المعاصر، وعادة ما تكتب بغرض التشفى والانتقام ونادرة ما تكتب بغرض الشفاء، وهنا مربط الفرس لأن رواية " حافة الكوثر " رواية شفاء تنظر الى الكتابة كوسيلة للعلاج والتسامى على جروح الذات. تستعرض "حافة الكوثر" تجربة بطلها وهو محرر ثقافى ناجح يعمل فى وكالة الأنباء الرسمية إلى جانب عمل آخر فى تحرير مواد الرأى والثقافة فى صحيفة عربية كبرى، لكن حياته العائلية تعانى نوعا من الخلل يؤدى لمحنة مرضية تقوده للعلاج النفسى فى مصحة "الكوثر" التى يمكث فيها على فترات قصيرة ومتقطعة تواكب المراحل الانتقالية الصعبة التى خاضتها مصر منذ ثورة 25 يناير2011 وحتى نهاية العام 2015 . وفى تجربة العلاج يستعرض الكاتب النماذج الإنسانية داخل المصحة التى تبدو كاشفة لمأزقنا المعاصر على مختلف الأصعدة، ويتم الربط خلالها بين قصة حب مبتورة ومتوترة يعيشها البطل وقصة الثورة المغدورة . وفى النص يعانى البطل من حالة انشطار واضحة ببين نزعات زوجته الثانية سلمى السكرى، التى تزوجها تعويضا عما يعانيه مع زوجته الأولى دعاء مستجاب التى تقضى كل الليل مع المسبحة وإذاعة القرآن الكريم والتلصص على زوجها، وبين الورطتين ثمة أسباب للحب والقهر منعكسة فى علاقاته مع ابنتيه حنان وحنين وحفيدته علياء المصابة بالسرطان. والحاصل أن انشطار الذات منعكس بجمال واضح على الشكل الذى اختاره الكاتب ليكتب على " حافة الكوثر " بطريقة تجعل الكتابة ذاتها على " حافة " أكثر من شكل ارتأى الكاتب أنه أقرب لروح البطل التى تعانى قلقا يصعب تفاديه . وفى الرواية كذلك نزعات ما بعد حداثية واضحة تقوم على تجاور النصوص وانتهاك ألفة المكان وإشارات متعددة ل «زحف الخراب» و«قسوة التحولات»، وهى فى مستوى ما من مستويات القراءة تؤرخ بوعى حاد ل «ندوب الروح» و يلفت النظر أن الكاتب لم يكتب فصولا منتظمة كتلك التى اعتدنا عليها وإنما لجأ لنمط "الشذرات " القصيرة المكثفة الأقرب لتأملات تواكب تحولات روحه الشاعرة ليسهل على نفسه مهمة التلاعب بأزمنة السرد وخلط الماضى بالحاضر. وفى "حافة الكوثر" نحن على موعد مع كتابة تكتسب لياقتها الروحية من قدرتها على كسر الزمن التراتبى وفضح انكساراته والإشارة لعلامات الخذلان فيه. وفى نفس الوقت تبدو الكتابة بنفسها الشعرى المتوتر ملائمة لعملية ترميم للنفس القلقة داخل النص ومداواة ل"ندوبها " التى يسهل الاستدلال على علامات تمكنها من روح الراوى الذى يشبهنا جميعاً.