قليلة هي الأعمال التي تتناول أثر المكان في إبداع الكاتب خاصة عندما يكون هذا المكان هو البطل المهيمن علي العمل الأدبي بكل ما ينطق به من حكايات و أسرار وذكريات. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب' الشوارع في الرواية المصرية' للكاتبة الصحفية هالة فؤاد التي تتجول بنا في الأماكن والشوارع المصرية التي كانت البطل في أهم وأشهر الروايات المصرية بداية من زقاق المدق لنجيب محفوظ ورصده الحياة الكاملة لسكانه بكل أحلامهم وآلامهم وآمالهم, و محمد جلال في' عطفة خوخة' بالجمالية التي تناولت قضية الاستبداد و الظلم فكانت تتأرجح بين صمت القهر وصرخات النجاة. ثم حي السيدة زينب الذي ألهم الكثيرين مثل: يحيي حقي في قنديل أم هاشم كي يبرز الصراع بين الشرق والغرب متخذا من هذا الحي الشعبي بكل طقوسه وعادات أهله منطلقا لرصد السلبيات التي تؤخذ علي الشرق, وكذلك يوسف السباعي الذي عشق هذا الحي فخصص له مجموعة قصصية تحمل أسماء شوارعه وهي' بين أبو الريش وجنينة ناميش' التي تناول فيها صخب الحياة هناك. وأيضا بهاء طاهر في' نقطة نور' والتي ركز فيها علي أجواء السيدة النورانية. مرورا ب قلعة الكبش التي جعلها نبيل راغب محورا لروايته التي برزت فيها صلته الشديدة بالمكان فجاءت أحداثها وكأنها صدي لأحداث التاريخ, و انتهاء بقرية الضهرية التي كانت مصدر إلهام يوسف القعيد في روايته يحدث في مصر الآن عن هموم الضعفاء وقليلي الحيلة في بر مصر وتعلقهم بالحلم الأمريكي باعتباره طوقا للنجاة. فمثلا في' زقاق المدق' أحد أهم الأعمال التي يلعب فيها المكان دورا كبيرا لما له من تأثير طاغ بدا واضحا فيها حيث كان المركز الذي تتولد فيه الشخصيات وتتفجر الأحداث تجد نموذجا مصغرا يرصد الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المصرية بكل تناقضاتها من تباين شديد بين الفروق الاجتماعية الصارخة. و يبدأ الكتاب بوصف تفاصيل المكان وتاريخه والشوارع والأحياء المرتبطة به ثم ينتقل لتأثير ذلك المكان علي الرواية وشخوصها وأحداثها وكيف نقلت الرواية أصداء المكان بكل ما فيه من شخصيات وطقوس وكيف برز ذلك المكان كبطل مهيمن علي الأحداث. وأخيرا تجدر الإشارة إلي المقدمة المتميزة للكاتبة نوال مصطفي والتي أضافت للكتاب طابعا خاصا كعمل مميز يبحث في ثقافة المكان. صدر عن سلسلة كتاب اليوم لدار أخبار اليوم [email protected]