* العلماء: الوثيقة نقطة تحول فى العلاقة بين الأزهر والفاتيكان فى بادرة تاريخية وقع الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، والبابا فرانسيس بابا الفاتيكان، وثيقة الأخوة الإنسانية» وتم وضع حجر الأساس لمسجد الشيخ أحمد الطيب، وكنيسة القديس فرانسيس فى العاصمة الإماراتية. وقد سجل شيخ الأزهر للتاريخ نداءين: الأول إلى المسيحيين بقوله «لستم أقلية وأرجوكم أن تتخلّصوا من ثقافة مصطلح الأقلية الكريه، فأنتم مواطنون كاملو الحقوق والمسئوليات»، والثانى إلى المسلمين فى الغرب، إذ دعاهم إلى الحفاظ على هويتهم الدينية والاندماج فى دولهم واحترام قوانينها. أما البابا فقد اعتبر أن الحرية الدينية لا تقتصر على حرية العبادة بل ترى فى الآخر أخاً بالفعل، وأن العدالة تكون مزّيفة إنْ لم تكن كونية وتكون عرجاء وظلماً مقنّعاً إذا كانت فئوية.
هذا اللقاء التاريخى يعد خطوة مهمة لحوار الأديان ويحمل الكثير من الدلالات، سواء فى العلاقة بين الديانتين: الإسلام والمسيحية، أو بين الأزهر والفاتيكان. يقول الدكتور كمال بريقع، منسق عام مركز حوار الأديان بالأزهر: يمثل لقاء الرمزين الكبيرين فى مؤتمر «الأخوة الإنسانية» علامة بارزة وواحدة من المحطات المهمة فى تاريخ العلاقات بين الأزهر الشريف والكنيسة الكاثوليكية، مشيرا إلى أنه لا يمكن الحديث عن دور فاعل للعلماء وقادة الأديان فى مواجهة التحديات التى تواجه العالم فى القرن الحادى والعشرين مثل تحدى الإرهاب وخطاب الكراهية والنزعات الإقصائية والانعزالية التى تهدد نسيج الكثير من المجتمعات وتنذر بتمزقها دون شراكة حقيقية مع مؤسسة الأزهر الشريف التى كانت وما زالت تعبر تعبيرا صادقاً عن تعاليم الإسلام التى تتسم بالوسطية والاعتدال، وما تحظى به هذه المؤسسة العريقة من ثقة واحترام وتقدير من المسلمين، وتلك المكانة الكبيرة التى ترسخت لها عبر العصور بين أتباع الديانات المختلفة، لتصبح المرجعية الأولى للمسلمين حول العالم. خطوة نحو التجديد اعتبر بريقع وثيقة «الأخوة الإنسانية» خطوة مهمة على طريق تجديد الخطاب الدينى لما احتوت عليه من مبادئ مشتركة تؤكد حق الإنسان فى الحرية، والحياة، والدعوة للمحبة والتقارب، وحق الناس فى العبادة والعيش المشترك، مع تأكيد نشر ثقافة التفاهم والتسامح والدعوة للالتزام بمبادئ العدل والمساواة. وأوضح أن من أهم دلالات الوثيقة عزم الرمزين الكبيرين على كسر حواجز العزلة والانكفاء على الذات ليقتدى بهما أتباع الديانتين الكبيرتين، ويتخذوا هذا اللقاء نموذجاً عملياً للتلاقى والتعاون بين الشرق والغرب، وليصبح بمنزلة صفعة قوية ترد على دعاة الصدام الحضارى، والصراع الدينى، ونهاية التاريخ، وغيرهم من المنظرين والفلاسفة. ولعل الجهود المبذولة من كلا الجانبين مثلت نقطة تحول فى العلاقات بين الديانتين الكبيرتين، يؤكد ذلك تبنى «وثيقة الأخوة الإنسانية»، والعديد من المواقف المشتركة، وإصرارهما على إقرار السلام وتعزيزه، ونشر ثقافة التسامح، واتفاقهما على براءة الأديان من تهمة الإرهاب، ورفضهما إلصاق هذه التهمة بتعاليم الأنبياء التى جاءت رحمة للعالمين، مع تأكيد أن المتطرفين قلة موجودة فى كل ديانة وفى كل مكان، وأن الإرهاب لا دين له ولا وطن. وأضاف بريقع قائلا: إن الرسالة المهمة التى نقرؤها من اللقاء هو أنه لا مناص من التعاون بين بنى البشر لبناء مستقبل جديد من العلاقات التى تقوم على الاحترام والثقة والتعاون المتبادل أو بحد تعبير البابا: «إما أن نبنى المستقبل معاً، وإلا فلن يكون هناك مستقبل. وسوف يتحقق السلام فى عالمنا حين نؤمن أننا قادرون على تعزيز التنوع، واحترام روابط الأخوة الإنسانية، ونقاوم كل أشكال التمييز، وننبذ التعصب، ونسعى جميعا لتحقيق التعاون المشترك». حرية العقيدة وقيم التعددية ويرى الشيخ أحمد ربيع الأزهرى، من علماء وزارة الأوقاف، أن الدين أصبح جزءا من معادلة تأجيج الصراعات فى العالم.. ومع تفشى العنصرية وقيم التخلف وجب على القادة الدينيين فى العالم أجمع المساهمة الجادة فى صياغة خطاب دينى، ويحترم اختلاف العقائد، ويؤسس لقيم التعدد والبحث عن المشترك الجامع ذى البعد الإنساني، مع تأكيد الخصوصية لكل أصحاب معتقد، وأن يغلق باب المعتقد كمحل للنقاش العام.. وأن نخرج على الجماهير بخطاب يعمق التعايش السلمي.. ومن هذا المنطلق نثمن الجهود التى يبذلها كل من الأزهر كمرجعية كبرى للمسلمين على مستوى العالم، وبابا الفاتيكان وما يمثله من ثقل بين مسيحيى العالم والتى أثمرت عن «وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام والعيش المشترك». وأضاف أن الإسلام جعل من قيم التنوع والاختلاف مسلكا للتعايش والائتلاف، وحارب التعصب والخلاف، وأنكر الصدام والصراع.. وجعل رسالته رحمة للعالمين مسلمين وغير مسلمين، وأسس لقيم التعارف فقال تعالي: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ولم يُكره أحدا على الدخول فيه، وأطلق للناس الحرية فى هذا الشأن فقال تعالى (لَا إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ).. وعندما هاجر النبى صلى الله عليه وسلم عقد مع اليهود معاهدة تعد أقدم وثيقة بشرية لعمل أسس لقيم المواطنة والتعايش المشترك بل والدفاع المشترك، واستقبل نصارى نجران فى مسجده، وكتب لهم ولعموم النصارى من بعدهم عهدا جاء فيه (..ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسول الله على أموالهم وأنفسهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا كاهن من كهانته، وليس عليهم دنية ولا دم جاهلية..)، وبمثل ذلك أيضا كتاب الرسول لعمرو بن حزام عامله على اليمن: «ومن كان على نصرانيته أو يهوديته فإنه لا يرد عنها»، وكذا ما عهد به النبى صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل عند ذهابه إلى اليمن أنه: (لا يزعج يهودى فى يهوديته)، وتبعه خلفاؤه فى هذا المنهج، فها هو عمر بن الخطاب يعطى أهل إيلياء (القدس) عهدا جاء فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما كتبه عمر بن الخطاب لأهل بيت المقدسِ: إنكم آمنون على دمائكم وأموالكم وكنائسكم، لا تُسكن ولا تخرّب، إلا أن تُحدِثوا حدثًا عامًا، وأشهد شهودًا». وما فعله عمرو بن العاص مع بنيامين عظيم قبط مصر بعد فتحه مصر ودعوته له بأن يعود من مخبئه الذى اختبأ فيه من ظلم الرومان ليقوم على شئون رعاياه، لخير دليل على عظمة الإسلام وإيمانه بحرية الاعتقاد.