عندما تتأمل أداء الرئيسين الأمريكى والفرنسى ورئيسة الوزراء البريطانية، وردود الفعل على توجهاتهم، داخليا وخارجيا، تدرك أن الغرب سقط فريسة أزمة ضارية، وأن العلاجات التقليدية فشلت معها، أزمة قد تعصف بثوابت مستقرة، مثل فكرة الدولة أو الحداثة وحتى الديمقراطية، إذ أصبحت السياسة أسيرة القوة الحقيقية، أى تدفق رأس المال، القلب المحرك للرأسمالية، فى كل نسخها، وآخرها وأشرسها «النيوليبرالية» يتفاقم الأمر مع الانقلاب على فكرة العولمة وحرية الأسواق التى بشر بها الغرب، تلك الردة تنذر بعواقب وخيمة لبقية العالم، لأن التفاعلات والجموح الإمبراطورى فى العواصمالغربية ستكون نتائجها العسكرية والاقتصادية والسياسية والمناخية ..إلخ شديدة التأثير على شعوب تلك الدول، فى واحدة من دورات الهيمنة ومحاولة الاستفراد بقيادة العالم. صحيح أن الغرب تجاوز القرون الوسطى إلى عصر النهضة، عبر الإيمان بقدرة الإنسان والمنهج العلمى ويقين المعرفة، رغبة فى صنع عالم متطور، عماده العقلانية والعلمانية والتقدم، لكن ذلك قاد إلى النظام الرأسمالى، ومن جوفه خرج الاستعمار بكل حمولاته الامبريالية: عنصرية غربية واستعباد للشعوب واستنزاف خيراتها، مثلما يروى إدوارد بابتيست فى دراسته (نصف القصّة الذى لم يُقل: العبودية وإنشاء الرأسمالية الأمريكية)، هذا التناقض ما زال ماثلا، إنه جذر الأزمة الراهنة، إذ يشكل الاحتكار التكنولوجى ومراكمة الثروات لدى الغرب، مقابل إفقار الآخرين، وجرهم إلى فضاء التبعية، إكراها أو رضاء، بطريقة تفضى لانشطار المنظومة الرأسماليّة الدولية إلى مراكز تستمدّ رفاهيّتَها من بؤس التخوم، وفقا لسمير أمين، فالرأسمالية لا تأخذ فى الاعتبار العناية بالفقراء والمعوزين، بالنسبة لها، هذه أعباء تعوق عمليّة المنافسة الامبراطوريّة التى تعلو على أى اعتبار آخر، حتى لو طحنت الناس فى البلد نفسه، أو فى الدول النامية. ومن أجل فهم النهج البراجماتى للعقل الغربى، فإنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والولايات المتحدة تدفع العالم للأخذ بمبدأ حرية التجارة والأسواق، وصولا لقيام منظمة التجارة العالمية، فى ظل تفوّق واضح لأمريكا فى موازين القوّة، تملك نحو ربع الثروة العالميّة، و35% من الابتكارات التكنولوجية و40% من الإنفاق العسكرى العالمى. وهى مقرّ 600 من 2000 شركة الأكثر ربحا، و50 من أفضل 100 جامعة فى العالم. وبرغم ذلك فإن هذه القوة الامبراطورية غير المسبوقة فى التاريخ، حينما استشعرت وجود نوع من المنافسة من قوى أخرى، الصين تحديدا، فإن الرئيس ترامب هدد بالانسحاب من منظمة التجارة العالمية، مدعيا أنها تعامل بلاده بطريقة غير عادلة، مع أن مؤسسات مالية أخطبوطية كصندوق النقد والبنك الدوليين تفرض شروط (النيوليبرالية) سمها الرأسمالية المتوحشة- على بلدان عديدة حول العالم، عن طريق الخصخصة وتهميش دور الدولة فى الاقتصاد وتحجيم الرعاية الاجتماعية، مع تركيز الثروات الوطنية بأيدى حفنة من رجال الأعمال التابعين للرأسمالية. تنبع خطورة الأمر، بتلك البلدان، من أن النيوليبرالية ليست مجرّد ايديولوجيا أو نظام اقتصادى، إنما هى نظام سياسى، يدعم الهيمنة الامبريالية ويسهل اختراق المجتمعات، بحيث تصبح الدولة الوطنية ومؤسساتها المنتخبة، منفّذا لما تقرره الأسواق الخارجية لا أكثر. وبعيدا عن نظريات المؤامرة، فإن التنافس بين الأقوياء أحد طبائع الأشياء، وهناك تيار سائد فى الأوساط الفكرية الأمريكية، حول ضرورة استمرار الهيمنة الأمريكية وتحجيم المنافسين المحتملين بأى وسيلة، ناعمة أو خشنة، حتى لو كانت إلقاء القنابل النووية، على رءوسهم، وهو ما عبر عنه مايكل باكلى بكتابه (بلا منافسة: لماذا ستبقى أمريكا القوّة العظمى الوحيدة)، المفاجأة أن السحر قد ينقلب على الساحر، تنتكس الرأسمالية وتتوعك أعتى الديمقراطيات الغربية، اليوم، لعدم قدرتها على حل التناقض فى بنية (النيوليبرالية). وليس مبالغة أن نعزو الارتباك الشديد لدى النخب الحاكمة فى فرنسا (السترات الصفراء) وبريطانيا (بريكست) وغيرها من دول الغرب، إلى حالة أزمة تتلبس النموذج الرأسمالى؛ تتزايد البطالة وتنكمش الأسواق التى يعتمد عليها الرأسماليون فى تحقيق التراكم الدائم، نتيجة فقدان الطبقة المتوسطة قدرتها الشرائية، يتحول هذا لسخط سياسى. ولا شك أن هذا يحفز على إعادة النظر فى دواعى الالتحاق بركب النيوليبرالية، بحثا عن علاقة سوية مع الخارج، لمصلحة وطنك.. الصين موعظة حسنة، كانت تقود العالم فى عدد الفقراء ثم باتت تقوده فى حجم الطبقة المتوسّطة، انتشلت 800 مليون مواطن من براثن الفقر، بتنمية وطنية مستقلة لا تابعة، تدعم السوق الداخلية وتقتحم الخارجية، فصارالصينيون من أكثر الشعوب تفاؤلا بالمستقبل..وتلك قصة أخرى!. [email protected] لمزيد من مقالات د. محمد حسين أبوالحسن