يثور لدى كثير من الدارسين المصريين سؤال ملح صار اليوم أكثر إلحاحًا هو سؤال نموذج الدولة الإسلامية الذى يتبناه بعض تيارات الإسلام السياسى بعد أن استطاعت بعض تياراته أن تصل إلى السلطة فى بعض البلاد، وأقامت نماذج واقعية ادعت أنها نماذج إسلامية. وأبرز تلك النماذج للدولة الإسلامية المدعاة النموذج الإيرانى والأفغانى والباكستانى والسودانى ونموذج تنظيم داعش الذى يواصل التمدد. ويتميز النموذج الإيرانى بأن الإسلاميين وصلوا فيه إلى السلطة عبر ثورة شعبية ضد نظام الشاه المستبد العميل، ويرتكز هذا النموذج على مبدأ يعرف باسم ولاية الفقيه، حيث يكون لرجال الدين سطوة أعلى فى الحكومة. وقد نجح النموذج الإيرانى فى بناء تعددية سياسية تتجاوز التعددية المقيدة التى صارت على الرغم من قصورها خطرًا يهدد سلطة رجال الدين أنفسهم، ولم تكن محترمة القواعد ولم تمنع الاغتيال السياسى والعنف بين أطرافها مرات متعددة، واحتدم الصراع بين المحافظين والإصلاحيين (بين الدولة والثورة). تاريخيًا كانت هناك علاقة وثيقة بين الإخوان المسلمين والإسلام السياسى الإيرانى منذ الخمسينيات (مع فدائيان إسلام) والآن بين الإسلام السياسى الإيرانى وحماس الجناح الفلسطينى للإخوان. أما النموذج الباكستانى السودانى فيرتكز على تحالف بين الإسلام السياسى وضباط الجيش واللجوء إلى الانقلاب العسكرى كوسيلة إلى تطبيق الشريعة التى لا يطبق منها إلا الجلد وقطع الأيدى والرقاب والرجم وصبغ المجتمع بصبغة دينية قشرية مع إغفال العدل والشورى، وذلك الفهم الخاطئ تشترك فيه نماذج الإسلام السياسى جميعًا وخاصة تنظيم داعش الذى يقترب من البربرية. وأثناء حكم ضياء الحق فى باكستان والنميرى فى السودان أخفق ذلك النموذج إخفاقًا واضحًا إذ عم الفساد وتدهورت الأوضاع الاقتصادية للأغلبية. ويتصف ذلك النموذج أيضًا ببوليسية الدولة إذ تتورم مؤسسة الأمن فيها على حساب المؤسسات التعليمية والصحية والخدمية الأخرى ويحتكر تنظيم سياسى رسمى واحد مهيمن النشاط السياسى كله. ثم يجيء النموذج الأفغانى وهو بعيد كل البعد عن العصر الحاضر ومعاد عداء كاملاً لعلوم وثقافة العصر الحديث فى سلفية مطلقة، وأشاع فى المجتمع الفقر والجهل والمرض. وفى مصر تظل تيارات الإسلام السياسى أسيرة أفكار متخلفة بعض أفراده يؤكد أن الأرض مسطحة، وأن مكة مركز الكون. ويتساءل منتقدون للقول بالمرجعية الدينية لشئون إدارة البلاد والبحوث العلمية أى مرجعية دينية تهدينا مثلا إلى حل فى مسألة تخصيب اليورانيوم أو تحقيق الحريات فى المجتمع. ويقول ابن خلدون إن النبى صلوات الله عليه جاء ليعلم الناس الدين لا الطب والزراعة . ويقول الباحث المصرى شوقى جلال إن ولاية فقيه فى عصر أضحت الولاية فيه وشرعيتها للعلم والبحث العلمى المنهجى نتيجة لثورة العلم والتكنولوجيا وتحقق المعلوماتية كثمرة لحرية الفكر والإبداع والتنظيم العلمى فى إدارة المجتمع هى جاهلية جديدة وظاهرة كارثية. فلا ينهار مجتمع لصدور كتاب أو لنشوء مذهب مغاير، وإنما ينهار حين يجتر ذاته ويعيش عالة على السلف وعلى الأجانب. إن ولاية الفقيه فى عصر العلم تجعل الولاية بلا سند أو شرعية. وفى كتاب «عولمة الإسلام» لأوليفييه روا يمضى المؤلف إلى القول إن الحركات الإسلامية تلتف حول مسألة الدولة من خلال حركتى الأسلمة وبناء الهوية الإسلامية انطلاقًا من الفرد وصولاً إلى إعادة تأسيس مجتمع من المحال تجسيده فى رقعة جغرافية محددة إلا على نحو فرضى تصورى فى حركة مزدوجة للفردية ونزع الإقليمية دلالة على عولمة الإسلام لكن وفق أشكال وحركات قد تختلف كثيرًا فى تعبيرها السياسى والديني، إسلام روحى وإنساني، أصولية جديدة طائفية أو أممية متشددة وناشطة. ويزعم روا أن معظم الحركات الإسلامية تنحو إلى أن تكون قومية أكثر منها إسلامية، فالأولوية لدى حركتى حماس والجهاد هى إقامة دولة فلسطينية، وهو زعم تكذبه ممارسات تلك الحركات فى الواقع. ولكن الأصولية الجديدة المتشددة دينيًا ترفض مصطلح الثقافة لمصلحة مصطلح الدين الذى تختزله إلى الحلال والحرام. وتتغذى الأصولية الجديدة من اللاقطرية وضعف الدولة القومية فى إطار أمة إسلامية خيالية. ويذهب الباحث المغربى محمد جبرون فى كتاب «مفهوم الدولة: أزمة الأسس وحتمية الحداثة» إلى أن سؤال الإسلامية الذى ملأ الدنيا ليس هو المشكلة الحقيقية، بل هو مجرد مظهر لمشكلة أعمق وأعقد وهى مشكلة العطب الاصلاحى التاريخى الذى حدث خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين واستمر بعد الاستقلال الوطنى. ومن ثم ليس حل «الإسلامية» فى الماضى السحيق ولا يكمن فى إقناع العلمانيين بأن فى الإسلام سياسة وإقناع الإسلاميين بمدنية الإسلام، ولكن أصل الخلل فى تصور إسلامية الدولة منهجى يكمن أساسًا فى مناهج قراءتهم للنص الشرعى الذى يعطى الأولوية للأحكام بدل الحكم ويعلى الجزئيات على الكليات وتطبيق الدولة لمجموعة من الأحكام الجزئية واتخاذها شكلاً معينًا (الخلافة)، وهو شكل متخيل مفروض على واقع مغاير. لمزيد من مقالات ابراهيم فتحى