الثروة المالية للأسر الألمانية تتجاوز 10 تريليونات يورو في 2025    أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 2 يناير 2026    منال عوض تبحث مع قيادات جهاز تنظيم إدارة المخلفات الوضع الراهن لتنفيذ منظومة ادارة المخلفات    وزير البترول يعقد اجتماعًا لبحث تطوير منظومة الرعاية الصحية للعاملين    رئيس وزراء بولندا: مستعدون لتقديم العلاج الطبى لضحايا انفجار سويسرا    روسيا تُسقط 201 مسيّرة أوكرانية بينها 21 كانت متجهة نحو موسكو    لاريجاني: تدخل أمريكا في مسألة الاحتجاجات الداخلية يعني نشر الفوضى    إسرائيل تطلق صاروخا اعتراضيا نحو هدف كاذب قرب حدود لبنان    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 2- 1- 2026 والقنوات الناقلة    السيطرة على حريق نشب فى محول كهرباء بقنا    ضبط ثلاجة مواد غذائية بالإسكندرية بحيازتها لحوم و دواجن غير صالحة    تحصين وتعقيم 1296 كلبًا ضالًا خلال شهر لمواجهة الظاهرة في الجيزة    أحمد السقا يعلن اعتزاله السوشيال ميديا.. لهذا السبب    فيلم الملحد يحقق 2 مليون جنيه في يومين عرض    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    مواقيت الصلاه اليوم الجمعه 2يناير 2026 فى المنيا    الصحة: تقديم 1,3 مليون خدمة طبية بالمنشآت الصحية بمحافظة شمال سيناء ..حصاد 2025    كاف يخطر الأهلى بمواعيد مباريات الفريق فى دور المجموعات بدورى الأبطال    2 يناير 2026.. أسعار الحديد والأسمنت بالمصانع المحلية اليوم    رسائل السيسي في اختبارات كشف الهيئة لحاملي الدكتوراه من دعاة "الأوقاف" تتصدر نشاط الرئيس الأسبوعي    سفير الرياض باليمن: رئيس الانتقالي الجنوبي منع هبوط طائرة سعودية بعدن    الرئيس الصيني يستعد لاستقبال نظيره الكوري الجنوبية في زيارة رسمية الأحد    2 يناير 2026.. أسعار الأسماك بسوق العبور للجملة اليوم    أنجلينا جولى.. صور تبرز الجانب الإنسانى لنجمة هوليود فى مخيمات اللاجئين    تواجد الشناوي وغياب صلاح.. تشكيل «كاف» المثالي لدور المجموعات من أمم إفريقيا    أيمن أشرف: منتخب مصر يقدم بطولة قوية في أمم أفريقيا    أوين: هذا هو ليفربول بدون صلاح    رئيس جامعة طنطا يترأس وفدا طبيا في زيارة تنسيقية لمستشفى 57357    جامعة القاهرة تقدم 24 منحة للماجستير والدكتوراه بكلية الدراسات الأفريقية العليا    الرئيس الفنزويلي: مستعد لمفاوضات مع واشنطن    طقس بارد على جميع مراكز وقرى محافظة الشرقية    سعر الدولار أمام الجنيه اليوم الجمعة 2 يناير 2026    النيابة العامة تصدر عدة قرارات حاسمة في واقعة التعدي على طفلة بالعاشر من رمضان    السيطرة على حريق فى أحد مطاعم المحلة بالغربية    تجديد حبس طالبين 15 يومًا بتهمة انتحال صفة داخل لجان الامتحانات بقنا    استشاري يكشف أنواع الكحة عند الأطفال وأسباب الإصابة بها    قبل انطلاق جولة الإعادة بالدوائر الملغاة، ماذا حققت الأحزاب والمستقلين في انتخابات مجلس النواب 2025؟    معتز التوني يشعل السوشيال: حاتم صلاح يرفع أي مشهد ويخطف الأنظار    45 دقيقة متوسط تأخيرات القطارات على خط «طنطا - دمياط».. الجمعة 2 يناير    طقس اليوم: مائل للدفء نهارا شديد البرودة صباحا وليلا.. والعظمى بالقاهرة 19    التعيين في «النواب».. صلاحية دستورية لاستكمال التمثيل النيابي    قسم الصيدلة بمستشفى قنا العام يحقق معدلات أداء مرتفعة خلال عام 2025    المجلس القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يؤسس مركزًا إعلاميًا جديدًا    علي الحجار يكشف أسرار اللحظات الأخيرة ل«عمار الشريعي»: استنشقنا رائحة طيبة في قبره    القبض على مسجل خطر سرق أموال النفقة من محكمة الأسرة في الشرقية    القبض على صاحب المطعم و3 من العاملين به في واقعة تسمم 25 شخصاً بالشرقية    المنظمة العالمية لخريجي الأزهر تعلن حصادها داخلياً وخارجياً في 2025    كوكب الشرق في وجدان المصريين.. رحلة حب لا تنتهي    أعشاب تساعد على الاسترخاء العميق قبل النوم في الأيام الباردة    الصفقة الشتوية الثانية.. الوداد المغربي يضم نبيل خالي    قوات الاحتلال الإسرائيلي تتوغل في مناطق عدة بريف القنيطرة الشمالي في سوريا    اكتساح في الصالات ومجلس جديد في حصاد الأهلي خلال 2025    روبي تُبهر جمهورها فى حفل رأس السنة بأبو ظبى    نيكول سابا تتألق فى رأس السنة بإطلالة ذهبية بحفل كامل العدد بالإسكندرية    أسرار انتقال خطيب مسجد الزمالك للأهلي.. الشيخ عطا يكشف التفاصيل لليوم السابع    وكيل الأزهر يعتمد نتيجة المرحلة الأولية من مسابقة حفظ القرآن الكريم    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 1يناير 2026 فى المنيا. اعرف مواعيد صلاتك    ما آداب التصوير فى الحرم؟..وزارة الحج السعودية تجيب    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السادات لم يهاجم عبد الناصر‏!!‏
نشر في الأهرام اليومي يوم 22 - 01 - 2010

كان لابد أن نغتنم الفرصة‏..‏ فكلما ذكر السادات ذكر أنيس منصور فهو عراب المرحلة الساداتية باقتدار‏..‏ استطاع أن ينقل تجربته من صعيدها السياسي إلي صعيدها الأدبي‏..‏ ففي عهد السادات الذي أثار الغبار خلفه دوما تصاعدت الأحداث دراميا وبلغت ذروتها بمشهد اغتياله‏.‏ اقترب منه أنيس بفلسفته وفكره وثقافته‏..‏ وما أكثر الجوامع المشتركة بينهما‏..‏ توافق فكري وروحي‏..‏ كلاهما صاحب رأي رؤية‏..‏ لديهما القدرة علي استشراف المستقبل والولع بالحكم والنوادر والتأملات الفكرية والشعر والطرف الأدبية‏..‏ كلاهما من أعماق الريف المصري حيث تشكل لعبة السيجة علي بساطتها جزء مهما من وعي الفلاح وقدرته علي مقاومة السلطة ممثلة في الاستعمار بكافة ألوانه‏..‏ وكان السادات كسياسي يحاور ويناور ويداور يدرك تلك الحقيقة وأنه لا يمكن الاستخفاف بوعي هذا الشعب‏..‏ يقينا منه أن معرفة نفسية الجماهير لا غني عنها لرجل دولة مثله‏..‏ لم يكن فقط ثعلبا سياسيا لا يقول عن العنب الذي لم يصل إليه إنه حصرم ولكن أيضا علي العنب علي لامسه واشتم رائحته‏..‏ أنيس منصور كان وجوديا يلتمس في مقولة سارتر أهم مفتاح من مفاتيح شخصيته يلوذ به في عالمه الخاص‏(‏ لست السيد ولا العبد ولكني حريتي‏)‏ والسادات بدوره كان يريد أن يرفع المعاناة عن كواهل شعبه دون الخوض في أتون النظريات الفلسفية والمذهبية‏,‏ وهي بدورها لا تقدم الحلول ولا تستطيع أن تقدم الخبز الساخن لمواطنيه‏..‏ لكن النظرة الاستيعابية الشاملة التي توازن بين الشئ ونقيضه‏..‏ تهيئ المناخ العام لمعرفة الحقائق بصورة كاملة وإعادة التوازن النفسي لمواجهة الأعباء المتراكمة وكان هذا دأب السادات وديدنه وأهم محور من محاور العلاقة التي ربطته بأنيس‏..‏ فالأديب عز الدين إسماعيل يقول‏:‏ حين صعدت انحدرت في شفتي دمعتان‏..‏ فدمعة لنشوة الصعود ودمعة للسقطة القادمة‏..‏ فلا مبرر للاغترار بالدنيا‏,‏ هكذا كان يبدو السادات زاهدا في ترف المنصب‏..‏ فتشاؤم المحنكين كان من دواعي حكمته‏..‏ احتفظ أنيس منصور بمسافة كافية ابعدته عن لجة السياسة ودهاليزها‏..‏ ليمتعنا بأدب الذكريات وسيرته الذاتية مع السادات وتتجلي براعته في السرد في العبارات الفسفورية التي تضيء الأحداث وتعيد تفسيرها لأجيال لم تعاصرها‏..‏ ولكنهم يسمعون ويدهشون لأن الكبار يكتبون سيناريو حياتهم ويظل السؤال معلقا دون إجابة قاطعة‏.‏ كيف تهيأ لهم ذلك؟ ولنقرأ الحوار‏.‏
‏{‏ مع اقتراب الانتخابات الرئاسية نسبيا‏..‏ طرحت بعض الأسماء علي الساحة وهي بعيدة عن مفهوم العمل السياسي الذي يصل إلي حد الانخراط والاستغراق في المطالب الشعبية واحتياجاتها كما كان يري السادات بل يضيف أن السياسة لا تدرس فقط‏,‏ فمعظم الساسة قبل الثورة درسوا السياسة في أكبر الجامعات في أوروبا ولكن ما أبعدهم عن جوهر العمل السياسي‏..‏ فإلي أي حد كنت تستشعر مدي اقترابه فعليا من هذه المفاهيم السالفة ؟
السادات كان فلاحا شعبيا وتلقائيا في لقاءاته مع أفراد الشعب سواء أثناء زيارته الميدانية أو لبلدته‏'‏ ميت أبو الكوم‏'..‏ حريصا علي سماع كل ما يقال عنه‏,‏ وكان يسألني أحيانا بطريقته المميزة في الكلام‏:‏ بيقولوا علي إيه يا أنيس؟ إشارة إلي النكت التي كانت تقال‏,‏ فأحدثه عن النكتة التي كانت منتشرة آنذاك حين كان يسافر للخارج فينادي علي جيهان السادات قائلا‏:‏ هات العصاية والزبيبة يا جيهان‏!!‏ وكان يضحك كثيرا‏..‏ واذكر أنه طلبني في إحدي المرات لمقابلته وكان جادا للغاية وكلفني بإعطاء قطعة من القماش أحضرها معه من السعودية ومبلغا من المال وأعطاني عنوان سيدة تدعي‏'‏ أم إبراهيم‏'‏ وقال لي توجه بنفسك إلي هذا العنوان للقيام بهذه المهمة‏..‏ فإذا بالباب ينفتح عن سيدة عجوز غلبانة للغاية بمجرد أن أخبرتها بأنني من طرف الرئيس وأنه أرسل لها قطعة القماش هذه من عند الكعبة‏..‏ حتي تهلل وجهها فرحا وأخذت تدعو للرئيس ربنا يحميه ويحفظه وشكرتني كثيرا‏..‏ وحين يتوقف الإنسان أمام مثل هذه المواقف المشابهة لمثل هذه السيدة التي لا أعلم إلي يومنا هذا ماذا فعلت للرئيس وكان بطبعه حافظا للجميل‏..‏ فهل قدمت له كوبا من الشاي مثلا قبل الثورة‏..‏ هل اختبأ عندها أثناء فترة هروبه الله أعلم‏..‏ بعد وفاته اكتشفنا وجود علاقات عديدة له من مختلف البيئات‏..‏ وكنت طرفا في قصص أخري مشابهة تؤكد التحامه بالشعب وأن طبيعته لم تتغير فالسياسة كانت بالنسبة له ممارسة وانخراطا وقرون استشعار وسعيا دائما للمعرفة وغربلة المعلومات‏..‏ وفي إحدي المرات كنت حاضرا معه مأدبة غذاء علي شرف الرئيس تيتو في يوغوسلافيا‏..‏ فأرسل من يهمس في أذني‏..‏ فذهبت إليه علي المائدة وطلب مني الاقتراب لكي لا يسمعه أحد وكلفني بالسؤال والاستفسار عن صحة الرئيس تيتو وأحوالها لأنه وجده يأكل الكافيار وهو غني بالكوليسترول بكميات كبيرة ويشرب الفودكا بإسراف‏..‏ وسألني إذا كان يعاني من السكر‏,‏ فهذه الأطعمة تشكل خطرا علي صحته‏..‏ فكيف لم يمنع المحيطون به عنه كل هذا؟ وكان يطلب مثل هذ المعلومات مكتوبة بصورة طبية علمية وليس كلاما مرسلا‏..‏ كانت تستوقفه اللمحات الصغيرة باهتمام شديد شأنها شأن الأحداث الكبيرة‏..‏ لغاية في نفسه لكنها كانت كلها سياسة في سياسة‏.‏
‏{‏ ولكن يقال أنه كان يمتلك نزعة تمثيلية باقتدار وكان زكي طليمات يداعبه لأنه كان يتمني أن يصبح ممثلا‏..‏ ويقال أيضا إنه كان زاهدا متقشفا لكنه في نفس الوقت دائم الاهتمام بأناقته‏..‏ فكيف نفسر هذه التناقضات ونوفق بينها في شخصيته؟
كل الزعماء يمتلكون قدرات تمثيلية تتفاوت فيما بينهم‏..‏ لأنهم يستعينون بأدوات الممثلين للتأثير في الرأي العام واستمالته وإقناعه‏..‏ مثل تلوين الصوت والإيماءات وإجادة استخدام لحظات الصمت وبدوره كانت له طريقة مميزة في الكلام‏..‏ صوته معبر وقد سمعته ذات مرة يقرأ القرآن صوته سليم‏..‏ مخارج الكلمات واضحة‏..‏ بل أنه كان يمثل وهو طالب في الكلية الحربية‏..‏ ولديه ولع بمشاهدة الأفلام المصرية القديمة ويري أنها تجسد الحياة في مصر عبر الزمن‏..‏ كيف كنا وكيف أصبحنا ويفضل أفلام فريد الأطرش وأغانيه بصفة خاصة‏..‏ لكن يجب ألا يختلط الأمر علي البعض بموهبته في التمثيل وقدرته علي الخداع الاستراتيجي مثلا في القرارات المصيرية مثل قرار اتخاذ حرب أكتوبر‏..‏ فذلك أمر مختلف تماما يتطلب أقصي درجات التمويه لا التمثيل فقط‏..‏ فيما يتعلق بأسلوب حياته ومعيشته لم يكن متقشفا ولا زاهدا ولكنه كان يعيش حياته بصورة متوازنة وصحية‏..‏ فالعز والجاه لا يعني أن يسرف الإنسان في طعامه وشرابه ويختصر من صحته وعمره سنوات‏..‏ فكان يأكل الخضراوات والجبنة البيضاء ويأكل وجبة واحدة بعد الظهر‏..‏ في إحدي المرات كنت أمازحه حين وجدت الطعام متواضعا‏..‏ فقال لي‏:‏ أنت حتعمل زي الناس يا أنيس بيقولوا إني بتغدي بديك رومي وأتعشي باثنين‏..‏ كان حريصا علي لياقته البدنية يمشي كثيرا ويقود دراجته ويداوم علي المساج‏..‏ شاهدته في إحدي المرات وهو يقوم بإجراء بروفة علي بدلته الجديدة‏..‏ كانت له عين ثاقبة في الابتعاد عن المرآة بمقدار معين والالتفات للخلف للتأكد من دقة الأطوال‏..‏ رحمة الله‏..‏ كانت أناقته جزءا لا يتجزأ من شخصيته‏..‏ مغرما بصفة خاصة بالعظمة والأناقة الألمانية والكبرياء والاعتداد بالنفس‏.‏
‏{‏ لماذا‏..‏ ما شواهد ذلك ؟
ألمانيا دولة عظيمة شعبها يمتلك إرادة حديدية نهض من بين انقاضه وتقدم أوروبا صناعيا‏..‏ وكان علي المستوي الشخصي معجبا بثلاث شخصيات عالمية علي رأسهم المستشار الألماني هيلموت شميت وهو مولود معه في نفس العام‏1918‏ وكان في نظره‏(‏ حكاء‏)‏ بارع في جعبته الكثير من القصص والنوادر‏..‏ وهنري كيسنجر وهو أشهر وزراء خارجية أمريكا‏..‏ وهو يهودي من أصل ألماني له عقلية مضيئة كانت محط إعجابه وتقديره والأخير بريجنسكي مستشار الأمن القومي في الولايات المتحدة‏,‏ وأخبرني أنه لا يمل من الحديث والجلوس إلي هذه الشخصيات البديعة بصفة مستديمة‏!!‏ شخصية السادات ليس بها تناقضات ولكن توافقات سياسية‏!!‏
‏{‏ رفضت الإفصاح عن ابنته المفضلة لديه‏..‏ فهل تخصنا بهذا السر العائلي فلا غضاضة في ذلك فبعض الآباء يفضلون أحد أبنائهم أو بناتهم فالقلوب بيد الله ؟
صمت الأستاذ ثوان وابتسم في خجل قائلا‏:‏ ابنته الوسطي‏(‏ نهي‏)‏ كانت بينهما خطابات متبادلة وقد كلفني بتدوين كتاب عن السلام وقرر إهداءه مناصفة إلي المستشار الألماني شميت وإلي ابنته نهي‏..‏ وقد فقدت النسخة الأصلية لهذا الكتاب الذي أرسلته لسكرتيره الخاص فوزي عبد الحافظ لكي يقرأه الرئيس وفقدت معها بعض الأشرطة التي علمت بعد وفاة السادات أنها استقرت في ليبيا في حوزة أحمد قذاف الدم ونشر خبر في الصحف عن موضوع إهداء هذا الكتاب‏..‏ وحاول مراسل جريدة‏'‏ دير شبيجل‏'‏ الالمانية الاستفسار عن سبب إهداء الكتاب لشميت بالرغم من أنه لم يقم بأي دور في حين أن كارتر كان ضالعا في اتفاقية السلام للغاية ومن باب أولي إهداءه الكتاب‏..‏ وجاء سكرتير كارتر فيما بعد وسألني عن السبب أيضا في عدم إهدائه لكارتر‏.‏ ولكي أخرج من هذا المطب‏..‏ قمت باختلاق إجابة دبلوماسية‏..‏ فقلت الإهداء كان سيتم مناصفة بين شميت وكارتر‏..‏ وهكذا كانت للسادات مواقف تثير الدهشة‏..‏ وكثيرا ما يحتفظ بما وراء المعاني والأحداث التي يقرأها لذاته ولا يفصح عنها‏..‏ إلا إذا كانت هناك مناسبة‏.‏
‏{‏ كيف بدأ تعارفكما‏..‏ خاصة أنك كنت تكتب في الفلسفة والأدب وبعيدا عن المعترك السياسي ؟
كنت لا أزال في أخبار اليوم رئيسا لتحرير مجلة آخر ساعة وجاء السادات وكان نائبا لرئيس الجمهورية مشرفا علي الأخبار بعد خالد محيي الدين ومحمود أمين العالم وكان يجلس في غرفة مصطفي أمين‏..‏ وفي يوم من الأيام تلاقينا أثناء مغادرتي للدار‏..‏ وصعوده قادما من الخارج فتبادلنا السلام والتحية وقال أنا قرأت لك مقالا جميلا عن بوذا وكونفوشيوس وأريدك أن تكتب صفحة أدبية بشكل منتظم في الصفحة الثالثة بالأخبار وفيما بعد كان يقرأ‏'‏ في صالون العقاد كانت لنا أيام‏'‏ وكنت أنشره حلقات مسلسلة في مجلة أكتوبر ففاجئني بإعجابه الشديد بهذه الجلسات التي افتقدها لانشغاله بالعمل السياسي آنذاك وكان يستفسر عن أشياء عديدة ترد في هذه المذكرات وأخبرني أنه نصح السيدة جيهان السادات بقراءتها‏..‏ وأثار اندهاشه كيف استطعت أن أقوم بوصف سيدة فاضلة إيطالية وقال لي بصوته الجهوري‏:‏ مين ديه يا خويا اللي أنت قاعد تتغزل وتوصف في ايديها ورجليها‏..‏ فقلت له‏:‏ أنا أسف والله يا ريس لقد انهمكت تماما ونسيت أنها زوجة الشاعر عبد الرحمن صدقي صديقي العزيز‏.‏
وفي إحدي المرات في بداية تعارفي به قال لي‏:‏ محمد بيقول أنك طلبت تعليق آية قرآنية علي باب أخبار اليوم فقلت له‏:‏ محمد مين يا فندم ؟ قال‏:‏ محمد هيكل وكنا نقول هيكل لا محمد مثله‏..‏ وأجبته بنعم والآية تقول‏'‏ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب‏'‏ حيث تحكم في أخبار اليوم مشرفون ورقباء لا علاقة لهم بالصحافة أذاقونا العذاب‏!!‏
‏{‏ علي ذكر الرقباء في عهد عبد الناصر‏..‏ هل أعطي السادات أوامره عقب وفاة عبد الناصر بشن حملة للهجوم عليه كما يعتقد البعض ؟
أجاب الأستاذ بحسم‏:‏ إطلاقا‏.‏ السادات كان يري في جمال عبد الناصر كل صفات الزعامة التي يتطلع إليها أي زعيم‏..‏ شجاعة‏..‏ هيبة‏..‏ كاريزما‏..‏ ووطنية حتي النخاع‏..‏ ولكن الناس تسيء أحيانا تفسير الأمور‏..‏ فالسادات سمح في عهده باتساع هامش الحرية بصورة كبيرة مقارنة بالعهد الناصري‏..‏ فانطلقت الأقلام كل يكتب علي هواه وكما يشاء في كافة المجالات ولم يكن هناك شيء منظم وكانت لي واقعة مع السيدة مني عبد الناصر حيث كنت بصحبة الرئيس في ميت أبو الكوم‏..‏ فشاهدها تحاول خنقي مداعبة‏..‏ فاستفسر عن السبب فذكرت له أنها سألتني هل حقا سأصدر مجلة أسمها‏6‏ أكتوبر ؟ فأجبتها وهل تريدنني أن أسميها‏5‏ يونيو‏1967..‏ ولم يعلق السادات نتيجة لحرصه علي مشاعرها وحذره من أن تغضب ثم أتصل بي في المساء تليفونيا وأعدت عليه القصة‏..‏ فضحك كثيرا ولم يشأ أن يضحك أمامها وقال أنت لسانك أطول من لسان‏(‏ العقاد‏).‏
‏{‏ الأديب الأمريكي همينجواي يقول‏:'‏ حين تحطم ما عندك من أشياء ثمينة بالكتابة عنها لابد أن تتقاضي مقابل ذلك مالا وفيرا‏'‏ في إشارة إلي كتابه المذكرات الشخصية‏..‏ وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للأديب فما الدافع للرؤساء مثلا والسادات بالطبع علي تسجيل هذه التجربة الخاصة التي يري البعض أنها قد تحمل بصفة عامة بعض الأكاذيب‏.‏ ما تعليقك ؟
في التاريخ مذكرات أدبية وسياسية بديعة وقد قام العقاد والحكيم ولويس عوض وطه حسين بكتابة مذكراتهم وكانت أعمالا بديعة‏..‏ فالمذكرات تعني ببساطة شديدة أن كاتبها لديه ما يقال ويستحق الكتابة والتدوين‏..‏ مثل مذكرات السادات في كتابه‏(‏ البحث عن الذات‏)‏ أو الكتاب الذي أصدرته أخيرا‏(‏ أوراق السادات‏)‏ فهو وثيقة تاريخية‏..‏ وقد قمت أنا أيضا بكتابة مذكراتي في أكثر من كتاب ولكني أعكف الآن علي كتابة مذكرات من نوع خاص وأنا مستغرق في هذا العمل تماما‏.‏
‏{‏ ذكر يحيي حقي أنه أثناء كتابته لعمله الرائع‏(‏ قنديل أم هاشم‏)‏ في باريس شعر برجفة حين وصف ليالي الشتاء في الصعيد كناية عن حالة التماهي والاندماج التي يعايشها الكاتب فيما يكتب‏..‏ ما هي أبرز طقوس الكتابة لديك فيما يتعلق بكتابة مذكراتك ؟
أشعر بشئ من هذا القبيل‏..‏ فأحيانا أبكي واتأوه وأعايش الأحداث وأنا أكتبها كأنها تصنع أمام عيني‏..‏ فكل الأصوات والألوان والأشخاص والشوارع التي عايشتها مازالت حية في سن قلمي كأن السنوات لم تنقض‏!!‏ فالكتابة بصفة عامة مزيج من النشوة والتوتر‏..‏ والكتاب عموما يرصدون المشاكل ومفتونون بها‏..‏ لكنهم لا يسعون لحلها‏..‏ فهم يسلطون الضوء عليها‏..‏ لكن الروشتة العلاجية بأيدي جهات أخري‏.‏
‏{‏ هذا يأخذنا للمحطات العمرية التي مررت بها‏..‏ وأهم ما يميز كل مرحلة من وجهة نظرك ؟
لا توجد فواصل تفصل سن العشرين عن الثلاثين مثلا‏..‏ ولكنها خطوط وهمية كالخطوط الهندسية نعبرها بمجموعة من العادات والتكوين النفسي وكلاهما من النادر جدا أن يتغير‏..‏ فالسنوات تمضي وعداد السنين لا يتوقف‏,‏ قد يتوقف الإنسان لحظة متأملا سنوات عمره وكيف كان في الثلاثين وأصبح في الخمسين مثلا‏..‏ وعن نفسي لا أنظر في شهادة ميلادي علي الإطلاق‏!!‏
‏{‏ هل حقا الكتابة عن فيلسوف أو أديب أسهل كثيرا من الكتابة عن عامل النظافة في الشارع ؟
بدون شك فالفيلسوف له تاريخ ورؤية ومنجز علمي وثقافي يسهل تقديمه للقراء في إطاره‏..‏ لكن المعضلة تكمن في تقديم رجل من عامة الشعب ومنحه صفة ومعني وملامح تضفي علي شخصيته الجاذبية المطلوبة ليتسني تقديمه في الصحافة‏..‏ وهي بدورها تبحث دوما عن الإثارة والأشياء غير العادية تستوقفها وتقتات منها يوما بيوم‏..‏ فالصحافة تعيش علي هامش المشاكل والكل يصرخ ويعاني في وقت واحد ولا أحد يسمع الآخر‏:‏ الكتاب والقراء والحكومة لذلك تأتي النتيجة أحيانا صفر للجميع‏..‏ فراكب سفينة الفضاء يري الشروق وبعد أقل من ساعة ونصف يشاهد الغروب ويتوالي المشهد ويتكرر مرارا في اليوم الواحد وهكذا يتم تناوب المشاكل في الصحافة فلا يكاد يظهر الشروق وتتحدد المشكلة حتي نشاهد غروبها بلا حل‏..‏ يجب أن يشعر الناس أن الصحافة أكثر جدية وحرصا في معالجة مشاكلهم‏..‏ يحدث ذلك لأننا نتجاهل الأسباب الحقيقية لمشاكلنا‏!!‏ لو شعرنا برجل الشارع ستحل الكثير من مشاكلنا‏.‏
‏{‏ هل مازالت مهمة الأديب إزعاج السلطات كما يقول سارتر ولماذا أصبح سلاح السخرية هو الشائع في الصحافة‏..‏ البعض يري أنه من الأفضل أن نضحك في وجه المأساة مادمنا لا نملك حيالها شيئا؟
مهمة الأديب إزعاج السلطات تعني أن يكون هناك صدي وأثرا واضحا لما يكتب‏..‏ أي تفتيح العقول والعيون والآذان‏..‏ الهرب من المشاكل ليس حلا لها ولكنه إجازة من المسئولية‏..‏ فالكاتب ملتزم بقضايا مجتمعه ولكن السخرية والكوميديا تنبع أساسا حين يتحرج الموقف للغاية ويصبح باعثا علي اليأس والتناقض ولكن يخرج أحيانا من وسط هذا العبث والضوضاء من يقوم بالتمرد علي هذا الإرتجال‏..‏ والإنسان بتكوينه يبحث دائما عن معني وحكمة لكل ما يحيط به‏..‏ لأنه لا يريد أن يبدو أمام نفسه بلا مسئولية‏..‏ لا وزن ولا قيمة له‏!!‏ فالعقل الإنساني يترجم كل شيء إلي أرقام وأوزان ويضع لها بداية ونهاية وكثيرا ما يتم ذلك في اللاوعي لصعوبة تحقيقه في الواقع‏!!‏
‏{‏ الأديبة الفرنسية سيمون دو بوفوار كانت لها عبارة شهيرة تقول‏:'‏ لا يولد الإنسان امرأة وإنما يصبح كذلك فلماذا تتعثر المرأة عبر التاريخ والمرة الوحيدة التي استطاعت فيها الانتصار علي الرجل لم يتحقق لها ذلك إلا حين تنكرت في زي رجل لإنقاذ حبيبها من القتل كما جاء في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير‏..‏ هل قدرنا أن نرتدي دوما ملابس الرجال‏..‏ أي نستعير أساليبهم لكي يتسني لنا تحقيق المساواة والتي تعني الانتصار ضمنيا ؟‏!‏
المرأة آخر من تحرر من سلطة الرجل لذلك تاريخها في الاستعباد طويل ومتصل‏..‏ والعكس صحيح فتاريخ الرجل في الحرية أرسخ وأعمق لأنه ببساطة مجتمع رجال فالذي يضع القانون رجل والذي يحميه أيضا رجل‏..‏ فنحن نعيش في مجتمع يجود فيه الرجل علي المرأة بالقليل‏..‏ ولكن المرأة تمرست في الحصول حقوقها تدريجيا‏..‏ ويقال إن النساء كن يحكمن العالم سرا‏..‏ فالمرأة في النهاية هي أم الرجل والزوجة والأبنة وهي أكبر قوة استهلاكية في العالم‏..‏ ولكن الآن أصبحت المرأة تحكم علانية فلدينا مستشارة ألمانيا ميركل وهيلاي كلينتون أقوي وزيرة خارجية في العالم‏..‏ ووزيرات دفاع وعدل في دول أخري فالنساء قادمات لا محالة‏!!‏
‏{‏ هل تتوقع أن المرأة حين تتمكن شأن أي عاجز أو أسير أطلق سراحه ستستبد بالرجل وتنتقم منه‏..‏ هل من الممكن أن‏(‏ تسحله‏)‏ مثلا؟
يضحك الأستاذ كثيرا لتعبير‏(‏ السحل‏)‏ ويقول بثقة وهدوء‏..‏ لن يحدث ذلك لأن من يختارونها هم الرجال‏..‏ والمرأة لا تحب أن تكون رجلا بلا شوارب لأن الأنوثة معني جميل يفتقده الرجال‏..‏ فالرجال يفضلونها امرأة وجري العرف علي أن يقدم الرجل الأدب والذوق للمرأة بديلا عن المساواة التي تنشدها دائما‏.‏
‏{‏ قمت برحلة حول العالم في‏228‏ يوما عام‏1959..‏ اختلف العالم الآن وأضفت المظاهر الحضارية للعولمة الكثير من أوجه التشابه بين المدن‏..‏ فهل توجد صعوبة في رصد خلجات المدن وخصائصها فالسوشي يؤكل في طوكيو وجميع أنحاء العالم مثلا ولم يعد الكيمونو وثقافته هي السائدة فالأغلبية‏(‏ تأمركت؟
في كل الأوضاع سيجد الصحفي المجتهد ما يكتبه في البلاد التي يزورها فالمظاهر الحضارية منذ الأزل تتقارب بين العواصم حيث الفنادق الكبري والمحلات التجارية الباهظة التي تعرض الماركات العالمية‏..‏ من يريد معرفة أي مدينة فليبحث في شوارعها الخلفية‏..‏ حيث تظهر بوجهها الحقيقي بلا رتوش وعن نفسي كانت تستغرقني الكتابة إلي أقصي درجة حتي أنني حين أتذكر هذه الرحلة الآن اندهش كيف أنني لم أهتم بتسجيل الطعام الذي كنت أتناوله أو ملابسي كيف كانت‏..‏ يبتسم الأستاذ ويقول‏:‏ في عام‏1961‏ ذهبت إلي الكونغو أثناء الانقلاب الذي حدث هناك‏..‏ وترامي إلي أسماعنا كيف أن بعض أهل البلاد من آكلة لحوم البشر أكلوا ثلاثة من المصريين وكان لومومبا يداعب السكرتير العام للأمم المتحدة ويقول له إن في عروقه دماء سويسرية‏_‏ لأن أجداده أكلوا اثنين من أهل السويد‏..‏ كلما تقدم العمر بالإنسان تقل درجة الاقتحام والجرأة تدريجيا‏..‏ وأذكر أن رجل الجمرك استغرب عندما سألني عن أمتعتي في مطار القاهرة بعد نهاية الرحلة‏..‏ ولم تكن إلا شنطة صغيرة بها ماكينة حلاقة ونوتة وقلم‏..‏ الشباب الآن يسافر إلي بلاد أخري بهدف الهجرة وأحيانا يقوم بالهجرة داخل بلاده وهو يعيش بها‏..‏ لأنه اختار الوقوف علي الهامش وعدم المشاركة‏.‏

[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.