ما يقترب من سبعة مليارات نسمة يراقبون كلامنا وخطابنا...منهم من يسمع ويسترشد ومنهم من يسأل ليستهدى ويتعلم...ومنهم من يشوه ويلوث..ومنهم...ومنهم... فماذا نصنع لنرشد ولنعلم ولنوجه؟ لم يعد بوسعنا إلا أن نتفاعل مع الناس فنجيب عن الأسئلة ونرد على الشبهات بما سجلته خبرتنا التاريخية وبما تعلمناه وتدربنا عليه فى القديم والحديث، وبما حفظناه وحافظنا عليه من الأصول والقواعد، التى منها: أن الدين منه الثوابت التى لاتتغير ومنه ما يجب أن يراعى الزمان والمكان والأشخاص والأحوال. ومنها: أن الإسلام أكبر من أى مذهب أو توجه سياسى أو حزبي. ومنها: أن الجانب الأخلاقى جزء أساسى من ديننا تناولته ثلثا نصوص الشرع الشريف وراعته الثلث الباقي. ومنها: أن التعلم المستمر والتدرب الدائم من قيمنا الثابتة قال تعالي: «وَقُلْ رَبِّ زِدْنِى عِلْمًا» [طه: 114]. هذا مع جملة من القواعد والأصول التى ترسخ للوسطية الجامعة السليمة المرتكزة على الأصل المراعية للعصر، الجامعة بين الأصالة والمعاصرة، وهذا ركن التجديد الأول وهو الوعى العميق. ثم يأتى الركن الثانى الذى ينادينا واقعنا الذى جمع بين سماوات مفتوحة وانتشار غير مسبوق للتواصل خصوصا عبر ما عاد يعرف بوسائل التواصل الاجتماعى ومسارعة كثير من المتطرفين لاستغلال هذا الواقع لمصلحتهم وأغراضهم. ينادينا واقعنا: أسرعوا باتخاذ إجراءات حاسمة تطبق القواعد الوسطية. وضموا إلى هذه النظريات الراقية وسائل للتطبيق؛ فإن هذا هو الركن الثانى من أركان التجديد وهو السعى الرشيد ومن دون السعى سيصبح الوعى عَرَضا لا يجد جسما يقوم به. ومن ثم أسرعت دار الإفتاء المصرية فى اتخاذ حزمة الإجراءات التى تجدد الوسائل بعد تجديد المقاصد، فتوسعت دار الإفتاء المصرية من وقت مبكر فى استخدام وسائل التواصل المعاصر عبر اللغات الحية فى العالم حتى وصل الخطاب إلى ما يقارب الخمسة ملايين مخاطب، إلى جانب الرحلات الخارجية لفضيلة المفتى ولعلماء الدار لبيان الصور والرد على الشبهات. وفى خطوة ريادية أنشأت دار الإفتاء المصرية كيانا جامعا مقرّه القاهرة بمقر دار الإفتاء وهو الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم، ليكون وصلا حقيقيا جامعا بين المعنيين المؤهلين بأمر الفتوى فى العالم، فاجتمعوا وتشاوروا. وكان أول ما ظهر من مشكلات الخطاب الإسلامى هو مشكلات الأقليات الإسلامية. إن المسلمين فى البلاد التى يمثلون فيها أقلية يجمعون بين كونهم سفراء لدينهم، وبين كونهم مواطنين فى بلادهم، عليهم واجبات دينية ووطنية، ولهم حقوق وطنية وشرعية. إنهم يعيشون فى مجمعات مختلفة عن مجتمعاتنا هى أوطانهم، لكنهم يشاركوننا فى الإنسانية وفى الدين، وما زال هذا السؤال الملح الذى يحاول المتطرفون من كل فريق أن يدخلوا إليهم من خلاله يبحثون عن الإجابة عنه وهو كيف نوفق بين واجبتنا الإنسانية والوطنية وبين واجباتنا الدينية؟ كيف نوازن بين انتمائنا للمسلمين وبين انتمائنا لأوروبا أو امريكا الشمالية أو الجنوبية أوالصين..إلخ؟. كيف نوائم بين دوائر انتماءاتنا المختلفة؟ وهل هى دوائر متعارضة؟ أم هى دوائر متكاملة؟ وما هى صلتنا بتراث المسلمين الذين يعيشون فى العالم الإسلامي؟ سؤال بعد سؤال واستفتاء بعد استفتاء يفرض نفسه عليهم. للأسف نجح بعض المتطرفين فى الوصول لبعضهم باستغلال هذه الأسئلة فجندوهم لعداوة أوطانهم بل لعداوة الناس أجمعين بمن فيهم المسلمون أنفسهم. وما زال أكثر من سؤال يبحث عن جواب علمى وعملى عن فتاويه وأسئلته. من أجل هذا، رأت الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء فى العالم أن يكون أول مؤتمراتها التى تحتضنها قاهرة المعز معقل الأزهر الشريف ليجيب عن هذه الأسئلة، وليضع للمفتين والمتدربين على الإفتاء فى العالم برنامجا يراعى الزمان والمكان ويجيب عن الأسئلة، يعنى بالمناهج ويدرب الأشخاص، فيجمع بين تجديد السعى وتجديد الوعى فى آن واحد. نردد قوله تعالي: «رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ» [الممتحنة: 5]. مستشار مفتى الجمهورية لمزيد من مقالات د. ابراهيم نجم;