تمرد عمال المصانع والشركات فى مصر منذ ثورة 25 يناير، وحتى الآن أصبحت ظاهرة ممنهجة للضغط على المسئولين فى المصانع والشركات للاستجابة لمطالبهم بعد تعسف رجال الأعمال وأصحاب المصانع وعدم الوفاء بوعودهم والتزاماتهم تجاه العمالة، مما ينذر بكارثة اقتصادية تهدد البلاد التى تحتاج فيها إلى الإنتاج والعمل للخروج من أزمتها الحالية والعبور إلى بر الأمان وإعادة الثقة فى السوق المصرى لجذب الاستثمارات العربية والأجنبية إليها . وبعد أكثر من عام ونصف العام من الثورة المصرية لم نلمس تطورا فى هذا الملف المهم وعدم اهتمام المسئولين بحل هذه المشكلات، خاصة أن الحكومات المتعاقبة تقوم بوضع مسكنات وحلول وقتية للمشكلات حيث لم تمر عليها بضعة أيام إلا وتشتعل المشكلة مرة أخرى مما يؤكد على ضرورة إعادة النظر فى قانون العمل وتأسيس ديوان أو هيئة مخصصة لحل مشاكل العمالة بشكل أسرع، وإيجاد حلول حتى لا تنهار الصناعة المصرية بعد إغلاق العديد من المصانع الكبيرة فى مصر وتوقف الإنتاج. العمال واصلوا اعتصاماتهم فى العديد من المصانع أبرزها مصنع "سيراميكا كليوباترا" المهدد بالإغلاق بعد توقف التصدير والإنتاج ليحقق خسائر وصلت إلى نحو 140 مليون بسبب إضراب العمال ووقف العمل بالمصانع لاستجابة الإدارة إلى مطالبهم المشروعة والحصول على مستحقاتهم المالية ،كما طالب العاملون بشركة (مصر-إيران) للغزل والنسيج بالسويس بالاستجابة لمطالبهم بصرف بدلات الورديات والوجبات التى كانت الإدارة بالشركة قد قررت صرفها ثم تراجعت عن هذا القرار ، كما قام العاملون بالشركة المصرية المتحدة للسكر، بإضراب عام مما وصفته الشركة بغير القانونى موضحة أن اللجنة النقابية للعاملين بمصنع الشركة المصرية للسكر بالسويس قامت بخرق اتفاقهم الكتابى الموقع يوم 15 يوليو 2012، مع رفعت حسن وزير القوى العاملة، الذى كان يقضى بضرورة إعادة تشغيل المصنع المحتجز بمعرفتهم بعد أن تكبدت الشركة خسائر فادحة بلغت عشرات الملايين من الجنيهات، بالإضافة إلى عمال شركة مصر لصناعة الأسمدة "موبكو" الذين يطالبون بتنفيذ حكم محكمة القضاء الإدارى بعودة العمل بالمصنع مرة أخرى عقب التأكد من سلامة التقارير البيئية للمصنع بعد تأخر الحكومة فى إنهاء الأزمة، وتوقف المصنع عن العمل طوال 8 شهور كاملة بما يضيع على الموازنة العامة للدولة أموالاً طائلة من أرباح المصنع، والتى وصلت العام الماضى مليار دولار، بالإضافة إلى تخوفهم من إمكانية لجوء الشريك الأجنبى "شركة أجريوم" المالكة ل26% للمحكمة الدولية للحصول على تعويضات نتيجة وقف العمل بالمصنع. وقام أيضا أكثر من 450 عاملاً من عمال شركة أبو قير للأسمدة بإضراب عن العمل احتجاجًا على بنود العقد المبرم بينهم وبين الشركة، ما أدى إلى توقف العمل مؤكدين أنهم يعملون بالشركة منذ أكثر من 16عامًا، دون تثبيت كما أضرب عمال مصنع سنمار للكيماويات، جنوب المنطقة الصناعية ببورسعيد، عن العمل لتحقيق مطالبهم المالية المشروعة والمتمثلة فى زيادة حافز الإنتاج، على مدى 12 شهرًا، وتعديل رواتب حديثى التعيين، على ألاَّ تقل عن 3 آلاف جنيه، وألا يقل أساسى الرواتب عن 700 جنيه، بالإضافة إلى صرف جميع المستحقات المالية المتأخرة، من حوافز وأجور العاملين،فى الوقت الذى أضرب فيه عمال مصنع كوكاكولا مصر بالمدينة الصناعية بعرب العوامر بأسيوط للمطالبة بزيادة الحوافز وتقليل ساعات العمل. وأعلنت كل من اللجنة التنسيقية للحقوق والحريات النقابية والعمالية واللجنة العمالية بالاتحاد المصرى للنقابات المستقلة، والاتحاد العام لنقابات عمال مصر دعمهم لاعتصام العمال الذي وصفوة بالمشروع، وإدانتهم لإداراة الشركات فى تعنتها فى تنفيذ مطالب العمال. واتهم أحمد صلاح نائب رئيس اللجنة النقابية بمصنع سيراميكا كليوباترا رجل الأعمال محمد أبوالعينين بدفع العمال للفوضى لقيامه بحرمان العمال من حقوقهم، ورفضه صرف الرواتب، مما دفع العمال إلى اقتحام مبنى المحافظة ومجمع محاكم السويس المجاور لمبنى المحافظة. بينما قال رجل الأعمال محمد أبو العينين، صاحب مجموعة سيراميكا كليوباترا: إن هناك مخططاً معداً ومدروساً للقضاء على الصناعة المصرية، وعلى رأسها مجموعته، مشيراً إلى أن هناك عدداً لا يتعدى 29 عاملاً تابعين لمصنع السويس، و15 آخرين تابعين لمصنع العاشر من رمضان، وأن هناك أحد المحامين هو الذى يوجههم للقيام بعمليات شغب وبلطجة ضد مصانع الشركة. وأضاف أبو العينين، العمال قاموا بغلق المصانع بالقوة وتهديد العاملين فيها، كما قاموا بالتعدى على وزير القوى العاملة واحتجازه، بالإضافة إلى احتجاز عدد من المسئولين الإيطاليين بالشركة، فى تحدٍ صارخ للقانون ، رغم أن المجموعة قامت بكل الإجراءات القانونية ضد هؤلاء العمال، فإنه لم يتخذ ضدهم أى إجراء قانونى، ويبدو أن هناك من يحميهم. ولفت أبو العينين النظر إلى أن كل ما يحدث للمجموعة هو محاولة لابتزازه، لكى يتخلى عن المجموعة، ويقوم بتصفيتها، مؤكداً أنه لم يكن ينوى أبداً تصفية هذا الصرح المصرى الكبير، فإن هؤلاء يحاولون الضغط عليه لضرب اقتصاد مصر كله، ومع ذلك قال أبو العينين، إنه سيواصل تحديه لهم للحفاظ على المجموعة التى بناها على مدى 30 عاماً، وحظيت بشهرة عالمية، ويعمل بها 25 ألف عامل ومهندس، فى الوقت الذى لا تحتاج فيه المجموعة إلا إلى 11 ألف عامل، ومع ذلك تحافظ المجموعة عليهم وتعطيهم كل مستحقاتهم المالية والإدارية، إلى جانب حوافز العمل كاملة بعد الزيادة الأخيرة التى طلبوها، فإن هناك قلة تقوم بإطلاق الشائعات والإضرار بالعمل دون مبرر. وقال أبو العينين، إنه لا يوجد أى مستثمر حالياً يأمن على استثماراته فى مصر، ولا يأمن أيضاً على حياته، بعدما أصبح البلطجية يغلقون المصانع بالقوة ويعتدون حتى على الوزراء، ولا يجدون من يتصدى لهم ويعاقبهم على أفعالهم التى تضر بالاقتصاد كله، مشيراً إلا أن الحل الوحيد هو تطبيق القانون على هؤلاء الخارجين عليه بكل حزم وقوة وعقابهم على أفعالهم. وأضاف أبو العينين، أن هناك أكثر من 200 تاجر خسروا معظم أموالهم بسبب توقف مصانع كليوباترا، كما فرضت أسواق التصدير غرامات على المجموعة تقدر بالملايين، بسبب تأخير توريد المنتجات المتفق عليها، كما تعجز المجموعة عن تقديم التزاماتها فى مواعيدها بسبب توقف الإنتاج لمدة 35 يوماً. بينما قال أسامة عبدالخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس: إن الاضرابات تسببت فى خسائر تقدر بنحو 11 مليار جنيه خلال العام والنصف عام الماضيين، مشيرا إلى أن الاحتجاجات الفئوية تفاقمت بشكل كبير وبدأت فى إضعاف هيبة الدولة واتخاذ مواقف غير سلمية وتعطل العمل ، مطالبا بضرورة تخصيص جهة سيادية خاصة بمشاكل العمالة فقط للبت فى المطالب بشكل سريع لعودة المصانع إلى العمل مرة أخرى، مؤكدا أن عدم الحسم يوسع دائرة المطالب الفئوية ويمثل تذمرا شعبيا تعود معه الأمور إلى حالة من عدم الاستقرار وتتوقف عجلة الإنتاج.