ارتفاع أسعار النفط نتيجة تصاعد المخاوف المتزايدة بشأن أمن منشات التصدير    حماية المستهلك: ضبط 14 مخالفة تلاعب بالأسعار.. واستمرار الحملات المفاجئة    محافظ أسيوط يعلن عن إزالة 14 حالة تعدي على أراضي زراعية وأملاك دولة ب4 مراكز    وزيرة الإسكان توجه بطرح محطات التحلية بالساحل الشمالي الغربي على القطاع الخاص    وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يدرسون تعزيز مهمة "أسبيدس" البحرية تحت ضغط أمريكي    سقوط شظايا صواريخ إيرانية في إسرائيل    وزير الخارجية ينقل رسالة تضامن إلى سلطان عُمان ويبحث جهود احتواء التصعيد الإقليمي    الأهلي يدرس تصعيد موقفه ضد الحكم السنغالي عيسى سي عقب موقعة رادس    موعد مباراة الأهلي القادمة أمام الترجي في إياب ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا    مواعيد مباريات اليوم الإثنين 16 مارس 2026 والقنوات الناقلة في الدوريات الأوروبية والعربية    إصابة شخص صدمته سيارة أثناء عبوره الطريق فى الوراق    تخصيص 204 ساحات وأكثر من 8 آلاف مسجد لأداء صلاة عيد الفطر المبارك    سارة نعمة الله: دراما المتحدة نجحت فى الجمع بين الفن والرسالة الاجتماعية    تكريم حفظة القرآن الكريم بقرية كوم الأطرون بطوخ فى القليوبية.. صور    لابورتا بعد تجديد رئاسته لبرشلونة.. كنت أتوقع النتيجة    ارتفاع معدل انتشار الهاتف المحمول إلى 110.75% في 2025    سقوط شظايا صاروخية قرب مطار بن جوريون    ضبط 206 مخالفات تموينية وضبط 200 كيلو فراخ فاسدة ونقص وزن في دقيق مدعم بالمنيا    من 15 حتى 29 مارس.. تشغيل قطارات إضافية بمناسبة عيد الفطر 2026    هجمات المسيرات على سجون "داعش" في العراق تثير مخاوف من فوضى أمنية    منتخب مصر يحقق 4 ميداليات متنوعة في الدوري العالمي للكاراتيه    وزيرة التنمية المحلية ورئيس التنظيم والإدارة يتوافقان على المقترح النهائي للهيكل التنظيمي المحدث للوزارة    خافيير بارديم من حفل الأوسكار ال98: لا للحرب.. وحرروا فلسطين    القبض على طباخ لاتهامه بإنهاء حياة سيدة وإخفاء جثمانها 3 أيام داخل شقته بالوراق    كحك العيد على طريقة الشيف نادية السيد    أشرف نصار يحفز لاعبى البنك الأهلى على هامش الإفطار الجماعى للفريق    حبس 3 عاطلين بتهمة انتحال صفة رجال شرطة بالقاهرة    من القمح للمانجو.. روشتة مركز المناخ لإنقاذ المحاصيل من غبار العواصف    بورسعيد الأعلى، تأخيرات خطوط السكك الحديدية اليوم    الأوسكار 98.. «فورملا 1» أفضل صوت    الليلة.. الرئيس السيسي يشهد احتفالية ليلة القدر ويكرم الفائزين في «دولة التلاوة»    اليوم.. إعلان النتائج الرسمية لانتخابات نقابة المهندسين 2026    مقرمشة مثل الجاهزة.. طريقة عمل السمبوسة بورق الجلاش بخطوات سهلة في المنزل    الحرس الثوري الإيراني محذرا من استهداف جزيرة "خرج": سيخلق معادلة أخرى مروعة    لكل ربة منزل.. أفضل الطرق لصنع الترمس في المنزل    اللهم أعتق رقابنا.. صلاة فجر اليوم السادس والعشرين من شهر رمضان بمسجد الصفا بكفر الشيخ    الأوسكار 98.. «الفتاة التي بكت لآلئ» أفضل فيلم رسوم متحركة قصير    وزارة الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير 11 طائرة مسيّرة في المنطقة الشرقية    بيبو يترك الصعيد بعد خلاف مع سيد رجب في الحلقه 11 من «بيبو»    الصحة: مخزون أدوية الأمراض المزمنة والطوارئ يكفي من 4 إلى 6 أشهر    الدراما والتاريخ | قراءة نقدية لمشهد تخزين السلاح في الأراضي الزراعية بمسلسل "رأس الأفعى"    سر عظمة ليلة القدر.. أستاذ بجامعة الأزهر يوضح مكانتها وأنوارها في الإسلام    الجيش الإسرائيلي يعلن بدء موجة هجمات على بنى تحتية للنظام الإيراني في طهران    رأس الأفعى في قبضة الأمن.. تفاصيل المداهمة التاريخية ل "جحر" الثعلب    الطلبة يحتفلون بعودة روح في مسلسل علي كلاي والعوضي يعلق الشارع كله مع كلاي    خطوات سداد رسوم التقديم لوظائف الحكومة في المسابقات    عبير الشيخ تحذر: برامج تحريض المرأة على الرجل تهدد الأسرة والمجتمع    عبير الشيخ: الزواج من سياسي يتطلب صبرًا وفهمًا ومسؤولية مزدوجة    عبير الشيخ: غياب الأخلاق سبب سلبيات السوشيال ميديا    المفتي: صلة الرحم سبب للبركة في الرزق وطول العمر وطمأنينة القلب    «المتر سمير» الحلقة 10.. محمد عبد الرحمن يساعد كريم محمود عبد العزيز في قضية جديدة    مواقيت الصلاة وعدد ساعات الصيام اليوم الإثنين 26 رمضان 2026    #جمال_ريان يتفاعل على (إكس)... إجماع المهنيين على تكريمه وسقوط الأمنجي إنسانيا    مصدر من اتحاد الكرة ل في الجول: حسام حسن وافق على لقاء إسبانيا.. وفي انتظار الاتفاق    ختام الأنشطة والدورة الرمضانية بمركز دراو بأسوان.. صور    بحضور مئات الأسر.. تكريم 300 من حفظة كتاب الله بكفر الشيخ.. مباشر    الأنبا مقار يلقي محاضرة في ختام الترم الثاني بمعهد «في إتشوب» بالعاشر من رمضان    حسام موافي يحذر: الأرق كارثة على الجسم وقد يكون مؤشرا لجلطات دماغية أو فشل كبدي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حرية الإبداع وهوس الملاحقة!
نشر في الأهرام اليومي يوم 29 - 02 - 2016

حين نخلط بين المقال والنص الروائي، ونمارس الفعل ذاته فنتصور أن الراوى الذى هو خلق متخيل من قبل الكاتب هو الروائى نفسه، فإن ثمة جهلا مركبا بماهية الأدب وقيمه الجمالية وقوانينه الداخلية التى يستند إليها، وتكون المحصلة النهائية قمعا للكتابة وحبسا للكتاب، لا لشيء إلا لأن المنطلق كان خاطئا، ولأن الوعى الجمالى لم يزل غائبا، وحينئذ يتحول العدوان على الإبداع والأفكار والكتابة إلى هوس يصبح الخلاص منه صعبا وعسيرا للغاية فى ظل بنية ثقافية وفكرية مهترئة، خارج الزمن والتاريخ.
هل يمكن أن يسجن كاتب جراء رواية كتبها؟ أو يسجن باحث بسبب آرائه الفكرية؟ ربما يكشف السؤال عن سوء الحال، فلو طرحناه على أية جماعة بشرية متقدمة لرأت فيه عصفا بإنسانيتها، لكنه للأسف يحدث الآن، ويبدو أننا قد ضقنا ذرعا بمنطق الاختلاف والتنوع، ويبدو أيضا أن القوى الرجعية لم تزل تملك حضورها الفاعل فى المجتمع المصرى على الرغم من ثورتين مجيدتين، كانت إحداهما (ثورة يناير 2011) ابنة لسياق جديد يعرى الاستبداد السياسى ويسائله، والثانية تجابه الفاشية الدينية وتقاومها (ثورة يونيو 2013)، لكن صيغة التحالف بين الفساد والرجعية لم تزل حاضرة، والمناخات الرافضة لحرية الإبداع والبحث والرأى والتعبير تشكل الوسط البيئى الذى تنمو داخله جملة الأفكار الماضوية التى تعد على الناس أنفاسهم، وتحصى على الكتاب والمبدعين الجمل التى كتبوها والعبارات التى خطتها أقلامهم!!.
إن الأمم تتقدم حين تؤمن بقيمة المساءلة، وتدرك أن الحرية هى سؤال الإبداع وغايته، وأن إبداعا بلا حرية يعنى كتابة بلا روح، فالنص الأدبى حمال أوجه ودلالات، تتنوع داخله التيمات والأفكار وتتجادل، لتشكل موقفا من العالم، قد يكون احتجاجيا أو مسائلا أو ساخرا أو حاملا قيما أو دافعا إلى السؤال، لكنه يظل دوما ابنا لهذا الفهم المتنوع لجمهرة المتلقين الذين يقرأون النص الأدبى كل حسب ذائقته وخبراته الجمالية ومحصوله المعرفي، ومن ثم تتنوع القراءات للعمل الإبداعى وتتنوع وتمثل كل قراءة زاوية نظر جديدة للنص الأدبي، ونصبح فى نهاية المطاف أمام قراءات مختلفة وزوايا نظر متعددة تكشف وبجلاء عما نسميه فى النقد الأدبى بالمنطق الديمقراطى للنص، هذا المنطق الذى يحضر فى الكتابة إبداعا وتلقيا، ويغيب فى الواقع حين نصادر الإبداع ونحاصره.
إن الإبداع ليس حكرا على فهم بعينه، ولا يمكن لأى متخصص يدرك معنى الأدب وماهيته أن يدعى أنه يملك الكلمة الفصل بإزاء عمل أدبي، فالكلمة الأخيرة لم ينطق بها أحد بعد، ولذا فإن المصادرة هى أقسى الطرق وأبعدها عن الصواب فى التعامل مع الإبداع، وهى طريقة قديمة تليق بعالم قديم، وبوعى وخيال بليدين أيضا.
إن الواقع الثقافى الرسمى المترهل والمتكيء على تصورات غائمة عن راهن الثقافة المصرية، ناهيك عن مستقبلها، يبدو مسئولا عن جانب من الأزمة، ففقر الخيال لدى القطاعات التى تهيمن على حيز الثقافة الرسمية منذ زمن لم يستطع تحرير الوعى المصرى ولا تنويره بحق، وبدت الثقافة منعزلة عن واقع الناس وحياتهم، بدلا من أن تمثل حالة مجتمعية يتشكل من خلالها العقل العام، وتبلور خطابا متماسكا لصالح قيم التقدم والاستنارة والإبداع، وعلى الدولة المصرية أن تدرك أن الحرية سبيل ضامن للتقدم، وأن الحريات الإبداعية والبحثية والأكاديمية ليست ترفا ولا زخرفا، ولكنها ملامح مركزية تنهض عبرها الأمم وتتقدم.
حين اعتبر جون ميلتون أن مصادرة كتاب تماثل قتل إنسان بل أكثر، لم يكن صاحب الفردوس المفقود يدرى أن ثمة مبدعين وباحثين يسجنون بسبب ما كتبوا، وأنه بدلا من أن يوضع النص الأدبى على طاولة التشريح النقدى لاستجلاء جمالياته والكشف عن جوهره، يصبح الحصار والتجريم الأخلاقى بديلا، وبدلا من أن يناقش الباحث على نحو علمي، وتفند الآراء والحجج بطريقة موضوعية يصبح التكفير سلاحا جاهزا للمواجهة.
تخسر الأمم كثيرا حين لا تعى أن مستقبلها فى وعيها النافذ بلحظتها الراهنة، وفتحها نوافذ الحرية فى كل مكان، حيث يجب ألا تخش شيئا، بل عليها فقط أن تعمل بجدية على تجديد أدوات العقل العام، وتنوير الوعى وتحريره، وتنمية الذائقة، والاحتفاء بالإبداع الحقيقى وتقديمه، والتكريس للأصوات الطليعية الجديدة فى الثقافة المصرية، والكشف عن أصحاب المشاريع الإبداعية الحقيقية، وتغليب معايير الكفاءة والنزاهة والشفافية على ما عداها، بهذا وحده نتقدم، وبهذا وحده ننهض، وبغير ذلك، سنتحول إلى مجتمعات من الحطام، تقيم لبعضها البعض محاكم تفتيش لا تنتهي، وتصادر بعضها البعض، وتؤسس كل جماعة فرعية داخلها لهويتها الصغرى وتعدها هوية بديلة، فيختفى التناغم العام، والتجانس المشترك الذى يحوى داخله تنوعا خلاقا، وتعددا ثريا لا غنى عنه.
وبعد.. حمل الإبداع تاريخا من المعاناة، وتعرض لمحن متعددة، مصادرة وتكفير وقتل، من طه حسين إلى فرج فودة إلى نصر حامد أبوزيد، وغيرهم، إلى مصادرة الأعمال الإبداعية وملاحقة الكتاب، وفى كل مرة نكتشف أن الطريقة المثلى للتعاطى مع الأزمة لم نسلكها بعد، وبات تقييد الحرية شوطا مأسويا فى هذا السياق المعتم، ولذا نحن بحاجة حقيقية الآن إلى إصدار تشريعات حامية لحرية الإبداع والتفكير والبحث العلمى بما يليق بالدولة المصرية وبناسها وبثورتين نبيلتين قدمت فيهما جماهير شعبنا الدماء والشهداء من أجل غد أكثر جمالا وعدلا وحرية.
لمزيد من مقالات د.يسرى عبد الله


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.