وسط أزيز الرصاص وانفجارات السيارات المفخخة وغارات الطيران، يجري الإعداد لإطلاق بالونات سلام جديدة في المنطقة، أحدها تم بلورة خطوطها الرئيسية لقاءات جمعت بين مسئولين إسرائيليين وسعوديين خرجت إلي العلن أخيرا، باجتماع ضم تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية، مع يائير ليبيد وزير المالية الإسرائيلي السابق في نيويورك الأسبوع الماضي، وتستند إلي مبادئ مبادرة سابقة للعاهل السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز في عام 2002، وتتضمن الانسحاب الاسرائيلي من الضفة الغربيةوالقدسالشرقية والجولان، مقابل التطبيع العربي الكامل بين العرب وإسرائيل، لكن هذه المبادرة تعترضها عقبات كثيرة، أهمها بند المبادرة المتعلق بعودة اللاجئين الفلسطينيين، الذي ترفض اسرائيل مجرد مناقشته، كما لا تبدو سوريا مستعدة للانخراط في مبادرة سعودية، أما الجانب الفلسطيني فقد ازداد تفككا وانقساما عن أي وقت مضي، ليستمر غياب مرجعية موحدة يمكنها تمثيل الفلسطينيين. مبادرة أخري أوسع تحاول واشنطن الترويج لها، وهي تجمع سلة واسعة من الاتفاقيات حول جميع المناطق المتفجرة، وتشمل سورياوالعراق واليمن وليبيا، إلي جانب مبادرة حل القضية الفلسطينية، ويحظي التحرك الأمريكي باهتمام روسيا، التي أبدت موافقة أولية علي مقترح «سلة الحلول»، لكن الشياطين في هذه المبادرة أكثر حضورا، سواء في التفاصيل أو الخطوات وحتي الإطار العام، ومع ذلك تبدو أكثر منطقية من المبادرة السعودية الإسرائيلية. الطريق مغلق أمام أي مبادرة لا تبدأ بحل الأزمة السورية المتفاقمة، والتي يبدو الطرح الأمريكي لحلها هزليا، وتقترح التفاوض بين الرئيس السوري بشار الأسد مع خالد خوجة رئيس الائتلاف السوري المعارض، وخوجة سوري المولد وتركي الجنسية، ولا يملك أي حضور في المشهد السوري، ونموذج مكرر وباهت من الرئيس الأفغاني السابق حامد كرازاي، الذي أمضي فترة رئاسته محبوسا في القصر الرئاسي بالعاصمة كابول تحت حماية القوات الأمريكية، والائتلاف السوري الموجود في تركيا محاصر هو أيضا، لكن بالفضائح المالية، منها الاختلاس من الأموال المخصصة للاجئين السوريين وما يسمي الجيش الحر، ولم تفلح إعادة تشكيله أكثر من مرة في تجميله أو تسويقه، فهو لا يستطيع أن يدخل أي قرية أو مدينة سورية، فماذا يملك هذا الائتلاف ليفاوض النظام السوري؟. كشف أوباما عن ورقة قوته في سوريا عندما قال في مقر الأممالمتحدة الأسبوع الماضي: «لن يتم القضاء علي تنظيم داعش إلا بعد الإطاحة بالرئيس السوري»، أي أن أوباما يخير السوريين بين خالد خوجة دون إرهاب، أو بشار الأسد مع الإرهاب، والطريف أن أوباما يطلب من الرئيس السوري أن يشارك في عملية نقل سلطته، داعيا موسكو وطهران إلي إقناعه بالمشاركة في المفاوضات. الجانب الروسى لا يبدو مشغولا كثيرا ببالونات السلام، ويركز علي الوجود الفعال علي الأرض، وبالفعل جري تشكيل غرفة عمليات في بغداد تضم قادة عسكريين من روسيا وإيران وسورياوالعراق، تتلقي المعلومات وصور الأقمار الصناعية وطائرات التجسس، وتزود بها القوات المعنية، وقد تمدد الوجود الروسي من سوريا إلي العراق، ليتسع الفضاء أمام طائرات السوخوي والميج، التي بدأت ضرباتها الموجعة لتنظيم داعش، لكنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء الأمريكية، لتضرب معاقل جبهة النصرة وجيش الفتح المرفوض أمريكيا المساس بأي منهما، وشملت الغارات مواقع الجماعات الإرهابية في ريف الحسكة غربا، حتي الغوطة الشرقية وحمص في الوسط، لتصل إلي المعقل الرئيسي لتنظيم داعش في مدينة الرقة، تمهيدا لمطاردة التنظيم داخل العراق، بعد موافقة الحكومة العراقية. أمريكا متخوفة من التحالف الجديد المناهض للجماعات الإرهابية، لأن القضاء علي التنظيمات أو إضعافها سيضيع علي أمريكا وحلفائها ورقة الضغط الوحيدة التي تملكها، ولهذا شنت وسائل إعلام الدول المشاركة في التحالف الأمريكي حملة مكثفة علي التدخل الروسي، وراحت تشكك في النوايا الاستعمارية لروسيا في المنطقة، وأن الغارات التي شنتها الطائرات الروسية قد ألحقت أضرارا كبيرة بالمدنيين، وأوقعت بينهم قتلي وجرحي، وجاء رد بوتين سريعا، عندما قال إن الحملة الإعلامية ضد الغارات الروسية بدأت قبل أن تنطلق طائرة روسية واحدة لتشارك في ضرب الجماعات الإرهابية. تمثلت جدية الموقف الروسي في استقدام قوات إضافية إلي سوريا، رافقت الأسطول الروسي الذي بدأ مناوراته قبالة السواحل السورية، وإذا كانت روسيا سوف تكتفي بدورها في شن الضربات الجوية علي مواقع الجماعات الإرهابية، فإنها سوف تجد من يكمل الدور بالوجود علي الأرض، فهناك الجيش السوري وإلي جانبه حزب الله اللبناني، بالإضافة الي الجيش العراقي ومعه قوات الحشد الشعبي، ومن خلفهم قوات فيلق القدس الإيراني، بينما الطرف الآخر لا يملك سوي الجماعات الإرهابية، التي يتبرأ من التحالف معها، بل يتظاهر بمحاربتها، ويبدو أن الجيش التركي غير مستعد للتورط في سوريا، خاصة بعد الوجود الروسى، ما جعل فكرة إنشاء منطقة عازلة تتواري بعيدا. هكذا لا تبدو المنطقة في حالة تسمح بإطلاق بالونات السلام، فحرارة المعارك ستفجرها بسرعة، ولن تتمكن من التحليق طويلا بين طائرات من مختلف الأنواع والجنسيات، والتي تحاول بصعوبة أن تتجنب التصادم أو حدوث اشتباك غير مقصود. لمزيد من مقالات مصطفى السعيد