الغناء ليس موهبةً أو صوتا جيدا أو جميلا فقط. والفرق بين المُغنى والفنان أن الثانى يدرس ويتعلم فيُبدع بناء على علم ومعرفة، ويفتح أمام موهبته آفاقاً لا يستطيع بلوغها دون دراسة. وهذا هو الفرق بين الفنان الكبير عبد الحليم حافظ، ومن سعوا لأن يكونوا مثله، أو تصوروا أنهم كذلك عندما وجدوا إقبالاً عليهم، فأغفلوا التراجع الذى حدث فى الذائقة الفنية فى مجتمعنا فى العقود الأخيرة. جال هذا، وغيره، فى خاطرى عندما أسعدنى الحظ قبل أيام بمشاهدة حفلة بثتها قناة ماسبيرو زمان الرائعة، وغنى فيها العندليب آخر أغانيه وإحدى أبدعاته «قارئة الفنجان». ورغم أننى سمعت هذه الأغنية مرات، وشاهدتُ بعض مقاطعها، كانت هذه المرة الأولى التى أشاهدها كاملة، وأركز فى موسيقاها التى وضع ميشيل المصرى مقدمتها الجميلة، وأبدع محمد الموجى فى ألحانها. يلفت انتباه من يتأمل موسيقى هذه الأغنية أن العندليب غنى بعض مقاطعها بلحنين مختلفين لكل منها، كما ضمت فرقة العندليب فى هذه الأغنية آلتى أورج اثنتين وليست واحدة، عزف على احداهما المتمكن مجدى الحسينى، وعلى الثانية هانى مهنى، فضلاً عن آلة الجيتار التى عزف عليها د. محمد الطوبجى. وهى حالة نادرة أن نجد آلتى أورج فى فرقة واحدة. لكن معرفة العندليب العميقة بالآلات الموسيقية، التى درسها فى معهد الموسيقى العربية، وواصل تعلم كل جديد فيها، أتاحت له توظيف كل من الآلتين بالطريقة التى أرادها خلال قيادته للفرقة، إذ ظهرت مهارته فى التنسيق بينهما. كما أجاد قيادة العازفين الذين قدموا جملاً موسيقية منفردة صولو، فى إطار اللحن الذى تضمن مساحات لهذا النوع من العزف. وربما كان الصولو الذى أداه الفنان الكبير حسن أنور عازف الرق فى هذه الأغنية الأفضل فى حياته. كما لعبت هذه الآلة دورا بالغ التميز فى المقاطع التى كانت ترد فيها على إحدى آلتى الأورج أو كلتيهما، فى توظيف ساحر لإمكانات آلتين إحداهما شرقية والثانية غربية على نحو مثل فتحاً موسيقيا فى حينه. فهل كان ممكناً أن يقدم العندليب مثل هذا الإبداع دون دراسة عميقة؟ سؤال لا يحتاج جوابا. لمزيد من مقالات د. وحيد عبدالمجيد