أستأذن القارئ الكريم فى سطور قد تبدو خواطر أو شجونا ذاتية بمناسبة مرور 65 سنة على الثورة التى شكلت وجدانى ضمن ملايين، وأبدأ فأقول إن هناك فارقا بين ثورة يوليو وبين جمال عبدالناصر وبينهما وبين الناصرية، ثم بين الثلاثة وبين الناصريين، ولا يجوز فى مجال قراءة وفهم التاريخ الخلط بين الظواهر، حيث لكل ظاهرة خصوصيتها فى المنشأ والمسار، وهذا لا ينفى التداخل وعلاقات التأثير المتبادل بين كل ظاهرة وبين غيرها، الأمر الذى يستدعى دقة شديدة من المحلل السياسى أو المؤرخ، وهو يفصل بأدواته العلمية بين هذا وذاك، أقول ذلك لأننى أعتقد أنه آن الأوان للتحليل العلمى الرصين الذى يضع النقاط فوق الحروف وينسب كل فعل لفاعله وكل خطأ للمتسبب فيه وكل خطيئة لمرتكبها، وكل إنجاز انبنى على فكرة صائبة وتطبيق سليم ومتابعة نزيهة لمن قام به.. لأن يوليو لم تكن «شروة» سمك أو خيار، تؤخذ كلها على بعضها، وعبدالناصر الشاب الصغير مختلف عن الضابط حديث التخرج ثم حامل رتبة البكباشى «المقدم» ومختلف عن صاحب الفكر السياسى المتجه للعمل تحت الأرض فى تنظيم سري، ومختلف عن الرئيس والزعيم الذى حظى بإجماع لا يمارى فيه ألد خصومه وأقوى أعدائه، ثم إن النظرية الاجتماعية حسب سعد الدين إبراهيم التى اكتملت جوانبها المنهجية والفكرية وحملت اسم الناصرية جاءت بعد عبدالناصر.. وأصبح من اقتنعوا بها وسعوا لدور وطنى تحت لافتتها متوزعين ولن أقول متفرقين بين أحزاب وتنظيمات وجماعات، وربما وصل الخلاف بين بعضهم لدرجة سمحت لبعض ذلك البعض أن يمدوا أيديهم للإخوان المسلمين، وأن يستظلوا بمظلتهم. شاء القدر أن أقترب من بعض الذين ارتبطوا بيوليو وكانوا من الضباط الأحرار.. ومن الذين عملوا كمسئولين تحت رئاسة الزعيم جمال عبدالناصر ولم يكونوا كلهم من الضباط الأحرار.. وأن أكون واحدا من الذين رفعوا لافتة الناصرية وتحركوا لأجل تكريسها فى الشارع السياسى وترسيخها كبناء نظري، ثم أن أعمل مع آخرين كثيرين من أجيال مختلفة وفئات متعددة وثقافات متفاوتة لبناء حزب ناصري، وكانت المحاولة الأولى العلنية هى المنبر الاشتراكى الناصرى الذى كتبت برنامجه وتم تقديمه ل «لجنة مستقبل العمل السياسى» التى شكلها السادات عام 1976 وكان يترأسها سيد مرعي، وكنت واحدا من ثلاثة ذهبوا إلى الاجتماع الذى رأسه مصطفى خليل نيابة عن مرعي، لمناقشة برنامج المنبر الناصرى الذى قرأه أمام اللجنة المناضل الوطنى الفذ المرحوم السيد كمال الدين محمود رفعت، المشهور بكمال رفعت، وقد توثقت علاقتنا جدا بعد تركه العمل سفيرا لمصر فى لندن واختلافه مع السادات. اقتربت من الضباط الأحرار، كمال رفعت وأمين هويدى وصلاح سعدة وحلمى السعيد وأحمد شهيب وأحمد حمروش وخالد محيى الدين وعبدالمحسن أبو النور.. واقتربت من الذين عملوا مع الرئيس، السادة على صبرى وشعراوى جمعة وأمين هويدى ومحمد فائق وضياء داود ومحمد فوزى وسعد زايد وحلمى السعيد وحامد محمود وسامى شرف.. وأزعم أن لدىّ الكثير مما يمكن أن يذكر كوجهة نظر شخصية قابلة للنقد والمناقشة. وإذا جئت للمدى الزمنى من 1971 إلى الآن، أى نحو 46 سنة، فإن فيه سنين لم يكن يمر فيها يوم إلا مع الناصريين والماركسيين والتجمعيين ومن بعدهم مع المنتمين للوفد ولحزب العمل والتيار الإسلامي.. أى أن الجعبة ليست ممتلئة فقط وإنما فاضت جوانبها! ثم إننى التقيت الرئيس أنور السادات وهو من الضباط الأحرار.. ومن الذين عملوا مع الرئيس عبدالناصر، ولكن بحكم وصوله لسدة الرئاسة لم أستطع وضع اسمه بين الأسماء السابقة، وكان اللقاء الذى رتبه الأستاذ هيكل، رحمة الله عليه، فى سبتمبر1973، وحضره السيد ممدوح سالم والدكتور أحمد كمال أبوالمجد والدكتور إسماعيل غانم، مدير جامعة عين شمس آنذاك ووزير التعليم بعد ذلك.. رحمه الله رحمة واسعة، وامتد اللقاء الذى حضره مجموعة من قيادات اتحاد طلاب الجامعة نحو خمس ساعات ونصف الساعة، وكنت المتحدث الثانى الذى أسهب طويلا حتى قال له الرئيس: «كفاية بقى علشان زمايلك يتكلموا..» وجاء الرد من الزملاء.. «خلليه يكمل».. وأكملت ليسأل الرئيس عن الاسم فقلته، فنظر لممدوح سالم وقال: «ابنى فلان.. يا ممدوح.. لو طلب يشوفنى نص الليل تجيبه يا ممدوح»!.. وقد حدث وأتى بى السيد ممدوح سالم إلى حيث الحبس الاحتياطى لما يقرب من سنة عام1977! كل تلك التفاصيل هى ما دفعنى لتأكيد حتمية التمييز بين ثورة يوليو وبين جمال عبدالناصر وبين الناصرية.. وأيضا الناصريين. واقتربت أيضا من فئة أخرى عملت مع الرئيس جمال عبدالناصر، وهم الذين لم يكونوا ضباطا أحرارا أو من الذين عملوا فى القوات المسلحة، وإنما كفاءات مدنية كالدكتور عزيز صدقى والدكتور مصطفى خليل والدكتور محمد حلمى مراد والأستاذ فتحى رضوان والأستاذ محمد حسنين هيكل، ناهيك عن كثيرين ممن اقتربوا من الرئيس وتعاونوا معه وكان معظمهم من أقطاب اليسار الماركسي، ولكل واحد من هؤلاء روايته ورؤيته حول يوليو وناصر والناصرية والناصريين، وأشهد أن الرؤى المختلفة على امتدادها من ضباط أحرار أسهموا فى بناء التنظيم وفى صنع الثورة وفى العمل كمسئولين فى نظام الرئيس عبدالناصر، إلى مسئولين من أصول مدنية أكاديمية، اتفقت على أمر رئيسي، هو أن الانتماء للوطن والإيمان بالدور الرسالى الذى لا يبغى جزاء ولا شكورا من أحد، ووضوح الرؤية السياسية والاجتماعية كان الأساس والمنطلق الذى أنجز كل ما تم إنجازه والذى استغرق من أرادوا هدمه زمنا طويلا جدا لهدمه، ومنه ما استعصى على الهدم. وتسألنى عزيزى القارئ إذا كان الأمر لا يحتمل خلطا بين الظواهر، والتحليل يحتاج دقة لوضع كل ظاهرة فى سياقها السليم ومناقشة مساحات التداخل والتأثير المتبادل، فلماذا لا يقوم الذين يدركون الأمر على هذا النحو بالمهمة؟! وأجيبك: إنه الإهمال وضياع الوقت فى ذب الهاموش الكثيف الذى لا يتوقف عن مهاجمة يوليو وناصر، ويجد فى الناصريين من يجعل هذا الهجوم مسوغا ومقبولا. لمزيد من مقالات أحمد الجمال