من أشهر الحرائق التي عرفتها مصر حريق يناير1952 ومع النصف الثاني من نفس العام حدثت ثورة يوليو1952 وانتقلت مصر من نظام بائد إلي آخر سائد, إذ عرفنا امتلاك الجيش المصري زمام الأمور وكان نشيدنا المفضل نحن تلاميذ المدارس الابتدائية بالاتحاد والنظام والعمل وبعد مرور59 عاما حدثت ثورة من نوع آخر لم يبدءها الجيش وإن كان قد تدخل لحمايتها بعد أن قتل المصريون وليس الإنجليز أولادهم وإخوتهم, فمات منهم المئات وجرح منهم الألوف. ولم تتوقف الحرائق منذ يناير وحتي الأمس القريب, إذ كان أحدثها وليس آخرها, إذ لا ضمان لنهايتها, حريق البنك المركزي, إذ لم يكفنا خسائر البورصة والاعتداء علي البنوك وماكينات الصرف الآلي وعمليات السطو المسلح والاستيلاء علي السيارات بعد إنزال أصحابها منها وإجبارهم علي التوقيع بما يثبت بيعا للصوص حتي أصبح الخوف هو السائد في كل بيت وفي كل مدينة وقرية وبدلا من أن نحتفل معا بإنجازات وتضحيات شبابنا إذ بنا نري سوقا تنافسية بين فرق وتنظيمات متعددة الألوان تقفز علي الثمار لقطفها قبل الأوان وآخرها تحويل المهرجان الاحتفالي الذي خرج فيه أكثر من18 مليونا من الشباب والشيوخ ليس فقط من أجل نعم أو لا بقدر الرغبة في تنفس نسيم الحرية ولتكن النتيجة ما تكون لإدراكنا أن جيل يناير2011 غير جيل يناير1952 وأن قيادة الجيش لن تسكت علي حريق مصر اقتصادا وثقافة بل شعبا ولن ترضي بنشوب حروب أهلية فكفانا ما عانيناه في الماضي القريب. إنني أكاد لا أصدق أولئك الذين يستعجلون الأمور بدعوي ضرورة عودة الجيش إلي ثكناته للدفاع عن حدود مصر بل أري أمن مصر من الداخل لا يقل عن أمن حدودها, فوحدة شعب مصر هي أساس أمنها الخارجي وأوضح الأمثلة التي نراها اليوم في ليبيا, فمن ذا الذي دعا دول العالم لتحطيم قدراتها الجوية والبرية سوي ما يحدث بين الشعب الواحد الذي انقسم حول نظامه حتي يتقاتل المواطنون فيسقط الليبي بسلاح الليبي, السلاح الذي تم شراؤه من عرق ومقدرات الشعب الليبي لا ليقتلوا به بعضهم البعض وإنما ليدافعوا به عن حدودهم جميعا وثرواتهم. أما وحدة مصر بكل أطياف شعبها فهي الأوجب والتي تفوق كل الأولويات, لا سيما أن المتربصين ليسوا بعيدين عنا, ولعل ما حدث بأطفيح وإمبابة هو خير دليل علي ما يخطط لتدمير بلد عظيم بحجم مصر وتاريخها ولا يمكن الفصل بين الحادثين, وما بينهما من أحداث متفرقة في مواقع أخري مثل قنا وبعض مدن وقري الوجهين البحري والقبلي, وكان حادث إمبابة أكثر وضوحا ليس فقط لحجم الخسائر التي وقعت علي البشر والحجر من حرائق وسلب ونهب لم يحدث لها نظير في كل الحوادث السابقة وهذا دليل التصعيد الذي يهدد سلامة الوطن. والمتتبع للأحداث يجد عاملا مشتركا, حيث يدور كل حدث حول فتاة مسلمة أو أعلنت إسلامها, عاكسها شاب مسيحي أو اختطفت من إخوتها أو قتلت بواسطة أقاربها وقبل التأكد من صدق الرواية ومدي صحة العلاقة أو من القاتل هل هو الزوج الذي شك في زوجته فقتلها هي وطفلها, أم أقاربها الذين فعلوا ذلك, لاسيما أن التحقيقات كانت تجري تحت تعذيب وإكراه كما قيل ولم يتثبت أحد من الحقائق, إذ لاتزال رهن القضاء. أما وأن تقوم المجموعات بالاعتداء علي دار للعبادة مع أن الكنيسة ليست طرفا للنزاع من قريب أو بعيد, فإن النتيجة تكون إحراقا وتدميرا وسرقة بالإكراه وقتلا وجرحا بلا رادع أخلاقي أو إنساني ولاخوف من الأجهزة الأمنية أو من قوانين مرعية.. إن حرائق إطفيح وإمبابة لا يمكن فصلهما, فالدافع واحد والنتائج متشابهة والمعالجة عليها الكثير من الملاحظات. ففي إطفيح قام الجيش بإعادة تعمير ما خرب في الكنيسة, مع غض البصر عن الجانب الجنائي, إذ لم نسمع عن محاسبة المعتدين, وفي رأينا أن غض الطرف عن محاسبة الجناة كان دافعا مشجعا لما حدث في إمبابة علي نطاق أوسع. إن أحداث إمبابة مع وضوح فبركة الرواية لم تعالج بحسم منذ ساعتها الأولي بل تكرر ماحدث بأطفيح, إذ لجأت الجهة الأمنية إلي وسيط آخر لمعالجة الموقف, ومع تيقن الشيخ الوسيط من كذب الرواية, فإن الموقف تطور إلي حرب أودت بحياة الكثيرين وإصابة المئات واتساع الحرائق لتشمل اكثر من كنيسة والعديد من المساكن والسلب والنهب في المنازل والمحال دون رادع أو خوف من شرطة أو جيش لساعات طويلة وهنا مكمن الخطر. لقد رأينا الجيش يحمي ثوار يناير, أما في إمبابة فكان الجيش والشرطة يحاولان التهدئة وكأنهما أمام فريقين يلعبان الكرة, وليس أمام معارك وحرائق مدمرة وإلا كيف سقط هذا العدد من الضحايا وسمعنا أن الجيش لم يكن راغبا في أخذ دور الشرطة مع علمنا أن الشرطة لم تتعاف بالكامل عدة وعددا. إنني أناشد قواتنا المسلحة ورجال الشرطة وكلتا المؤسستين موضع ثقة واعتزاز, أن يقوما بدورهما قبل انتشار الحرائق, فنحن في مرحلة خطيرة سياسيا وأمنيا واقتصاديا وإن لم نتعاون جميعا لوأد الفتنة فالخاسر هو الوطن وكل المصريين. إن دخان حريق2011 نشم معه أخطر الحرائق وهو حريق وحدتنا وحريق انتظامنا في العمل وفي الدراسة والإنتاج, وقبل أن نندم علي ما أضعناه وفقدناه مضافا إلي دماء غالية علينا جميعا وعلي آباء وأمهات وإخوة للشهداء, ليتنا نتحد معا مجددين الشعار بالحب والنظام والعمل لا كلاما ولا غناء بل بالعمل والحق, وليتنا جميعا لا نأخذ دور رجال إطفاء الحرائق فقط بل نقف معا لمنع إشعالها, عالمين أن معظم النار من مستصغر الشرر, فأعواد الثقاب مختلفة الألوان, ولكن رأسها واحد وحرائقها هي جسد الوطن مسلمين ومسيحيين فاحرصوا علي إطفائها قبل أن تشتعل. المزيد من مقالات د. القس صفوت البياضى