اليوم يعود بوتين الي عرشه في الكرملين.. يعود القيصر ليؤكد مجددا حقيقة استعادة روسيا للوعي والموقع والمكانة وفي سبيلها الي المضي الي ما هو ابعد. وكان قد أعلن عن ذلك في اكثر من مناسبة اهمها مؤتمر ميونيخ للامن الاوروبي في فبراير2007 الذي أعلن فيه رفضه لهيمنة القطب الواحد وانفراد قوي بعينها بالقرار الدولي وعزمه علي العودة بكل قوة إلي صدارة الساحة الدولية. هاهو بوتين يعود مؤكدا أنه الأجدر بقيادة روسيا في المرحلة المقبلة بما تراكم لديه من خبرات ورصيد علي مدي سنوات طويلة استطاع خلالها الابتعاد ببلاده عن غياهب الحرب الأهلية, وحقق قدرا باهرا من النجاح في مكافحة الإرهاب واستعادة وحدة أراضي الدولة واقرار النظام الدستوري بما اعاد للوطن وقاره الذي ذاق شخصيا مرارة بعثرته وضياعه في نهاية ثمانينات القرن الماضي ابان سنوات خدمته كممثل ل كي جي بي في دريزدن. يعود الزعيم ليواجه أبناء وطنه بوجه ثلجي القسمات داعيا الي المزيد من الديمقراطية ردا علي مظاهرات الاحتجاج التي تجتاح كبريات المدن الروسية وهو الذي طالما كان الجناح المحافظ المتشدد للثنائي الحاكم مع صديقه ميدفيديف الليبرالي التوجه.وكان بوتين قد أعرب عن استعداده للقبول بالمتغيرات حين قال صراحة: ان مجتمعنا المدني بات أكثر نضوجا ونشاطا ومسئولية الي حد كبير.بل ومضي الي ما هو ابعد حين اعترف بالحاجة الي تحديث آلية الديمقراطية في روسيا بما يتلاءم والنشاط العام المتزايد,علي حد تعبيره. قال ايضا بضرورة أن يشعر الناس في أغلبيتهم أنهم مواطنون وأن يكونوا مستعدين ومتيقظين علي الدوام للمشاركة في الحكم. وقال ثالثا بحتمية الانصياع الي متطلبات وافرازات العصر.وقال كذلك انه وما دامت شبكات الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي تفرض تغيير الثوابت, فلابد من التغيير والزام البرلمان بمناقشة أي اقتراحات تلقي اجماعا من جانب مائة ألف من مواطنيه شريطة التاكد من توقيعاتهم. واذا كان عدد من منتقديه وصف ما يطرحه بوتين من تعديلات واصلاحات بانها رتوش تستهدف تجميل وجه النظام دون تغيير جذري يمس مبدأ احتكار السلطة علي حد تعبير ليليا شيفتسوفا خبيرة مركز كارنيجي في موسكو, فلابد من الاعتراف بمثل هذه الاحكام وفي نفس الوقت الذي يتوجب فيه الاعتراف بما حققه بوتين علي صعيد الحيلولة دون انهيار الدولة الروسية علي نفس النحو الذي حاق بالاتحاد السوفيتي السابق. وكان بوتين نجح في استعادة مكانة روسيا علي الخريطة العالمية كقوة لا يمكن القفز عليها او تجاهل رأيها.ونجح بوتين ايضا في الحيلولة دون تغول رأس المال وتسلل ممثليه الي السلطات التنفيذية والتشريعية وسيطرتهم علي السلطة القضائية بعد نجاحهم في استقطاب نجوم الصحافة والاعلام لخدمة مخططاتهم الشيطانية. اما عن الاقتصاد وعلي الرغم مما تحقق من انجازات منها انخفاض مستوي الفقر بنحو مرتين ونصف المرة مقارنة ببداية تسعينات القرن الماضي, وارتفاع حجم الطبقة الوسطي إلي ما بين20-30%, بعد النكسة التي أصيبت بها جراء أزمتي1998 و2008 التي سبق واطاحت بالكثير من وقار عدد من الدول الغربية, فلا يزال امام بوتين الكثير لتحقيق ما اعلنه حول تحديث روسيا واللحاق بركب الدول المتقدمة صناعيا, ويبقي الاعلام الذي نتوقف عنده قليلا لنشكو مع آخرين ما يرتكب من تجاوزات من جانب ممثلي النظام في حق الصحافة والصحفيين وطالت قدرا من مبادئ حرية الكلمة والتعبير, في نفس الوقت الذي عجزت فيه السلطة المركزية عن التصدي للفساد في مختلف المجالات وهو ما اضطر بوتين وسلفه ميدفيديف إلي الاعتراف به حين قال بانه كان المشكلة الوحيدة التي استعصت علي الحل. اذن نحن أمام عودة مغايرة الي بلد تغير كثيرا عن ذلك الذي كان بوتين جاء اليه من غياهب سلطة مترهلة في أواخر تسعينات القرن الماضي. عودة تفرض الالتزام بما اعلنه بوتين من وعود ثمة من يقول انه لو انجز50% منها, يكون قد ارضي طموحات شعبه وقفز ببلاده الي مصاف الكبار ممن لم يتخلوا بعد عن محاولاتهم الرامية الي ابعادها عن صدارة الساحة العالمية.