افريقية النواب تضع خطة عملها بدور الانعقاد الأول للفصل الثالث    أسهم التكنولوجيا تدفع البورصة الأمريكية إلى التراجع في ختام التعاملات    وزارة الزراعة تضبط 209 أطنان من اللحوم والأسماك الفاسدة وتكثف الرقابة استعداداً لرمضان    الإمارات وقيرغيستان تبحثان تعزيز التعاون الثنائى    أرسنال يتأهل إلى نهائي كأس رابطة المحترفين الإنجليزية على حساب تشيلسي    برشلونة يعبر ألباسيتي ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    اتحاد جدة السعودي يعلن رسميًا رحيل الفرنسي نجولو كانتي    الناتو: دعم الحلف سيبقى ثابتًا وأي تسوية سياسية للصراع يجب أن تستند إلى ضمانات أمنية قوية    بهدفين في مرمى ألباسيتي.. برشلونة يتأهل إلى نصف نهائي كأس ملك إسبانيا    مارسيليا يعبر رين ويتأهل لربع نهائي كأس فرنسا    هطول أمطار خفيفة على جنوب الشيخ زويد ورفح    إصابة 3 أشخاص في تصادم دراجتين ناريتين بدكرنس في الدقهلية    بسبب النتيجه....طالب إعدادي ينهي حياته في المنيا    تحريات لكشف ملابسات فيديو مشاجرة بالأسلحة البيضاء فى الهرم    رتب مشاهداتك فى رمضان.. أين يعرض مسلسل رجال الظل عملية رأس الافعى؟    بعد عاصفة الانتقادات.. هاني مهنا يعتذر لأسرتي فنانتين ويكشف ملابسات تصريحاته    مهرجان أسوان للفنون ينطلق فى دورته ال13 بعاصمة الثقافة الأفريقية.. 14 فرقة دولية ومحلية تقدم ديفيليه فني وعروضا مبهرة بحضور سفير كندا.. وتجاوب كبير من الوفود الأجنبية والمواطنين بالسوق السياحى.. صور    عمرو العادلي الشروق: الفوز بجائزة معرض الكتاب إنجاز خاص في مسيرتي الأدبية ودار الشروق شريك أساسي    محامي شيرين عبد الوهاب يحذّر من التعامل مع صفحاتها على السوشيال ميديا: لم تُبع    إيقاف عرض مسلسل روح off في رمضان 2026.. لهذا السبب    متحدث الوزراء ل "إكسترا نيوز": ميكنة التأمين الصحي الشامل تضمن جودة الخدمة وتقلل الزحام    ترامب: نتفاوض مع إيران «الآن» وسط غموض بشأن مكان المحادثات    ب 3 مليارات دولار، البنتاجون يوافق على صفقة قطع غيار ودعم لوجستي لمقاتلات F-15 إلى السعودية    اعتقال طالب في نيس جنوب فرنسا سدد ثلاث طعنات لمعلمته    ضبط تلاعب في أسطوانات الغاز في دمياط    بعد إزالة التعديات، شارع العريش بلا باعة جائلين وسيولة مرورية للمواطنين (صور)    غزل المحلة يعلن تعاقده مع الفلسطيني محمد سفيان سويطي    انتهت الأزمة.. اتحاد جدة السعودي يعلن رحيل كانتي    أرسنال يفوز على تشيلسي ويتأهل إلى نهائي كأس الرابطة    لوكمان: أعد جماهير أتلتيكو مدريد بصناعة الفارق.. واللعب في الدوري الإسباني متعة    استبعاد الجزيري وإيشو ومحمد السيد من قائمة الزمالك للقاء كهرباء الإسماعيلية    موعد مباريات اليوم الأربعاء 4 فبراير 2026.. إنفوجراف    إسرائيل تحذر من «اتفاق ناقص» مع إيران خلال لقاء نتنياهو وويتكوف    خطوة بخطوة، طريقة عمل الباستا فلورا بسهولة    عمرو العادلي يحتفل بفوز روايته «وكالة النجوم البيضاء» ويقتنص صورًا تذكارية في جناح دار الشروق    بسبب الصيانة، انقطاع مياه الشرب عن قري ومدن الفيوم غدا    متحدث الشباب يكشف أسباب طلب البرلمان تعديل قانون الرياضة (فيديو)    عبد اللطيف: الحفاظ على هيبة المعلم وتطبيق لائحة الانضباط المدرسي بحزم    رئيس الوفد يفتح باب التظلمات من الفصل المخالف للائحة    إدارة شرق تفتتح معرضا لقسم الموهوبين والتعلم الذكي بالإسكندرية    وزير التربية والتعليم يوجه المديريات بتسليم الكتب للطلاب دون تأخير    رمضان 2026| طرح البرومو التشويقي لمسلسل «توابع» بطولة ريهام حجاج    على من يجب الصوم؟.. أمينة الفتوى تجيب    ضبط المتهم بقتل شاب جامعي بسبب الإتاوة في السيدة زينب    ما حكم العمل كصانع محتوى والتربح من الإنترنت؟.. أمين الفتوى يجيب    هل الشهرة مقصد شرعي أم فتنة يجب الحذر منها؟.. أمين الفتوى يجيب    وزارة التموين تُطلق خطة «أهلاً رمضان» لضمان وفرة السلع واستقرار الأسعار    محافظ الجيزة يعقد اللقاء الأسبوعي لبحث شكاوى مواطني الدقي والعمرانية والهرم وأبو النمرس    القومي للأشخاص ذوي الإعاقة يلتقي مساعد وزير العدل لحقوق الإنسان    الأنوار المحمدية ترسم البهجة في أورام الأقصر احتفالًا بليلة النصف من شعبان    مصر تبحث مع البنك الدولي الجهود المشتركة لتعزيز التنمية الاقتصادية والاستثمارات المناخية    الأزهر للفتوى: تحويل القبلة يؤكد وسطية أمة الإسلام والعلاقة الوثيقة بين المسجدين الحرام والأقصى    الفلسطينيون القادمون من غزة يشكرون الرئيس السيسي: الله يحفظه ويبارك فيه    رئيس جامعة المنوفية يستقبل طالبات من البرازيل في تجربة تدريب طبي    رئيس الوزراء يتابع مستجدات ميكنة منظومة التأمين الصحي الشامل    توقيع مذكرة تفاهم بين مصر والسويد لدعم الشراكة في المجالات الصحية والطبية    الحكومة تسحب مشروع قانون المرور لتقديم نسخة جديدة ل"النواب"    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



تاريخ موجز للعبودية
نشر في الأهرام اليومي يوم 21 - 12 - 2015

تشكل قضية العبودية/ الرق أحد أعمق مصادر الألم الإنسانى، الذى عرفته الحضارات الكبرى والدول الإمبراطورية، وشهدته عصور التاريخ السابقة على القرن العشرين، بل وأقرته الأديان السماوية ضمنا، وإن سعت فقط إلى التخفيف من وطأة الشعور به.
ففى الحضارة اليونانية كان ثمة تشريع لنظام الرق العام، وأيضا لنظام الرق الخاص أو تسخير العبيد في خدمة البيوت والأفراد، فكان للهياكل في آسيا الصغرى أرقاؤها الموقوفون عليها، وكانت عليهم واجبات الخدمة والحراسة، ولم يكن من حقهم ولاية أعمال الكهانة والعبادة العامة. وحتى أفلاطون، الفيلسوف المثالى، يقضي في جمهوريته الفاضلة بحرمان العبيد من حق المواطنة وإجبارهم على الطاعة والخضوع للأحرار من سادتهم، مبررا ذلك الخضوع بتفاوت أصلى فى الطبع بين السادة والعبيد وليس مجرد تفاوت تاريخى قابلا للزوال. بل رأى أفلاطون، فى نوع من العنصرية المضادة، أن على العبد اليونانى طاعة السيد الغريب، ومن تطاول منهم على هذا السيد أسلمته الدولة إليه ليقتص منه كما يريد!.
أما الحضارة الرومانية فكانت أكثر تعسفا من سالفتها اليونانية فى التعامل مع العبيد، حتى إن القانون الروماني منح للسيد الحق في إماتة العبد الذى يملكه لو أراد ذلك، فحياة العبد، وكذلك موته ملكا لسيده، غير المسئول تماما عن تصرفه إزاء العبد. ولأن الرومان وهم بصدد التحول من جمهورية إلى إمبراطورية، حاربوا كثيرا، واسترقوا أعدادا غفيرة من الدول التى خضعت لها، فقد وصلوا إلى المستوى الأعلى من التحكم فى حياة الرقيق، كما صارت دولتهم هى القاعدة الأكبر للرق فى التاريخ، حيث وصل عددهم فى بعض المراحل إلى ثلاثة أضعاف عدد سكانها.
من جانبهم كان اليهود يسترقون، وقد أمرت الديانة اليهودية بحسن معاملة الرقيق، وحددت زمن الاسترقاق بسبع سنوات يصبح العبد بعدها حرا. وقد نشأت المسيحية وهو مباح فلم تحرمه، بل أمر بولس الرسول العبيد بإطاعة سادتهم كما يطيعون السيد المسيح، فقال في رسالته إلى أهل أفسيس: «أيها العبيد! أطيعوا سادتكم وحسب، بخوف ورعدة في بساطة قلوبكم كما للمسيح، ولا بخدمة العين كمن يرضي الناس، بل كعبيد المسيح عاملين مشيئة الله من القلب خادمين بنية صالحة كما للرب ليس للناس، عالمين أن مهما عمل كل واحد من الخير فذلك يناله من الرب عبدا كان أم حراب. وأوصي الرسول بطرس بمثل هذه الوصية، وأوجبها آباء الكنيسة لأن الرق، فى اعتقادهم، كفارة من ذنوب البشر يؤديها العبيد لما استحقوه من غضب السيد الأعظم. وحتى نهاية العصر الوسيط، كان القديس توما الأكوينى يعضد هذا الرأى، حيث تأسس وعى الرجل على التضافر بين المسيحية التى لم تر فى العبودية أمرا يناقض الإيمان، بل أوجبت على المؤمن الحق أن يقنع من الدنيا بأهون نصيب، وأن يكون صدقه فى خدمة سيده، قدر صدقه فى محبة الرب، مصحوبة بالرضا والسرور. وبين العقلانية اليونانية، خصوصا أرسطو الذى كان اعتبر الرق حالة طبيعية لبعض البشر المخلوقين للعبودية لأنهم يعملون عمل الآلات التي يتصرف فيها الأحرار من ذوى الفكر الأعلى، وإن تعين عليهم محاولة الإرتقاء بالعبيد وتشجيعهم على تحسين طبائعهم ليصيروا كائنات أكثر رشدا، لا من أجل الحصول على الحرية بل من أجل تحسين مستوى خدمتهم للسيد نفسه.
وأما الإسلام فتعامل مع ظاهرة الرق بإدراك مزدوج: كونها من ناحية عصب النظام الاجتماعى القائم، حيث كان الاسترقاق فى أحد أكثر صوره قسوة رائجا فى جزيرة العرب، خصوصا فى مكة. ومن ناحية أخرى ظاهرة مؤرقة للضمير الإنسانى، تثقل كاهل الحرية فى التاريخ. ومن ثم اختار الإسلام الاكتفاء بحصار الظاهرة والضغط عليها بقوة حضور العقيدة ونزعة المساواة الكامنة فى صلبها، وذلك عبر آليات ثلاث أساسية: أولاها: تضييق المنافذ التى يأتى منها، بدءا من تحريم كل رق غير رق الأسرى في الحروب. وثانيتها بتوسيع الأبواب التى يخرج من خلالها بالحض على إطلاق الرقيق كنوع من المن والعفو يُثاب عليه المسلم: «فإما منا بعد وإما فداء». أو بإعتاق «رقابهم» كنوع من الكفارة للعديد من الخطايا، بنص القرآن الكريم. وثالثتها: الإحسان الى الرقيق، وإدماجهم فى الحياة العامة على نحو يتقلص معه الفارق الموضوعى بينهم وبين الأحرار.
وهكذا يمكن القول إن التجربة الإسلامية فى التعامل مع قضية العبودية لم تكن رجعية بالمطلق، كما يدعى بعض المستشرقين، ولكنها فى الوقت نفسه لم تكن تقدمية تماما كما يتوقع من دين هو ختام الأديان، ومن شريعة تقوم على العقل وتبنى على الإرادة وتخلو من الكهانة والوصاية، ومن ثم كان منتظرا منها حسم مصير العبودية نهائيا، لتبقى جائزة فقط لله الواحد الأحد. ومن ثم يمكن القول إن قضية الرق تمثل الثغرة الأكبر فى جدار رؤية الإسلام الشاملة للوجود، وإدراكه التقدمى لحركة التاريخ.
وهكذا استمر الرق طيلة العصور الوسطى، وقسطا كبيرا من العصر الحديث سواء فى العالم الإسلامى أو فى القارة الأوروبية، حيث ظل قائما فى عصر النهضة، ثم جاء الإصلاح الدينى والرق ليس موضعا لنقاش لدى المذاهب البروتستانتية الجديدة، بل يمكن الادعاء بأن مسيرة الاسترقاق اتسعت بفعل الكشوف الحغرافية، حيث نقل الأوروبيون عبر الأطلنطى، وضمن عملية استعمار الأمريكتين، نحو خمسة عشر مليون إفريقى أسود، مات بعضهم فى عرض المحيط وعاش الباقون عبيدا للرجل الأوروبى. بل جاء عصر التنوير متوازيا مع الثورة الصناعية والرق لم يحرم قانونيا بعد وإن تبدى كقضية مخزية فى سياق الروح التحررية، حتى صدر قانون تحريم العبيد فى ستينيات القرن التاسع عشر، عقب الحرب الأهلية الأمريكية، وبدعم الرئيس العظيم إبراهام لينكولن، ليحقق المساواة القانونية بين الناس. بل ظلت هذه المساواة القانونية سطحية، غير فاعلة فى تحقيق الشعور بالمساواة الاجتماعية، حتى كانت حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينج (المسيح الأسود) فى ستينيات القرن العشرين. بل إن ظلالا من التمييز الذى تمارسه الشرطة الأمريكية بحق السود بين حين وآخر، تتعانق مع الممارسات الداعشية بالعراق وسوريا وخصوصا سبى النساء واغتصابهن، لا تزال تتبدى كأشباح ماض حزين، تسد الطريق على مسيرة الحرية فى التاريخ.
[email protected]
لمزيد من مقالات صلاح سالم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.