مع اقتراب موعد الانتخابات الامريكية بدأت الفجوة تضيق بين المرشحة الديمقراطية هيلارى كلينتون والمرشح الجمهورى دونالد ترامب، وفى آخر استطلاعات الرأى نهاية يوليو الماضى تقلص الفارق بين المرشحين الى 3 نقاط لصالح كلينتون بعد ان كان قبل اربعة اشهر يقترب من 10 نقاط. ومن غير المستبعد أن يتطور الأمر الى فارق فى النقاط لصالح ترامب، وقد يصل الى الرئاسة أيضا. هذا الاحتمال فى عالم السياسة ليس بهزل بل هو فى مقام الجد، وهنا يصبح السؤال الكبير والخطير والمهم أيضا هو كيف سيكون العالم فى عهد ترامب؟ فمن الحكمة الاستعداد لعالم جديد فى عهد ترامب. المقصود بعالم جديد ليس فقط ما يتعلق بدور الولاياتالمتحدة بل ايضا بما يمكن ان تكون عليه بلدان اخرى لها تأثير فى السياسة العالمية، ولعل تصريح الرئيس الفرنسى أولاند فى الرابع من أغسطس الحالى يكشف حالة القلق التى تسود بلدانا أوروبية كفرنسا ذاتها فيما يتعلق بالتأثير المتوقع إذا فاز ترامب برئاسة أمريكا على ازدهار التوجهات اليمينية فى فرنسا، وبالتالى إذا تحول الأمر الى تيار جارف، فسوف نجد أكثر من رئيس أوروبى يعطى الأولوية لعزلة بلاده عن الآخرين، ويغلق أبواب بلاده أمام القادمين إليها من دول إفريقيا وأسيا التى تعرف بعدم الاستقرار أو تشهد انتشار جماعات إرهابية وكثرة المهاجرين غير الشرعيين من أبنائها إلى ربوع أوروبا.فوز ترامب سيعمق بالفعل ما يمكن ان نسميه بالتردد الامريكى فى الاشتباك مع قضايا عالمية ذات صلة بالأمن العالمى كله، وإذا كانت هناك حاجة بالفعل لتدخل امريكى فسوف يكون بمقابل مادى، وحتى ما قبل التدخل المباشر، فسيكون على الذين يتمتعون بضمانات حماية أمريكية سواء فى أوروبا أو فى أسيا ككوريا الجنوبية أو فى الخليج كدول مجلس التعاون أن يدفعوا أموالا طائلة لضمان استمرار هذه الحماية وفقا لقناعات ترامب. والأمر على هذا النحو فنحن أمام نوع من الخصخصة للأمن العالمى، لم يعرفه العالم بمثل هذا الوضوح، صحيح كل الدول تمنح الولاياتالمتحدة مقابلا لهذه الضمانات فى صورة دعم غير مباشر للميزانية الامريكية وللاقتصاد الامريكى ككل وللصناعات العسكرية على وجه التحديد، ولا تأخذ اى قرار بشأن النفط أو التجارة الدولية إلا بالتنسيق مع واشنطن، إلا أن الصيغة التى يطرحها ترامب اقرب الى صيغة عقد البيع والشراء، وبما يجعل أمن العالم أو مناطق ذات حساسية عالية مرهونا بمدى القدرة على الدفع المادى المباشر. المسألة بهذا الشكل ليست مجرد قرارات تتعلق بالسياسة الخارجية للأحداث الجارية، بل هى مفهوم جديد للأمن الجماعى والأمن العالمى وسيكون له تأثيره الكبير على دور الأممالمتحدة. وهو مفهوم يقترب مما كان يحدث فى تاريخ الامبراطوريات القديمة حين كان على الكيانات الأخرى لكى تأمن غزو الامبراطورية لها، أو التعرض لهجمات من منافسين محتملين ان تقدم العطاء او الجزية السنوية للحاكم الامبراطورى ليضفى عليها مظلة حماية وأمن، لكن احتمال فوز ترامب وصعود التيار الشعبوى اليمينى فى الولاياتالمتحدة قد يقود بدوره إلى حركة مضادة لكل ما يحمله من توجهات انعزالية تجاه مجتمعات او أديان معينة، او توجهات استعلائية تتعلق بأمن العالم وسلامته. وإذا حدثت هذه الحركة المضادة على الصعيد الاوروبى اولا والعالمى ثانيا فمن الطبيعى أن تجعل الدور الامريكى العالمى فى حالة انحسار ودفاع عن الذات، وهو ما سيقود إلى انكشاف الولاياتالمتحدة تماما خاصة إذا تطورت حركة المقاومة هذه إلى مؤسسات ذات صبغة عالمية. هذا على المدى المتوسط والطويل، اما على المدى القصير فمن المرجح ان يكون هناك ارتباك فى العواصم الكبرى بشأن ما يجب فعله، وكيف يتم التعامل مع رئيس اقوى دولة فى العالم ينظر للدول الحليفة نظرة استخفاف، كما ينظر نظرة عنصرية للدول الاخرى، فيما عدا الرئيس الروسى بوتين الذى يعتبره رئيسا قويا وأنه مؤهل للتعاون معه لصنع تاريخ جديد للعالم ولقيادة أمريكا معا. هو ما يضيف لروسيا ولرئيسها، إذ إن كل شىء قد يُحد من قدرة الناتو على تهديد روسيا فهو بالقطع إضافة لها، كما ان طرح ترامب بأن الأسد اقل خطورة من داعش يقترب كثيرا من رؤية موسكو. وإذا فاز ترامب ولم يغير رؤيته هذه، فالمرجح أن تشهد الازمة السورية تغيرات استراتيجية كبري. ومثل هذه التطورات المحتملة حال فوز ترامب تمتد أيضا الى تغيير كلى تجاه دول عربية وافريقية عديدة، فالتخلى عن نشر الديمقراطية، وهو التوجه الذى تتمسك به هيلارى كلينتون من خلال ما يعرف بالتغيير الذكى أو الضغوط الناعمة، سيؤدى بالفعل إلى تغيير طبيعة الدور الامريكى فى هذه المساحة الواسعة من الدول، وسيجعل من الممكن لهذه المجتمعات ان تسعى لبناء هياكلها الديمقراطية وفقا لاحتياجاتها وقدراتها الذاتية وليست كنتيجة لضغوط أمريكية. لمزيد من مقالات د. حسن أبو طالب