لليوم الثاني.. استقبال النواب الجدد لاستلام كارنيهات العضوية    انطلاق امتحانات الفصل الدراسي الأول بالمعاهد الأزهرية بسوهاج    5 يناير 2026.. الجنيه يواصل الارتفاع أمام الدولار في البنوك المحلية خلال تعاملات اليوم    تقلبات فى اسعار الاسمده اليوم الإثنين 5يناير 2026 بالمنيا    بيان أوروبي: تقويض إسرائيل عمل الأونروا يخالف قرارات محكمة العدل الدولية    الدنمارك تعارض.. هل جرينلاند وإيران الهدف التالي لترامب؟    تواصل الجهود المصرية لإدخال المساعدات للأشقاء في قطاع غزة    الدفاع المدني يعلّق إزالة أخطار المباني المتضررة بسبب نفاد الوقود في غزة    ضبط 3 سيدات بتهمة استقطاب الرجال عبر تطبيق هاتفي لممارسة أعمال منافية للآداب بالإسكندرية    عاجل- تحذير من الطقس قبل مواجهة مصر وبنين في كأس أمم إفريقيا.. أمطار رعدية وثلوج ورياح قوية بالمغرب    انطلاق أولى ورش مهرجان المسرح العربي في قصر ثقافة الأنفوشي بالإسكندرية    سفرة عيد الميلاد المثالية.. وصفات سهلة ولذيذة لتجهيز أطباق العيد في المنزل    وزير الإسكان يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات مبادرة حياة كريمة لتطوير قرى الريف المصري    المكسيك و5 دول آخرى.. لماذا ترفض دول كبرى سيطرة ترامب على نفط فنزويلا؟    كوريا الشمالية: التجارب الصاروخية الأخيرة شملت نظام أسلحة فرط صوتي    ترامب: لا أشعر بالقلق من أن يؤدي الوضع في فنزويلا إلى تورط طويل الأمد    موعدنا اليوم.. منتخبنا أمام بنين في ليلة الحسم بكأس أمم إفريقيا 2025    البنك الأهلي ووادي دجلة في مواجهة مصيرية بكأس عاصمة مصر    الأهلي يدرس استكمال بطولة كأس عاصمة مصر بمدرب فريق الشباب    ميكالي يدخل حسابات الزمالك لخلافة أحمد عبد الرؤوف    وزير التعليم العالي يستقبل سفير طاجكستان بالقاهرة لبحث آفاق التعاون    وزير التعليم العالي يبحث مع سفير طاجكستان تعزيز التعاون في المنح الدراسية    حملات أمنية مكبرة تضبط مخدرات وأسلحة وتنفيذ أكثر من 60 ألف حكم    إعادة فتح الطريق الإقليمى بعد غلقه بسبب الشبورة المائية فى المنوفية    إنقاذ 28 شخصا على متن مركب سياحي بعد شحوطه في منطقة حماطة    طلاب أولى ثانوى فى 11 محافظة يؤدون امتحان البرمجة والذكاء الاصطناعى    هيئة السكك الحديدية: خفض سرعة قطارات بحري بسبب الشبورة    وزارة «العمل» تعلن توفير 7293 وظيفة في 12 محافظة    المخرج حسني صالح يغير مكان وموعد تشييع جثمان والدته    لميس الحديدي: فيلم الملحد لا يدعو للإلحاد أو يروج له.. وإبراهيم عيسى يطرح دائما أسئلة صعبة    منة عرفة تُبدل دورها في مسلسل «وننسى اللي كان»    كيفية أتوب من ذنب كبير؟ أمين الفتوى يجيب    وزيرة التضامن تلتقي مديري مديريات التضامن الاجتماعي بالمحافظات    الصحة: 2026 و2027 عاما التحدي لتحقيق معدل إنجاب 2.1 طفل    مدير فرع هيئة الرعاية الصحية بجنوب سيناء يتابع التشطيبات النهائية بمستشفى نويبع تمهيدا لافتتاحه    انقاذ شاب تعرض لبتر كامل بإصبع الابهام نتيجه ساطور بمستشفى سوهاج الجامعي    ننشر أسماء المصابين في حادث «صحراوي» قنا    وزير الدفاع يهنئ البابا تواضروس بمناسبة عيد الميلاد المجيد (فيديو وصور)    البابا تواضروس الثاني ووزير الثقافة يطلقان مبادرات للحفاظ على التراث القبطي    تراجع جديد في أسعار الذهب بمصر مع بداية تعاملات الاثنين 5 يناير 2026    استخدام المروحة والجوارب.. نصائح هامة لمواجهة الشعور بالبرد داخل المنزل    مدرب جنوب إفريقيا يوضح أسباب الإقصاء من كأس الأمم    روزينيور في لندن لحسم تعاقده مع تشيلسي    تقلب أسعار النفط مع تقييم تداعيات اعتقال مادورو وفائض المعروض العالمي    جيمي كيميل يسخر من ترامب في حفل جوائز اختيار النقاد (فيديو)    أيمن منصور: أمم إفريقيا لا تعترف بالأسماء.. وبنين اختبار حقيقي للفراعنة    أسعار اللحوم الحمراء اليوم الإثنين 5 يناير    فيلم «جوازة ولا جنازة».. شريف سلامة يكشف سر انجذابه لشخصية «حسن الدباح»    عمرو مصطفى: بدأت الغناء بعد خلافاتي مع المطربين.. كنت كل ما أتخانق مع مطرب أروح مغني    نتيجة الحصر العددي لدائرة المنتزه بالإسكندرية في جولة الإعادة بانتخابات مجلس النواب 2025    مؤشرات أولية غير رسمية.. فوز وائل إسماعيل ومحمد مصطفى وأسامة عبدالشكور في انتخابات مجلس النواب بالمنيا    "لمّ الشمل" في المنوفية.. وعاظ الأزهر ينهون نزاعا أسريا طويلا بمدينة الشهداء    بين الاندماج والاختراق.. كيف أعاد تنظيم الإخوان ترتيب حضوره داخل أوروبا؟    أمم إفريقيا - باليبا: سنرى كيف يمكننا منع المغرب من اللعب    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : فابشر طالما انت مع الله !?    بدء صرف الإعانة الشهرية لمستحقي الدعم النقدي عن يناير 2026 بتوجيه من شيخ الأزهر    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 4يناير 2026 فى المنيا    أدعية مستحبة في ليلة النصف من رجب.. باب للرجاء والمغفرة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الرحلة التاسعة فى حياة طبيب نفسى شهير ولامع
أحيانا وليس دائما.. الشرق مفتاح الفرج
نشر في الأهرام اليومي يوم 25 - 11 - 2016

الوجود فى المطار يعنى الوقوف فى منطقة يختلف فيها خيال كل إنسان عن خيال الواقف أو الجالس بجواره ، هذا المعنى دفع بابتسامة الذكريات إلى ملامح أحمد عكاشة فهناك مطارات دخلها لبلاد كثيرة قضى فيها بعض الوقت ، والهدف دائما حضور مؤتمر علمى أو الكشف على مريض له حيثية تستدعى حضور رئيس الجمعية العالمية للطب النفسى .
وبين مطار العاصمة فى لندن ومطار القاهرة مسافة قطعها أحمد عكاشة كثيرا عبر خمسة وخمسين عاما من ممارسة الطب النفسى ، فالحياة تتراقص عند أى إنسان بين الاحتفاظ بكل ما يمتعه ، والخوف مما يؤلمه ، على الرغم من أن كل منا يعلم أن الألم لن يبقى على حاله إلى الأبد ، ولا المتعة ستظل إلى الأبد . ولكن هذا القانون المنطقى لا يستقر فى وجدان أى إنسان، ففى وجدان كل إنسان هذا الطفل الراغب فى الحلوى الهارب من العقاب فى نفس الوقت.
ولم أكن أتوقع أن يسافر فجأة ونحن فى قلب استعراض حياته فى الطب النفسي، ولم أكن أتوقع أن يكون السفر المفاجئ إلى لندن، فبينه وبين تلك المدينة ذكريات مشحونة عبر مشوار العمر. فقد دخلها لأول مرة فى عام 1959 كطالب بعثة. وكان بردها فى تلك الأيام فوق طاقة الاحتمال ، لكنه كان مسلحا يومها ببلوفر شغلته بيديها والدته سنية هانم ، وظلت وصيتها له موجودة دائما « حاسب على نفسك من البرد « يومها قال ثروت عكاشة لشقيقه أحمد « أنت الابن الوحيد الذى تربى على وسائد من الحنان العلنى . لم يُخف والدك أو والدتك الحنان عنك يا احمد كما فعلوا مع بقية أخوتك . « كان أحمد يعلم أن ثروت يذكره بأن الحنان لا يجب أن يلغى الانضباط الداخلى الذى تشربه من أسلوب حياة العائلة .
وكانت فكرة «العائلة» فى المجتمع الصينى هى السبب فى سفر د. أحمد إلى لندن ، حيث أثير أمام الجمعية العالمية للطب النفسى قضية من نوع غريب وهى شكوى مقدمة من جمعيتى الأطباء النفسيين فى الولايات المتحدة وإنجلترا ضد الصين ، وطلبت الجمعيتان فصل جمعية أطباء النفس الصينية من عضوية الجمعية العالمية للطب النفسى ، لأنها تتآمر وتتعاون مع حكومة الصين فى وضع العديد من أبناء طائفة «الفالون جونج «داخل المصحات العقلية .
وطائفة «الفالون كونج «هى فئة من البوذيين الذين يؤمنون بالتأمل وتمارين اليوجا بالتحكم فى الجسد وعلاج كافة جراح الروح التى تنتج أمراض الجسد ، وعددهم يصل إلى ثمانين مليون إنسان فى الصين ، وقد قامت الحكومة الصينية بتجريم هذه الجماعة ، لأنها كانت فى رأى الحكومة الصينية تنشر نوعا من السلوك الذى لا يرتضيه الحزب الشيوعى الصينى . ويراه مدمرا لروح الصين الثورية. وبطبيعة الحال، علينا أن نعلم أن هناك صراعا سياسيا دفينا يجرى بين الصين وبين الولايات المتحدة وإنجلترا ، فإنجلترا هى التى كانت تستعمر الصين قديما ،وهى التى أغرقتها فى إدمان الأفيون ، وأمريكا تتلفت حولها وفى داخلها حاليا فتجد أن أغلب المصنوعات والمنسوجات والأشياء المستعملة فى اليوم العادى مصنوعة فى الصين، لدرجة أنى أطلقت فكاهة بعد زيارة للولايات المتحدة قلت فيها « مكتوب على قفا رئيس جمهورية أمريكا أنه مصنوع فى الصين خصوصا بعد أن وضع أسس زلزلة الشرق الأوسط بواسطة الربيع العربى ؛ فأثبت له المصريون بالثلاثين من يونيو فشل ما صنع « وطبعا كان فى ذاكرتى ما قاله رئيس الصين ذات يوم فى زيارة للولايات المتحدة « أنا أبيع لك الحذاء الكاوتشوك بدولارين ، وأنت تبيعه للمواطن الأمريكى بمائة دولار ، فقل لى من الذى يكسب من الآخر ؟ « ولم يجب رئيس الولايات المتحدة ، لأنه يعلم أن بضائع الصين صارت تنافس أى بضاعة مصنوعة خارج الصين، وتحرص الحكومة الصينية على جودة البضائع المسافرة إلى أوروبا وأمريكا ؛ عكس البضائع التى يتم تصديرها للبلاد العربية . هناك أكثر من محاولة من كل من الدولتين أمريكا وإنجلترا للنفاذ إلى قلب الصين بواسطة معرفة خطاياها ، ومحاولة استغلال تلك الخطايا فى زعزعة هذا العملاق الاقتصادى الزاحف بقوة ليكتسح العالم عن طريق البضائع الجيدة والمتميزة ، مما يقتل فرص المنتجين العاديين فى بقية بلدان العالم . فكل حذاء يصنع فى الصين، تضيع فرصة عمل لدى أمريكي، أو لدى إنجليزى أو لدى إيطالى لأن التجار لا ينظرون إلى بلادهم وعدد العاملين فيها، قدر ما ينظرون إلى جودة الصناعة وسعرها، وكمية المباع منها. وكل ذلك يؤدى إلى انخفاض فى سعر أسهم الشركات وأرباحها ، ويؤثر فى عدد العاملين فى أى بلد يعتمد سوقه على البضائع المستوردة على الرغم من أن الصين تفتح أبوابها على مهل بما لا يضر اقتصادها .
ومن خطايا الصين الشهيرة، هى عدم احترام العقائد الدينية أصيلة الوجود فى الصين ، فمنذ سنوات ضيقت منافذ الحياة على البوذيين ، واحتلت هضبة التبت التى كان يسكنها الدالاى لاما ، هذا الذى هرب منها ليعيش فى أوروبا وأمريكا . ولعل أكبر ما حاولت حكومة الصين أن تقتلعه من قلب التقاليد الصينية هى فكرة الولاء للعائلة . هذا الولاء الذى تزعمته حركة روحية فى الصين ، فقامت الحكومة الصينية بالتضييق على طائفة»الفالون جونج « التى تطالب بحق ممارسة الطقوس الخاصة بها ، التى تؤكد أن أرواح الأسلاف لن تستقر إلا بعودة قيم العائلة ، فاستقرار أرواح الأسلاف هو القادر على أن ينشر ربيع الاطمئنان على أبناء الصين.
ولم ينتبه أحد من أعضاء الحزب الشيوعى الصينى إلى قيمة الأسلاف ، لأنهم لا يريدون أن يعلنوا الاختلاف الواضح مع ثورة ماو الشيوعية ، وإن آمنوا بأن من حق المواطن الصينى أن يمتلك شيئا من أدوات الإنتاج وينتج شيئا يخصه ، وعادت الملكية الفردية تطفو على سطح الحياة اليومية ، ومنذ أن مات ماوتسى تونج الذى أسس الصين الحديثة منذ عام 1948 بثورة هائلة أكلت من أمامها كل أعدائها ، واتبعت نظاما صارما فى الانتاج بما يحقق ثلاث وجبات لكل فرد صينى ، وما ان بدأت الصين عصر الإنتاج الكثيف ، وزحفت الشيخوخة على ماوتسى تونج حتى غرق هو فى الاستمتاع مع فتيات صغيرات كما اعترف طبيبه ، وقامت ثورة داخلية أزاحت فيها قيادة الحزب الشيوعى زوجة الرئيس الراحل ماو من قمة السلطة وخرجت الصحف الصينية بصور الملابس الداخلية لزوجة ماو وهى ملابس حريرية مصنوعة فى باريس وكانت زوجة ماو ترتديها فى السر ، وتخبئها تحت البدلة الخشنة التى كان يرتديها الرجال والنساء فى كل الصين ، ومنذ أن خرجت صور تلك الملابس فى الصحف الصينية حتى عم الصين كلها أمل فى أن يصنعوا لأنفسهم حياة عادية فيها ملابس حريرية، وبعضا من الحياة الناعمة بدلا من الحياة الخشنة التى كان يفرضها الحزب الشيوعى على كل سكان الصين . ومع تقدم الحياة الناعمة ، بدأ الأهل يدللون الابن الواحد المسموح بإنجابه ، وكانت النتيجة أن الابن الواحد فى كل أسرة نشأ فى جو أسرى يكره ألا يرضخ له الجميع، ولذلك طالب بأن يكون له رأى فى أسلوب حكم الصين ، فقام الطلبة بثورة سميت ثورة الميدان السماوى ، وهتف آلاف الطلبة ضد الاستبداد ، فدهست الدبابات المتظاهرين ، وبقى هذا اليوم فى ذاكرة الولايات المتحدة وإنجلترا كفرصة لمعايرة الصين بأنها لا تحترم حقوق الإنسان . ثم جاءت الجماعة القديمة «الفالون كونج» لتعلن عن رغبتها فى ممارسة طقوسها الدينية من التأمل كطريق للاتصال بالأسلاف . وهى الكلمة التى كانت تنكرها الدولة ، على الرغم من أنها عصب الحياة فى جنوب شرق آسيا كله بدءا من اليابان إلى كوريا إلى تايوان إلى هونج كونج . فالأسلاف الذين يركع لهم أى بوذى ، ليسوا آلهة بالمعنى المتعارف عليه فى الأديان السماوية ، ولكنهم عطر الخبرة التى يجب أن يحترمها أى إنسان يعيش الحاضر .فالإنسان فى جنوب شرق أسيا يقدس حياة العائلة ، ويحترم شيوخها، ويفرض على ابن العاشرة أن يستيقظ قبل والده ووالدته ، ويدق باب غرفة نومهما ويسألهما « هل قضيا ليلة سعيدة ونوما هادئا ؟ ويشكر فى نفس اللحظة أسلاف الأسلاف لأنهما وفرا له هذا الحق ، حق أن يكون له عائلة .فالعائلة هى كومة من الطين ، تم عجنها بماء السماء ثم ربتت عليها الطبيعة الحنون ، وصنعت منها تمثالا لرجل وآخر لامرأة ، ثم نفخت السماء الروح فى التمثالين ، ليكونا زوجين ، وينجبان الأبناء ، وعلى الكبار تربية الصغار على احترام الحياة ، وحين يعمل الرجل وتعمل المرأة ، فالهدف الأول هو خدمة الكبار ، والحصول على رضاهما ، ولا يوجد هناك من يكره الشيخوخة أو يخاف منها فيسميها « مرحلة منتصف العمر كما هو حادث فى الغرب « بل يسميها باسمها الفعلى « الشيخ الحكيم السعيد « والكل يتمنى أن يصل إلى مرحلة الحكمة وأن يورث تلك الحكمة للأبناء . ولكن الحزب الشيوعى أيام اتباعه للأيديولوجيا بحروفها كما فهمها ماوتسى تونج ضرب تقاليد تقديس العائلة فى مقتل ووضع بدلا منها تقديس الدولة، مع أن الدولة عند الصينى العادى هى نظام مطلوب ومكروه ، مطلوب لأنه ينظم الحياة الاجتماعية الشاملة ، ومكروه لأنه لا يضع الكلمة النهائية فى كل الأمور فى يد الأب والأم والعائلة الكبيرة . فقد وضع كونفوشيوس أساس الحياة الصينية على لبنة واحدة هى «العائلة « ، وليس ركوع الصينى أمام مستطيل من الخشب مكتوب عليه أسماء أجداده نوعا من الوثنية ، بل هو احترام لمن كانوا سببا فى وجوده .
كان الحزب الشيوعى يتحسب لبزوغ تلك النزعات القديمة خوفا على بنيان الصين الحديثة من أن يتسرب لها الوهن القديم ، حيث تعلو عائلة الفرد على الدولة فتتفكك الصين من جديد.
ولذلك كانت الدولة الصينية شديدة القسوة فى مطاردة من تقول عليهم أصحاب الأفكار التقليدية . وقيل ان جمعية الأطباء النفسيين تساعد الحكومة فى وضع المعارضين لها فى المصحات العقلية، لينظر إليهم كمجانين . ومن أجل ذلك تم عقد اجتماع عاجل للجمعية العالمية للطب النفسى فى يوكوهاما باليابان ، للنظر فى الشكوى ، وسبق للجمعية العالمية أن طلبت تقريرا عن المرض النفسى الذى يعانى منه مئات من طائفة الفالون جونج ، وكانت جمعية أطباء نفس الصين متعاونة لأقصى حد ، فأرسلت تقارير علمية وافية مع ملف كامل لحالة كل مريض وتطور مرضه ، وهكذا وضعت الجمعية الصينية أول خطوة فى تحقيق نقاء سمعتها من التدليس السياسى ، وهى التهمة التى سبق أن وُجهت للأطباء النفسيين فى الاتحاد السوفيتى قبل أن تسقط الدولة السوفيتية ، وقد استقالت الجمعية النفسية السوفيتية من الجمعية العالمية للطب النفسى بدلا من أن تتعرض للطرد ، فقد ثبت عليها بالفعل أنها قامت بوضع عدد من المعارضين السياسيين للحزب الشيوعى الروسى داخل المصحات العقلية . وقد حاول بعض من المعارضين المصريين اتهام الرئيس جمال عبد الناصر بأنه وضع بعضا من المعارضين له فى مستشفى العباسية ،و أصدر مجلس الشعب المصرى ذات يوم قرارا بتشكيل لجنة علمية برئاسة د. أحمد عكاشة لبحث هذا الأمر ووجدت اللجنة أن هناك شخص واحد هو السبب فى هذا الاتهام ، وكان هذا الشخص يعانى من حالة ضلالات هائلة وهو الكاتب الكبير والمترجم إسماعيل المهدوى ، وكان يستحق العزل بالفعل ، و كان يجب أن توفر له الدولة فرصة للعلاج فكانت تلك الفرصة فى مستشفى العباسية . وقد تكون سنوات الاعتقال الطويلة هى التى تسببت فى ظهور تلك الضلالات عند إسماعيل المهدوى ، ولكنه قام بترجمة رواية من أهم روايات الكاتب اليونانى العظيم كانزنتكاس بعد أن خرج من المعتقل ، ولم تظهر أعراض البارانويا « اضطراب الاضطهاد» المصحوبة بالفصام إلا بعد مرور عدة سنوات على الخروج من المعتقل. مثله فى ذلك مثل معظم المرضى بالفصام والبارانويا ، حيث تتركز هلاوسهم وضلالاتهم فى شكل أوهام سياسية ، فقد تجد خادمة فى منزل وقد أصيبت بالهلاوس فتتهم رئيس الحكومة أو وزير الداخلية بأنه قام بتركيب كاميرا سرية يتابعها فى كل تحركاتها ، بل ويذيع عبر السى إن إن أخبار ومواعيد دخولها إلى دورة المياه وأيضا مواعيد استحمامها . أو نجد شابا يعانى من الهلاوس فيتخيل أن كارل ماركس ذهب ليستعدى آية الله خومينى ، ويطلب منه أن يصدر فتوى بإهدار دم جورباتشيف لأنه قام بتفكيك الاتحاد السوفيتى . ولأن الكثير من الهلاوس فى اضطراب الاضطهاد والفصام هى هلاوس سياسية ، لذلك صار من الصعب على المجتمعين فى واشنطن من أعضاء الجمعية العالمية للطب النفسى أن يصدروا حكما سريعا فى القضية المعروضة أمامهم ، لأن التقارير العلمية تثبت فعلا أن كثيرا من المحتجزين فى المصحات العقلية الصينية من أفراد طائفة الفالون جونج هم من المرضى بالفعل ، وهو أمر متوقع بين فئة يبلغ تعدادها ثمانين مليون إنسان فى هذا الوقت ، كما أن التأمل الكثيف قد يسبب بعضا من الضلالات ، لأن الإنسان فى التأمل يركز خارج حدود جسده ويفكر فى صور متتابعة ، وقد يتحول التأمل إذا ما زاد على الحد إلى حالة من الهلاوس أو الصرع المؤقت كما يحدث فى حلقات الذكر ، وكما تعانى قلة من أتباع الطرق الصوفية التى يقال فيها أن فلانا رأى الأسلاف من الصحابة أو الأنبياء ، وأنه ظل يكرر ويقرأ نموذجا محددا من الكلمات فاتصل بالقوى الغيبية .
وهناك حالة شهيرة لواحد من الضباط الأحرار هو حسن التهامى كان يجلس فى المفاوضات مع إسرائيل ويتكلم مع أشباح ، قال عنهم انهم سيدنا الخضر وعدد من الملائكة . وأدعى ذات مرة أنه قام بتكتيف جمال عبد الناصر ، ولما لم يكن هناك شهود على واقعة التكتيف لذلك سخرمنه الجميع ؛ فلم يعرف عن جمال عبد الناصر الخوف أو الوجل ، لذلك لم يصدق أحد تلك الأقاويل واعتبرت ضمن الهلاوس .
ولم يكن أمام د. أحمد عكاشة إلا أن يتذكر قدرته على التجرد وشجاعة اقتحام المخاوف لحظة النظر فى تلك القضية ، وتذكر أيام كان طالبا فى السنة الثانية بكلية الطب وكان أستاذ التشريح هو عالم فاضل اسمه د. البطراوى الذى كان الكل يتحاكى عن قسوته. ويطلب من الطالب أثناء الامتحان أن يحفظ منبع ونهاية ووظيفة كل عضلة فى الجسم. ويرفض أن ينجح الطالب ناقص المعلومات، فالطب ليس مجرد مواد دراسية ، ولكنه صيانة للحياة، وكان الامتحان الشفهى أمام الدكتور البطراوى هو الخوف الرئيسى لكل طلبة السنة الثانية. وحين دخل أحمد عكاشة إلى باب الكلية يوم الامتحان الشفهى ؛ وجد اسمه على قائمة الأسماء التى ستؤدى الامتحان أمام د. البطراوى . ولكن أحمد عكاشة الذى نشأ فى بيت الأب فيه ضابط جيش، يقسو على الأبناء بهدف تعميق الحب؛ و يصقلهم ليتحملوا أثقال الحياة لذلك ابتلع أحمد ريقه وقرر مواجهة الأستاذ بما يخاف منه .وما ان دخل إلى قاعة الامتحان الشفهى أمام الدكتور البطراوى ؛حتى غرق فى العرق الغزير النابع من الخوف ؛فقال أستاذ التشريح للطالب : يبدو أنك عرقان جدا. فقال أحمد عكاشة: أنا مستعد تماما للامتحان. فقال د. البطراوى: يا ابنى أنا لم أقل انك غير مستعد؛ فلماذا كل هذا العرق؟ . قال أحمد:حضرتك تعلم أن أى طالب يرهب تماما الامتحان الشفهى أمامك .
وهكذا اقتحم الطالب احمد قلب المشكلة، وأوضح لأستاذه أن الكل قد حذره من قسوة الامتحان أمام د.البطراوى ؛ لأن أسئلته تتوالى لتشمل عضلات الجسم كلها ووظائفها ، ولا يترك فرصة للطالب ؛ فكيف يفكر الطالب؛ ويوجز فى كلمات تشريح كل عضلات الإنسان ، وهو العلم الذى يدرسه الطلبة على مدى عام؟. فطلب الدكتور البطراوى كوبا من الليمون للتلميذ أحمد عكاشه الذى اقتحم دائرة الكهرباء ؛دائرة العلاقة بين طالب الطب وأستاذ الطب. وقال د. البطراوى : أنت أرضيتنى بكلامك هذا ، دعنى أقول لك أننى لست قاسيا ، ولكنى أحرص على أن يتحول العلم إلى خبرة حية عند التلميذ الذى سيصير طبيبا، فليس أمام طالب الطب رفاهية أن ينسى ،أو يهمل . أنت تدرس الآن عبر التشريح جسدا ميتا؛ لتصون حياة الأحياء الآخرين الذين ستلتقى بهم بعد ذلك؛ وهم مرضاك ،لذلك فمهمتك أن تعرف من الآن التفاصيل الدقيقة ، حتى لا تغيب عن بصيرتك سرعة التقدير فى المواقف الصعبة .
وبدأ الجو النفسى يهدأ بين الأستاذ الذى فتح بئر حكمته أمام التلميذ ، وبدأت الأسئلة تأتى من الأستاذ ، والإجابات تنساب من التلميذ . ونال أحمد عكاشة الدرجة النهائية فى التشريح . وأعلن له الأستاذ النتيجة فى نفس اللحظة، ليزيده فرحا، وليخرج من الامتحان الشفهى إلى زملائه ليبدد وهم قسوة الدكتور البطراوي..
**
ها هو ذا أحمد عكاشة يوجد فى لندن ليرأس اجتماعا يضم خلاصة عقول أطباء نفس العالم ليواجه اتهاما للجمعية الصينية للطب النفسي، ومضى للسير فى شوارع لها شمس مسروقة من السماء ، وخضرة كثيرة، الرمادى والأخضر يعزفان فى النفس لونا من الهدوء والتوجس والثقة، ففى لندن يمكن للإنسان أن يشرب حضارة سافرت من مصر إلى اليونان ومن الأندلس إلى كل أوروبا ، تطورت أوروبا ، ثم تفككت حضارة الشرق عبر غباء الإمبراطورية العثمانية ، وبقيت للشرق حالة من الزهو القديم ، وعلى العقول الشابة أن تستعيد حق الحضارة. والمفهوم الجديد للحضارة هو أن ينال آثارها وإنجازاتها كل إنسان يحيا على ظهر الأرض ؛ وامتلأ بالرضا حين وصله قبول الجمعية العالمية للطب النفسى لمبدأ تدريب أطباء النفس الصينيين ؛ فقد ثبت عجز الكثيرين منهم على التشخيص الدقيق ؛ ليجيدوا الفصل بين المريض العقلى وبين من يعانى من ضلالات مؤقتة؛ وكاد الرضا النفسى يتطابق مع رضاه النفسى لحظة أن واجه د . بطراوى ، فقد تطابق فى داخله حرص الدكتور بطراوى على جودة التعلم مع حسن استقبال الجمعية الصينية للطب النفسى بأهمية تدريب أطبائها .
وصار السؤال الملح: ماذا عن تلك الطائفة وفاعليتها فى تحسين الصحة النفسية لأعضائها خصوصا وان من ينتمون لها فى أنحاء الأرض يتفوقون بشكل او بآخر ؟
لقد اكتسبت تلك الطائفة شعبية واسعة فى العالم الغربى بأسره. فمنذ أن أعلِنت الفالون جونج للعموم من طرف السيد لى هونگ جي، استقطبت عشرات ملايين الأشخاص فى أكثر من 60 بلدًا. وانتشرت فى أغلب المدن الكبرى والجامعات فى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا.
............................
ومن حسن استقبال الصين للجديد من الحقائق ؛ قبلت قرار د. عكاشة باستقبال عدد من الخبراء للصين لاكتشاف الموقف وتعددت زياراته إلى الصين حتى استطاع مع الجمعية الصينية للطب النفسى تشكيل لجنه لفحص الملفات فى بعض مستشفيات الأمراض العقلية ؛ ففوجئوا بالتشخيص والعلاج الخاطئ لمجموعة الفالون جونج حيث اعتقد الأطباء النفسين أن إيمان هذه المجموعة بهذه الأفكار وان الطاقة الايجابية تنتقل من صاحب هذه الحركة إلى المجموعة من خلال طاقة داخل مؤسس الحركة تكمن فى ست اسطوانات فى صدره وان هذا الاعتقاد هو ضلال بارانويدى مرضى يحتاج إلى العلاج وان سبب ذلك هو قلة الخبرة للأطباء النفسيين الصينيين حيث انه فى هذه الفترة كان الطبيب النفسى يعين بعد خبرة ستة شهور بالمستشفى ؛ وهو ما يشابه مجيء طبيب نفسى أجنبى ويرى أن غالبية الشعب المصرى يؤمنون بوجود الروح الشريرة وطردها بواسطة الزار وطرد الجان بواسطة الأحجبة والاتجاه إلى الاعتقاد بالعمل والسحر ففى مفهوم الأجنبى أن هذه ضلالات واعتقادات خاطئة وهنا المحك فى أنه يجب أخذ النواحى الثقافية والحضارية فى الاعتبار قبل التشخيص لأن ما هو مقبول فى بلدا يحتمل عدم قبوله فى بلد آخر.
واستقبلت الصين مجموعة من أساتذة الطب النفسى من الجمعية العالمية للطب النفسى لإعطاء بعض التدريبات فى التشخيص والعلاج والطب الشرعى النفسى حتى يقوم المدربون بتدريب الآخرين وقد نجحت هذه الخطوة فى إعفاء أطباء النفس فى الصين من اتهام بسوء استخدامهم للسياسة فى تشخيص ما هو قناعه ثقافية بأنه ضلال.
..................................
كان الفرج قد جاء من مبدأ أسسته الصين الحديثة بأنه ليس مهما لون القط ؛ المهم هو قدرته على صيد الفئران . وهاهى الصين تمتلك جراءة ليقول رئيس الصين لرئيس الولايات المتحدة المنتخب « ليس أمامك سوى التعاون معنا « ، وكأنه يهدى الولايات المتحدة أصعب الدروس ألا وهو: إن الشرق إذا ما أحسن هضم حضارة الغرب فهو يمتلك إهداء الكون بعضا من الفرج لمشاكل كثيفة متشابكة .


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.