اليوم.. انطلاق انتخابات رئيس اتحاد طلاب جامعة المنصورة    وزير المالية يصل فرنسا لحضور اجتماع منظمة التعاون الاقتصادى والاتحاد الأوروبى    «فرقص» تغرق في فيضان المجاري.. وأهالي الفيوم تحت الحبس الإجباري    برلماني روسي يكشف تفاصيل اجتماع «الدوما» في مصر    أحمد حجازي: محمد صلاح "تعبنا"    مواجهات "ولاد العم" في الدور الأول للدوري..الزمالك لا يفوز منذ 4 سنوات والتعادل الإيجابي يغيب منذ مذبحة بورسعيد    ضبط نصف كيلو هيروين برأس البر    رحلة "شيما".. من حلم الشهرة ب"عندي ظروف" إلى كابوس "البرش"    بث مباشر لقناة "سي بي سي إكسترا"    حصريا تردد قناتي دعوة ووطن الناقلتين لمسلسل أرطغرل الجزء الرابع مترجم للعربية.. محدث منذ قليل    "الخارجية" الأمريكية: بيونج يانج غير مستعدة لوقف تجاربها النووية    ميليشيا الحوثى تطلق سراح 40 صحفيا بعد اختطافهم فى صنعاء    وزارة الداخلية تكشف تفاصيل حادث انفجار بالطالبية في الجيزة    "علشان تبنيها" تنظم اليوم مؤتمرا حاشدا ب"الإسكندرية" لدعم ترشح السيسى لفترة رئاسية ثانية    السويدي: لن نتمكن من إنجاز التنمية المحلية بدون القانون    سعد رمضان يحيي حفل رأس السنة بلبنان    بالصور.. خبراء اليونسكو يكشفون سبل حماية الممتلكات الثقافية في مناطق الحروب    نائب رئيس هيئة البترول السابق: حقل "ظهر" تم في زمن قياسي    حقيقة زيادة أسعار الكهرباء يوضحها المتحدث باسم الوزارة    الفيراري محمد صلاح يتعطل أمام ناطحة السحاب حجازي: «2 فراعنة ضحاياه» (فيديو)    القدس عربية.. قصف جديد للطيران الإسرائيلي على مواقع للمقاومة الفلسطينية بغزة    الصديق العدو.. إسرائيل تفضح علاقتها ب«أردوغان»    بث مباشر قناة الحوار    سامح حسين: هناك «استهتار» من المنتجين تجاه الأعمال الكرتونية    614 مليون دولار ايرادات فيلم Justice League    مفتي الجمهورية: إعلان الجهاد حق ثابت لولي الأمر    فيديو.. سعد الدين الهلالي: المفتي رأيه إرشادي فقط    أخبار مانشستر سيتي.. جوارديولا يحطم رقما قياسيا جديدا    محمد فاروق حكماً لمباراة الزمالك والإسماعيلي    الأرصاد: طقس اليوم مائل للدفء والعظمى بالقاهرة 21 درجة    طارق شوقي: نسعى لرفع عبء التعليم عن أولياء الأمور والطلاب    مسيرة شموع صامتة تجوب شوارع عمان رفضا للقرار الأمريكى بشأن القدس    مؤمن سليمان: كلوب ابتكر مركزا خاصا لصلاح مع ليفربول للاستفادة منه    مصطفى الفقي: الثورة الإيرانية كانت فاصلة وتعيسة للمنطقة العربية    باحث كيميائي: اخترعت علاج للسرطان للحصول على نوبل    برلماني يُهاجم مُخترم العلاج الجديد للقضاء على السرطان    الصحة: سنتخذ الإجراءات القانونية ضد مخُترع علاج للسرطان بدون ترخيص    مطار القاهرة يرحل راكبة سودانية لعدم حملها شهادة تطعيم    قذاف الدم: قطر وتركيا والسودان يؤججون الصراع فى ليبيا لخدمة إسرائيل    تعرف علي ماقاله بيليه عن محمد صلاح    محمد صلاح يحافظ على لقب هداف الدوري الإنجليزي عقب نهاية المرحلة 17 ..فيديو    سفير مصر بأكرا يؤكد أهمية زيارة وزيرة الطيران الغانية الحالية إلى القاهرة    المؤتمر السنوى ال 44 لرابطة العلماء المصريين بكندا وأمريكا 26 ديسمبر الحالى بجامعة عين شمس    فيديو.. «الصحة»: تمكنا من حل أزمة نقص البنسلين    السويدي: الحالة الصحية لشريف إسماعيل في تحسن ويعود قريبا    بالصور .. مدير أمن الإسماعيلية يقود الحملات المرورية والأمنية بشوارع وميادين المحافظة    افتتاح مكتبان للشهر العقارى بالمعادى والقاهرة الجديدة    شروط الفنانين قبل التعاقد على أعمالهم تهدد استقرارهم الفنى    انفراد.. «روزاليوسف» تحصل على التصميم الروسى النهائى لمحطة الضبعة    توفيت إلي رحمة الله تعالي    نحو الحرية    قابيل: توريد دواء فيروس «سى » مقابل منتجات أرجنتينية    انتشال الجثة الأخيرة أسفل أنقاض العقارات الثلاثة بروض الفرج    فى إعادة محاكمة «المعزول» بالتخابر مع دول ومنظمات أجنبية    "الرقابة الإدارية" تطارد الفاسدين بأجهزة الدولة    خالد الجندي: يفجر مفاجأة عن الحجامة (فيديو)    مفتي الجمهورية: إعلان الجهاد حق ثابت لولي الأمر لا ينازعه فيه غيره    وزير الأوقاف: كل الدماء حرام ونؤمن بحق الإنسان فى حرية المعتقد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





مساحة الممكن فى مسألة حقوق الإنسان

تبدو المسألة الحقوقية فى مصر قضيةً مزمنة ترتد إلى سنوات طويلة مضت حتى أصبح لها مواسم سنوية معروفة يُثار فيها الجدل مثل صدور التقرير السنوى لمنظمة «هيومان رايتس ووتش» أو تقرير الخارجية الأمريكية، أو تقرير مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أو اجتماعات مجلس حقوق الإنسان فى جنيف. ففى هذه المواسم السنوية الأربعة على الأقل يتكرّر اسم مصر مقروناً بالانتقادات والسلبيات.
أغلب الظن أننا سنرى كل عام فى هذه المناسبات الحقوقية السنوية الجدل ذاته، والانتقادات والانتقادات المضادة ذاتها، فكيف السبيل إذن للخروج من هذه الدائرة المفرّغة؟ يبدو لى أننا نحتاج إلى أمرين: أولهما أن يكون لدينا استراتيجية، رؤية ما فى مسألة حقوق الإنسان، وثانيهما أن نبادر على الفور إلى إحداث اختراق حقيقى فى هذه القضية. الأمر الأول سياسى وله أصحابه وصنّاع القرار فيه والحديث عنه يتجاوز حدود هذه المساحة لكن المؤكد أنه ليس لدينا حتى الآن رؤية متكاملة فى قضية حقوق الإنسان حتى ولو بدت هذه الرؤية متواضعة، فهذا لا يعيب متى كانت رؤية مرحلية ومتدرجة وصادقة. أما الأمر الثانى فهو تقنى وقانونى وهو موضوع هذا المقال. وتكمن فكرته فى ضرورة أن نشرع على الفور فى العمل ضمن ما أسميه مساحة الممكن التى نهملها فى القضية الحقوقية.
فالحاصل أن قضية حقوق الإنسان فى مصر تستوجب إصلاحات شتى فى أكثر من مجال. لكن حين نتأمل قليلاً واقعنا الحقوقي، بكل تعقيداته وتراكماته وسلبياته، نكتشف أنه ينطوى على نوعين من الإصلاحات المطلوبة. أولهما إصلاحات كبرى عميقة وراديكالية تصل إلى حد (تثوير) وليس فقط (تغيير) المفاهيم والممارسات والمؤسسات والبنى التشريعية المتعلقة بحقوق الإِنسان. وثانيهما إصلاحات أخرى لا تحتاج لأكثر من تصحيح أوضاع ومعالجة سلبيات تهم قطاعات كبيرة وواسعة فى المجتمع. هذا النوع الثانى من الإصلاحات يبدو ممكناً وميسوراً وبلا تكلفة أمنية أو سياسية.
ما أقترحه هنا كبداية.البدايات الجادة الممكنة التطبيق تعنى أن نشرع فى القيام بإصلاحات مهمة ومؤثرة وغير مكلفة أمنياً ولا سياسياً، وهى فى مصلحة المجتمع كما فى مصلحة الدولة سواء بسواء، ثم أنها لن تعرقل أو تربك أو تُضعف جهود مكافحة الإرهاب والقضاء عليه.
أحد الإصلاحات الحقوقية المطلوبة هى مراجعة ظاهرة الإفراط فى الحبس الاحتياطى سواء على صعيد التشريع المنظّم أو على صعيد الممارسة العملية. فقد أصبح الحبس الاحتياطى بلا مبالغة عقوبة فعلية سالبة للحرية بالمخالفة لقرينة/أصل البراءة التى لا تزول إلا بحكم قضائى بات. نظرياً شُرّع الحبس الاحتياطى بصفة أساسية تفادياً لهرب المتهم أو خشية عبثه بالأدلة أو تأثيره على الشهود. لكن الحاصل عمل يبدو غير ذلك. لهذا وللتوفيق بين فاعلية إجراءات التحقيق وحماية أمن المجتمع من ناحية وبين كفالة الحرية الفردية واحترام موجبات قرينة البراءة من ناحية أخرى فإنه يمكن الأخذ بالعديد من البدائل والتدابير التى تحل محل الحبس الاحتياطى وتحقّق الغاية منه، وبعضها منصوص عليه فى القانون، ونأمل فى مشروع قانون الإجراءات الجنائية المطروح حالياً أمام مجلس النواب أن يمنحها المزيد من التفعيل بل وأن يستحدث بدائل وتدابير أخرى مثلما نرى فى تشريعات الدول المتحضرة قانونياً. بالطبع سيبقى الحبس الاحتياطى إجراء ضرورياً لا غنى ولا تحل محله أى بدائل أو تدابير فى الجرائم الإرهابية وفى جرائم أخرى جسيمة. لكن البدائل والتدابير الأخرى أصبحت مطلوبة بالنسبة للمتهمين بجرائم غير إرهابية ولا جسيمة وهم ليسوا من عتاة المجرمين ولا الخطرين إجرامياً.
يدخل أيضاّ ضمن مساحة الإصلاح الحقوقى الممكن تحسين الظروف الإنسانية والصحية التى يعانيها كثير من المحكوم عليهم والمحبوسين لا سيما المصابون بأمراض خطيرة والطاعنون فى السن.قد يعتقد البعض أن ذلك يتطلب من الإمكانات والموارد ما يفوق قدرة الدولة، وهذا صحيح مبدئياً. لكن ليس المقصود هنا ولا المتوقع أن تتحول السجون وأماكن الاحتجاز والحبس فى مصر إلى مثيلاتها فى دول شمال أوروبا الشبيهة بالفنادق المريحة، فالمطلوب هو توفير الحد الأدنى من الشروط الإنسانية والصحية والرعاية الطبية للمساجين والمحتجزين بلا استثناء.
ثمة إصلاحات أخرى واجبة وممكنة لتنظيم مسألة المنع من السفر الذى يُفترض أنه لا يجوز بغير أمر صادر من سلطة مختصة قانوناً وفقاً لشروط وضوابط معينة باعتباره قيداً يرد على حرية الناس فى التنقل المكفولة دستورياً. لا يعنى تقنين المنع من السفر وتقييده أن يكون على حساب متطلبات حماية الأمن العام أو احتمال فرار أشخاص رهن التحقيق أو مطلوبين للعدالة، لكنه يعنى ببساطة أن يكون هناك تنظيم قانونى واضح يُطبق على الجميع. فللدولة حق (بل عليها واجب) كفالة فاعلية إجراءات الملاحقة والتحقيق بإخضاع أى شخص مطلوب للعدالة لتدبير المنع من السفر، وللأفراد الحق أيضاً فى أن يعلموا بوضوح من هى الجهة المختصة بإصدار قرار الحظر، وما هى شروطه ومدته ووسائل مراجعته.
كثيرة هى إذن الإصلاحات الحقوقية الممكنة التى لا تتعارض مع اعتبارات مكافحة الإرهاب وحماية الأمن العام وفاعلية العدالة، ولن يضير هذه الاعتبارات شيئاً إذا قررت الدولة مثلاً أن تعلن عام 2018 هو عام مناهضة التعذيب، وأن تقدم الجهات المعنيّة بكل شجاعة تقريراً شهرياً أو فصلياً بما اتخذته من إجراءات إدارية أو جزائية أو تثقيفية أو مهنية لمكافحة الظاهرة، ومن هو الضابط القدوة الذى تم اختياره كل شهر فى حسن التعامل مع المواطنين. هى أشياء قد تبدو فى ظاهرها بسيطة لكنها فى تراكمها مجدية ومؤثرة، وبدلالتها إشارة لتغيير ثقافة أمنية وسياسية، أما أثرها فى الخارج فهى بذاتها ردٌ على الانتقادات الدولية المتكررة.
يبقى فى النهاية تساؤل صريح ومطلوب يتعلق بمسألة شمولية حقوق الإنسان. لا أحد ينكر أن حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية لا تقل فى أهميتها عن حقوقه السياسية الأخري. ولنعترف أنه من بين كل مائة مصرى يوجد 90 مصرياً على الأقل تكمن همومهم الأساسية فى مجرد توافر الحد الأدنى من حياة معيشية كريمة قوامها سكن صحى بسيط، وفرصة عمل، وسرير متواضع فى مستشفي، ومقعد دراسة فى تعليم لا يعرف الدروس الخصوصية. قد يبدو تحقيق هذه المطالب جميعها صعباً فى بلد بلغ عدد سكانه 95 مليون نسمة وما زال إجمالى ناتجه المحلى يقل عن 250 مليار دولار لكنى أزعم من منظور حقوقى خالص أن هناك مساحة يمكن من خلالها التخفيف من معاناة الناس ولو نفسياً قبل أن نصل إلى تخفيفها الفعلي. فلطالما نادينا مثلاً بإنشاء آلية للإنصاف وتكافؤ الفرص تحت اى تسمية تكون مهمتها الوحيدة هى تلقى البلاغات والشكاوى من كل من أُضيرت حقوقهم فى المساواة وتكافؤ الفرص بالمخالفة للقانون فى أى مجال من المجالات. لو أن مثل هذه الآلية (سواء سميناها مفوضية أو مكتباً أو لجنة) قامت بمهمتها بشكل احترافى وتوافر لها دعم سلطات الدولة وتسلّحت بفريق مهنى وإدارى كفء وأصدرت تقريراً فصلياً أميناً لأصبحت أحد الأصول الحقوقية ذات المصداقية التى تُحسب للدولة فى الداخل والخارج مهما واجهت من عثرات وصعاب فى البداية. ففى البدايات الصعبة والمتواضعة تلوح بشائر الإصلاحات الكبرى لو خلصت النيات.
لمزيد من مقالات د. سليمان عبد المنعم;


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.