وسط ضباب كثيف من التضليل والمغالطات والدعاوى الباطلة، صار الترويج من قبل البعض للتنوير لتحقيق أغراض تبتعد في أحيان كثيرة عن المسار الطبيعي الذي يتجه إليه الفكر في توجهاته ومنطلقاته الثقافية.. لذلك لا نستغرب أن "التنوير" كلمة حق يُراد بها باطلٌ تَسبّب في تضليل الرأي العام والتشويش، وفي خلق بلبلة فكرية وثقافية ودينية وسياسية، أدّت ولاتزال إلى حالات من المواجهة الفكرية التي تقتضي أن تُوضّح فيها المسائل وتُصحّح المفاهيم. لا مانع أن تكون ثورياً مناضلاً، وأن تنير الوعي في القرى والنجوع، وأن تنحاز لبني جنسك، وأن تفضح النفاق والرياء وتكشف سوءات الضعف والإرهاب وألا تخاف من "هراوة الشيوخ".. لكني لا أفهم ال"تنويرية" التي تدفع بتصريحات تلوّح بأن زواج المثليين ليس حراماً أو عيباً، وأن طبيعة الإنجاب تتغير بتغير الزمن وفي تطور، وأن الدين الإسلامي مخطئ في أمر الختان والتبني.. تلك المنسوبة للكاتبة نوال السعداوي، والتي أدلت بها جهاراً نهاراً تحت مرأى ومسمع الجميع!! ما أعرفه جيداً أن العيب والعرف أمر يقرره ويقرّه المجتمع، ومن هنا تختلف المجتمعات في الأعراف والتقاليد، فما يعتبره مجتمعٌ عيباً قد لا يكون عند مجتمع آخر كذلك وهكذا… أما الحرام والحلال، فهذا لا يقره فرد ولا مجتمع، وإنما يقره دين وشرع، ولهذا قال اللّه عز وجل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ}. فما قالته مثلاً عن زواج المثليين هذا، أسماه القرآن (فاحشة)، وأنزل عذاباً بأول قوم سنوا ومارسوا وجهروا بهذه الفاحشة القميئة، وقلب عالي أرضهم سافلها؛ حتى يكونوا عبرة لمن بعدهم، ووثّق الله ذلك كله في كتابه الكريم؛ لأن ذلك يناقض فطرة الناس السوية، ويعاكس قانون استمرار الجنس البشري. فعندما تأتي دكتورة أو كاتبة ما محسوبة على (التنويريين) - كما يزعم البعض- وتقرّ بأن هذا الفعل المحرّم بوضوح أنه ليس حراماً، فهي إما أنها لا تعي ما تقول، وإما أنها نصبت من نفسها إلهاً والعياذ بالله!! دور التنويري ببساطة شديدة نشر المعرفة والأفكار النيرة للدروب الحقيقية لحياة الناس، وحثهم على التوجهات والأفكار العقلانية البعيدة عن التخلف والتخرف. لكن ليس دوره أن يحلل حراماً ويحرّم حلالاً، لا أن يثير (ارتعاشات) بين أوساط الرأي العام، بمحاولة فرض آراء وتوجهات معينة... التي توافق هوى البعض هم المثقفون متفتقو الذهن.. أما البقية فيُحتسبون في عِداد الجهلاء؛ أصحاب تجاعيد صلبة في عقولهم!! لمزيد من مقالات أحمد مصطفى سلامة