يشكو بعض المعلمين من الحرب الضروس الدائرة بين عدد من المدرسين على الدروس الخصوصية، والتنافس الرهيب على ضم تلاميذ، وتنظيم المجموعات، وجمع الأموال، وذكر هؤلاء المعلمون الشاكون أن هذا فى رأى ذلك الفريق المتنافس، هو الذى يستحق الإخلاص والإتقان والتفاني، وإن سبب بعض المعاناة عند أولياء الأمور. والمعلمون الشاكون يرفضون هذا الرأي، ويرفضون أن يصنعوا صنيع المتنافسين على الدروس الخصوصية، ويرون أنهم يحنون على التلاميذ حنو الآباء، ويجتهدون، ويخلصون، حيث إن من عملهم الأساسى أن يدرسوا ويقدموا كل ما يحتاج إليه بلا أجر خاص ويبذلوا أقصى ما فى وسعهم لإبلاغ عملهم تمام الاحسان، وقد خلت سيرهم من كل الشوائب وصور التأنيب واللوم والتقصير، وعلى الرغم من الإجادة والحرص على خدمة الأبناء والبنات لم يطلبوا شيئا سوى مرتبهم الشهرى المستحق. وقلت للشاكين: إن الله لا يضيع أجر العاملين المخلصين، ومن يعتصم بالإخلاص ويستنفد جهده، ويقدم دروسا مجانية نافعة تحتفل بالفقراء وغيرهم، لا ينتظر المناصب والنفوذ أو يريد منع الحياة وثمن الجهد والشهرة والمحمدة والرضا والتكريم. إن المخلص يتمنى أن يكون من الأبرار الأتقياء الذين يحبهم الله. ويصير بره أشد قوة من الجبال المرساة فى الأرض كالأوتاد، وعطاؤه وجده أمنع وأمتن من الحديد القوي، الذى يقع الجبال، وتنحت به الصخور، ونبله وتكافله وحماسه أمضى من النار المتأججة التى تذيب الحديد، ومن الماء المتدفق الذى يطفئ النار. إن أجره لن يضيع لأن ميزان العدل والأجر والثواب والحق والخير نبيل كريم منصف رشيد قال تعالي: »فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، وقال: »ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا..« ان المخلص واضح الخطة، مستقيم الطريقة، داع دائما إلى الخير، يكبح جماح نفسه ويقمع طغيان هواه. إن يقينه لا يهن، وهمته لا تنئ وأمله لا يخبو، إنه ينتظر متعا أخرى غير التى ربحها تجار الدروس، سامية بعيدة، ولو تتبعتم أحوال أنبل المخلصين. وسير أكرم العاملين لوجدتم أنهم آثروا أن ينالوا أجرهم من الله. إن طلب أجر خاص على الإتقان والإخلاص ورعاية الطلاب، لا يليق بفضل العلم ومكانته، ولذلك آثر العلماء الذين جمعوا أسمى خصال الكرم والفضل أن يجدوا لذتهم فى غير بيع العلم والارتزاق بمجموعاته ومراكزه، وكان أبو حنيفة يحنو على تلامذته حنو الأب على أبنائه يحرص على أن يصرف لهم الكساء والمال، ويقضى كل حوائجهم، ويتخذ كل السبل التى لا تجعلهم يدركون أن ذلك صدقة، كان يود أن يتفرغوا للعلم فيكفل العيش الرضى لهم، وقد أجرى على تلميذه أبى يوسف راتبا يسمحه له بالتفرغ للعلم، وسجل تلميذه النجيب ذلك بقوله: »كان يعولنى وعيالى عشرين سنة. وإذا قلت له: ما رأيت أجود منك! يقول: كيف لو رأيت حمادا! يعنى أستاذه حماد بن سلمة« والحق أن الإخلاص حين يهيمن على النفوس ترمى أعراض الدنيا وتقبل على البذل والايثار والفداء والتضحية. وما أعظم حث الرسول صلى الله عليه وسلم على العمل وتعظيم ثوابه، حيث يقول: »ان الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة فى جحرها وحتى الحوت فى جوف البحر ليصلوا على معلم الناس الخير« ويقول لابى ذر: »يا ابا ذر تغدو فتعلم آية من كتاب الله خير لك من أن تصلى مائة ركعة ولأن تغدو فتعلم بابا من العلم عمل به أو لم يعمل به خير لك من أن تصلى ألف ركعة«. إن مصر ترمق المعلمين المخلصين بنظرات الحب والاحترام والإعجاب حيث إنها لم تجد فيهم خسة او نذالة او تلهفا على منافع شخصية، بل وجدت منهم إسهاما كبيرا فى خدمتها وتربية أبنائها وتحقيق أهدافها، ورأت أنهم لم يحاولوا أن يرهقوا الأسر المصرية إرهاقا مضنيا، ولم يعطلوا تقدمها: أما الشاكون من المعلمين فأقول لهم: أنتم تعيشون لرسالة كبيرة، وتعملون لهدف رفيع، وتفضلون القربى إلى الله، والحظوة بثواب الإخلاص، فلا تحزنوا، وحسبكم هذا الموقف الذى يجلب لكم التبجيل والاحترام وتقدير الأغنياء والفقراء. إنكم لم تقصروا فى التربية والتعليم، ولم تختاروا إلا رعاية مصالح أبناء وبنات الأمة، وتقديم ثمرات الخير للجميع، فى سخاء وحب وتكافل، ومساواة ودون أجر خاص، فنعم سلوك المجيدين الرحماء. لمزيد من مقالات د. حامد شعبان